حلم ستيف بانون

حلم ستيف بانون "الحمائي".. محور لعتاة اليمين عابر للقارات

ستيف بانون شخصية ملهمة في نظر شريحة واسعة من الشعبويين (Getty)

لم يكن زعيم اليمين البديل الأمريكي، ستيف بانون، مجرد رجل يميني داخل إدارة شعبوية بزعامة دونالد ترامب، ولكنه لطالما حظي بنوع من الشعبية الواسعة داخل أوساط الأمريكيين المناصرين لهذا التيار، فيما أثبتت الفترة الأخيرة أنه يملك تأثيرًا كبيرًا عليهم، وأنه يُعتبر ملهمًا وعرابًا لهذه التجمعات. لا يقتصر هذا "الإلهام" على أمريكا، ولكنه كما يوضح هذا المقال المترجم عن شبكة Salon، يتمدد إلى إيطاليا وأوكرانيا، ومناطق أخرى في العالم، بما يشبه حلفًا شبعويًا عابرًا للإقليم.

وقّع سالفيني للمشاركة في منظمة بانون الجديدة المزعومة والمسمّاة "الحركة - The Movement" من أجل "المساعدة على تحقيق سيطرة شعبوية على مستوى القارة

كتبتُ في وقت سابق من هذا الأسبوع عن علاقات ستيف بانون مع السياسيين المنتمين إلى اليمين المتطرف في أوروبا. في الواقع، يتواجد بانون في إيطاليا حاليًا، متملقًا أحدث حلفائه السياسيين، ماتيو سالفيني، والذي يشغل منصب وزير الداخلية ويقود الحزب القومي الإيطالي المعادي للمهاجرين. تصف صحيفة نيويورك تايمز سالفيني بأنه "الشخصية الأقوى في الحكومة الإيطالية الشعبوية الجديدة". إنه نجم يميني متطرف ناشئ معروف بعادته الخبيثة المتمثلة في السخرية من الليبراليين واليساريين، من خلال اقتباسه لعبارات منقولة عن بينيتو موسوليني.

ووفقًا لصحيفة التايمز؛ فقد وقّع سالفيني للمشاركة في منظمة بانون الجديدة المزعومة والمسمّاة "الحركة" (The Movement) من أجل "المساعدة على تحقيق سيطرة شعبوية على مستوى القارة خلال الانتخابات البرلمانية الأوروبية في الربيع المقبل". سيوفر بانون للقادة الشعبويين ممن ينتمون إلى اليمين المتطرف مساحة لعقد الاجتماعات بالإضافة إلى خبرات مزعومة تتعلق بمختلف جوانب الحملات الانتخابية (من الواضح أن تجربته التي استمرت لثلاثة أشهر في العمل مع دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأكثر عشوائية وحظًأ في تاريخ الولايات المتحدة تؤهله للعب دور الخبير السياسي).

اقرأ/ي أيضًا: "اليمين البديل في أمريكا.. "هايل ترامب!

يتقاسم سالفيني أمورًا أخرى مشتركة مع ترامب والجمهوريين بخلاف ستيف بانون. يحقق ممثلو الادعاء العام في الحكومة معه ومع حزبه بزعم سرقتهم عشرات الملايين من اليورو. و لجعل الأمور أكثر إثارة للاهتمام؛ فقد أفاد موقع (Buzzfeed) بأن المُساعد المقرب لسالفيني وهو جيانلوكا سافوني "له صلات بمرتزقة يقاتلون إلى جانب الميليشيات الموالية لروسيا والنازيين الجدد  في أوكرانيا". بالإضافة إلى أن سافوني نفسه زعيمٌ لـ "منظمة ثقافية" موالية لروسيا، أظهر بحث Buzzfeed قيامها بنشر دعاية مؤيدة للكرملين. وكان يضغط بشدة من أجل رفع العقوبات الإيطالية عن روسيا. يا له من عالم صغير.

من الواضح أن سالفيني قد التقى مؤخرًا بفيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر والقومي المناهض للمهاجرين، والمهتم أيضًا بالانضمام إلى حركة بانون الجديدة. إن الاتحاد معًا لإلحاق الهزيمة بالليبراليين في جميع أنحاء القارة هو شكل غريب من أشكال القومية، لكن يبدو أن هذه هي الخطة.

اطلع زاك بوشامب من موقع ( Vox) على هذه الحركة الجديدة عن قرب عندما ذهب إلى المجر للتحقق  والتعرف على حكومة أوربان. يثير تقريره القشعريرة؛ إِذْ يصف دولة استبدادية ذات حواجز حدودية وبيروقراطية بيزنطية مصممة لتعطيل الحكم الديمقراطي وصحافة مكممة  تطغى عليها الدعاية الحكومية واقتصاد كليبتوقراطي (أي يحكمه اللصوص). وصف بوشامب ذلك بـ "الفاشية الناعمة"، ولكن هذه التسمية ألطف مما هي عليه في الواقع:

تُعرّف الفاشية الناعمة بأنها "نظام سياسي يهدف إلى القضاء على المعارضة والتحكم في جميع الجوانب الرئيسة من الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد، دون الحاجة للجوء إلى تدابير (قاسية) كحظر الانتخابات وبناء دولة بوليسية".

كما يُلاحِظ كيف أن هذا يوفر نموذجًا للولايات المتحدة، وليس عن طريق فرض حكم دكتاتوري بشكل ملحوظ، ولكن من خلال "سلسلة من تغييرات القواعد والقوانين الانتخابية المفروضة بمرور الوقت والتي قد تكون تغييرات مبررة إذا نُظر إلى كل منها على حدة، إلا أن مزجها مع الفساد والشعوبية الديماغوجية  أو الغوغائية يخلق نظامًا جديدًا - يبدو في ظاهره ديمقراطيًا لكنه في الحقيقة ليس كذلك".

قال بانون إن أوربان، الذي تولى منصب رئيس الوزراء منذ 2010، يُعد "مثيلًا لترامب قبل أن يظهر ترامب ذاته".

يعتقد بانون أنه أكثر ذكاءً من أي شخص آخر وغالبًا ما يحاول استمالة اليسار الشعبوي إلى رؤيته المشوهة. وقد صرح لـ"فريد زكريا" من قناة "سي إن إن" في حزيران/ يونيو الماضي بأنه يعتقد أن باستطاعته تحويل وجهة ما لا يقل عن 25 بالمائة من أتباع بيرني ساندرز، لتشكيل أغلبية حاكمة قومية. في الأسبوع الماضي، حذر بانون التقدميين من أن المؤسسة الحاكمة ستعرقل برنامجهم إذا تمكن ديمقراطي من الوصول إلى البيت الأبيض، تمامًا  كما يؤمن بأنها تخطط "لانقلاب" على دونالد ترامب.

أتوقعُ أن الكثير من أعضاء اليسار الأمريكي كانوا يتطلعون إلى حديث قادتهم بشأن هذا الأمر علانيةً وبوضوح. يوم الخميس؛ كتب السيناتور بيرني ساندرز مقالًا حادًا في صحيفة الغارديان يدين فيه هذه الحركة اليمينية المتطرفة موضحًا خطورة التهديد الذي تمثله. علاوة على وصف الوضع الراهن بأنه "صراع عالمي يتسبب في عواقب هائلة. إن مستقبل الكوكب - اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا - على المحك ... نحن نشهد صعود محور استبدادي جديد".

لم يستخدم ساندرز مصطلح "محور" مُصادفة، فقد كتب:

بينما قد تختلف هذه الأنظمة عن بعضها في بعض النواحي، فإنها تشترك في السِمات الرئيسية: العداء للمعايير الديمقراطية، والعداء تجاه الصحافة الحرة، وعدم التسامح تجاه الأقليات العرقية والدينية، والاعتقاد بأن الحكومة يجب أن تعود بالنفع على مصالحهم المالية الأنانية. بالتأكيد لم يبدأ هذا التوجه مع ترامب، ولكن ما من شك في أن القادة الاستبداديين في جميع أنحاء العالم قد ألهمتهم حقيقة أن زعيم أقدم وأقوى كيان ديمقراطي في العالم يبدو مسرورًا بتحطيم المعايير الديمقراطية.

من الأهمية بمكان أن يقول أحد أهم قادة اليسار الأمريكي هذا الكلام في عبارات شديدة ومعبرة. ينتقد ساندرز بوضوح القيادة الفاسدة السلطوية لروسيا والمملكة العربية السعودية والمجر والصين وغيرها ويجعل الروابط بينها واضحة؛ واصفًا هذه الدول  بأنها جزء من"جبهة مشتركة" تتقاسم التكتيكات بالإضافة إلى بعض من نفس الممولين من كبار الأثرياء.

اقرأ/ي أيضًا: ترامب في "دير شبيغل".. داعشي يذبح الحريات

لا يطرح ساندرز سياسات محددة لمكافحة هذا التهديد، سوى أجندته الاقتصادية الاجتماعية الديمقراطية فضلًا عن فلسفته القياسية غير التدخلية، لكن هذا ليس هو الجزء المهم. إنه يدعو اليسار الأمريكي إلى الانتباه:

من أجل مواجهة صعود المحور الدولي الاستبدادي بفاعلية، يتوجب علينا إنشاء حركة تقدّمية دولية تحشد الجماهير لتحقيق رؤية للرخاء المُشترك والأمن والكرامة لجميع الناس، وتتصدى لغياب المساواة الموجود في جميع أنحاء العالم ليس فقط في الثروة، بل وفي السلطة السياسية أيضًا.

تُعرّف الفاشية الناعمة بأنها نظام سياسي يهدف إلى القضاء على المعارضة والتحكم في جميع الجوانب الرئيسة من الحياة السياسية والاجتماعية

يجب أن تكون هذه الحركة مستعدة للتفكير بشكل خلّاق وجريء بشأن العالم الذي نود رؤيته. وفي حين يلتز م المحور الاستبدادي بهدم النظام العالمي القائم بعد الحرب العالمية الثانية والذي يرون بأنه يحدّ من قدرتهم على الوصول للسلطة والثروة، فلا ينبغي أن نكتفي فقط بالدفاع عن هذا النظام الموجود الآن.

ينبغي علينا أن نُقرّ بصدق بفشل النظام القائم في الوفاء بالعديد من وعوده وكيف استغل المستبدون تلك الإخفاقات ببراعة لبناء أجِندتهم. يجب علينا أن ننتهز الفرصة لإعادة تشكيل نظام عالمي تقدّمي حقيقي يستند إلى التضامن الإنساني، نظامٌ يرى بأن كل شخص على هذا الكوكب له خِصلة إنسانية مُشتركة، وهي رغبتنا جميعًا لأطفالنا بالتمتع بصحة جيدة، والحصول على تعليم جيد، والحصول على وظائف لائقة، وشرب مياه نظيفة، وتنفس هواء نقي، والعيش في سلام.

لن يقبل اليسار الأمريكي ولا اليسار الدولي رأي بانون ومنظور رفاقه المحدود الغبي الهوبزي للعالم ولن يحدث هذا مطلقًا. إن العنصريين اليمينيين والقوميين لن يلاقوا سوى العزلة وغياب الدعم.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ساندرز: ترامب استفاد من الغضب ضد مؤسسات الدولة

من الملام على فوز ترامب؟