حلول خاطئة لمعادلات الثقافة

حلول خاطئة لمعادلات الثقافة

غرافيتي لـ بانسكي

درجت على لسان العامة، في مرحلة الربيع العربي عبارة كثيرًا ما نقرؤها في التعليقات التي تنال من "المثقف" وهي "مثقف صالونات". ولا شك بأن للعبارة دلالاتها المهمة، فهي تشير حتمًا إلى اعتقاد العامة بأن المثقف العربي يعيش في حالة انفصام عن المحيط الاجتماعي، وفي اغتراب عن قاع المجتمع الذي يمر بمرحلة مهمة من مراحل التحول القاسية، التي تقتضي من المثقف أن يكون مضطلعًا بواجبه في تنمية الوعي لدى العامة ولدى القيادات.

مال العامة للنظر إلى المثقف العربي، خلال فترة الثورات، بوصفه "مثقف صالونات"

ولا شك أيضًا بأن الفكر الشعبي السائد عمومًا يتهم المثقف بالتخاذل أمام واجباته، وبات يعتقد بأنه عنصر غير مؤثر في القرارات المصيرية والقضايا الكبيرة، ولذلك أسبابه الكثيرة، منها ما يتعلق بالجمهور الذي يمارس استبداده على المثقف محملًا إياه أوزار السكوت أمام حكم الاستبداد طيلة تمكنه من رقاب الناس، ما قد يؤدي إلى عزله في بيته مكتفيًا في أغلب الأوقات بالصمت الحيادي، ومنها ما يتعلق بالمثقف نفسه بوصفه عاجزًا عن إنتاج المعرفة الفعالة والمؤثرة واكتفائه بطرح معرفة مجدبة لا ينبثق عنها ترجمة ضمن الحراك العام كفعل وسلوك. 

وبالتالي فليس مستغربًا أن تجد الكثير من المثقفين في عزلة حقيقية اختيارية كردة فعل سلبية تجاه ما يحدث، مما يزيد في عمق الصدع بين المجتمع المتشوش وبين المثقف المنعزل، وقد تتسم أمزجتهم بالسوداوية ومشروعاتهم الفكرية بالتنظير الذي يفتقد للمرونة في تحليل الظواهر واستنتاج القوانين المناسبة للتحديات والمستجدات.

غير أن كل ما سبق يندرج ضمن إطار الثنائية "مجتمع- مثقف"، وهنا لا بد لنا من التذكير بأن تعريف الثقافة والمثقف تعريف شائك، فالعرب في السياق التارخي استعاضوا عن هذه المفردة بالألقاب كالعالم والطبيب والشيخ الأكبر والإمام والفيلسوف، وغالبًا ما يكون هؤلاء موسوعيي المعرفة، وربما يتفوقون في مجالات عدة علمية وفكرية كابن سينا والفارابي والحسن ابن الهيثم وابن خلدون.. وسواهم.

أما في الغرب فقد نظّر غرامشي لهذا المفهوم وربطه ربطًا وثيق بطبقية المجتمع، وقال إن كل طبقة تنتج مثقفيها الذين يرتبطون بها عضويًا ويعبرون عن وعيها. وفي سياق تنظيره يعتبر بأن كل إنسان هو إنسان مثق، ولكن ليس لكل إنسان في المجتمع وظيفة المثقف.

إذًا، تنحصر المهمة الفعلية بالمثقف الذي تنطبق عليه هذه الصفة بإنتاج وعي مرحلي يطرد الأوهام السائدة ويبدد النمطيات المسيطرة. وهذا ما يعجز عنه حتما "أنصاف المثقفين". وهو لقب تحقيري لمن يشتغل بحقل الثقافة حاملين معهم نرجسية ونخبوية المثقف الحقيقي واستبدادية الشعبويين، وبذلك لا ينكفأ هؤلاء ولا يعتزلون الميادين الفكرية العامة، بل على العكس من ذلك تمامًا, هم يتنطعون لكل القضايا بصفتهم الشعبوية ويناقشونها ويطرحون حلولًا لها بصفتهم النخبوية، فالموسوعية لديهم تحولت في الحقيقة لحالة من المغناطيسية التي تلتقط الأفكار المتناثرة هنا وهناك دون ناظم يجمعها، أو نسق فكري واضح قد ينتج لاحقًا أي إبداع.

ورغم أننا قد لا نتفق على دقة هذا المصطلح "أنصاف المثقفين"، وأن البعض يقسم الأمور إلى متعلم ومثقف، أو مثقف و"مثقف أمي"، إلا أن رؤية الفظاعات التي ترتكب باسم الثقافة أحيانًا، مبيحة ممارسات القتل أو الانتقامات العشوائية، أو تحقير القناعات الدينية تعسفًا أو محاباة للقمع والاستبداد، قد تجيز لنا أن ننتقل بالوصف من "أنصاف المثقفين" لأثلاثهم، آملين ألا تجود الأيام علينا بأرباعهم أو أنصاف أرباعهم، كحلول خاطئة لمعادلات الواقع الثقافي الذي يمتلأ بموسوعيي "من كل وادي عصاية".

اقرأ/ي أيضًا:

زياد الرحباني وكعوب النساء

مالك السوري الحزين