حلقتان ضعيفتان في الأدب الفلسطيني
20 يناير 2026
رغم أن الكثيرين يعترضون على رأيي هذا، ما زلت أرى مع كثيرين أيضًا أن الكتابة الأدبية الفلسطينية بشكل عام، بعد تجارب محمود درويش وإيميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني وسميرة عزام وحسين برغوثي، للأسف لم ترتقِ إلى مستوى تعقيد الحياة الفلسطينية، بكافة مكوناتها من شهداء وهزائم وخيانات وسجن وحياة وفساد وبطولات وغيرها. كنت أحيانًا أنتقد نفسي على هكذا سوداوية ويأس، وأحاول أن أقنع نفسي أن زمن الكاتب الوحيد العظيم المسيطر على المشهد، مثل نجيب محفوظ في الستينيات والسبعينيات، أو محمود درويش في الثمانينيات، أو غسان كنفاني في السبعينيات، قد انتهى بفعل عوامل كثيرة، كالانفجار المعرفي ووسائل التواصل الجديدة وانفتاح العالم على بعضه، وتحول العالم لقرية صغيرة، وأنه طبيعي جدًا أن يتوزع الضوء على العديد من المبدعين، بدلًا من تركيزه على مبدع واحد.
لا أهدف من كلامي إلى التقليل من أثر أدب الكثيرين من شعراء وروائيين وقصاصي فلسطين، الذين حفروا مساحاتهم بالجهد والموهبة، ولديهم جماهيرهم وتأثيرهم، لكني أتحدث عن الأعمال الأدبية الكبرى التي تشكل بنيتها أرقى أنواع الصدمات الجمالية والمفاجآت الأسلوبية التي تؤثر على الناس، وتحوّل حياتهم، هكذا حدث معنا ونحن نقرأ (المتشائل) أو (رجال في الشمس) أو (الضوء الأزرق) أو (السفينة).
الكتابة عن المخيم (وفقًا لما أظن) لا تعني أن أحشر فقط مفردات وفضاءات وروائح وبيئة المخيم في القصة، حتى أبدو صادقًا، كالزينكو والمزراب وحليب الوكالة والزقاق وأخدود الصرف الصحي وغيرها. كما أن الكتابة عن السجن لا تعني بالضرورة أن أدس فقط مفردات عالم السجن، مثل البرش والشوتير والفورة والعدد والنقلية والكانتينا والعزل وغيرها. صحيح أن كل هذا ضروري لنعطي صورة حقيقية للمكان ونجعل القارئ يعيش الأجواء المخيمية وأجواء المعتقلات، لكن هناك شكل ولغز وغرابة العلاقات بين الناس في المخيم والسجن، ومفارقات العيش، والصراعات الداخلية، والتوتر والقسوة وجنون غياب الخصوصية، والألم المخبأ، والكراهية والجريمة والحب المخنوق، والدناءة والبطولة وغيرها من المعاني التي تعيش داخل الفلسطيني ومعه. الصراع في المخيم والسجن ليس فقط مع السجان، هناك صراع بين السجين والسجين وساكن المخيم مع جاره، وهناك الصراع الداخلي داخل السجين، تمزقات روحه، وانفلات معنى الأشياء داخله، ويأسه الطبيعي، وهناك صراع ابن المخيم مع ذاته ومع أسئلته، وهو يحاول أن يفهم كيف اختاره القدر وحده ليكون مكشوفًا في سُرّته وغرفة نومه وأحلامه أمام جاره الآخر.
الكتابة عن المخيم (وفقًا لما أظن) لا تعني أن أحشر فقط مفردات وفضاءات وروائح وبيئة المخيم في القصة، حتى أبدو صادقًا، كالزينكو والمزراب وحليب الوكالة والزقاق وأخدود الصرف الصحي وغيرها
الكتابة عن السجن والمخيم أيضًا لا تعني أن أصور نضال المكانين ضد الاحتلال ومخططاته بطريقة البيان الحزبي أو المنشور التحريضي، ولا أن أفضح عنجهية الاحتلال وأقوي عزيمة الناس بالأمل بلغة مفتوحة على العاطفة المتأججة والغضب الشعبوي، ولا أن أكتب قصائد حنين مزخرفة ومرتفعة النبرة وخطابية إلى الزوجة أو الأم (طبعا احترامي الكبير لهذه المشاعر).
لا توجد كتابة أدبية ناضجة تحن إلى ماضٍ جميل باندفاعات عاطفية سطحية (رغم احترامي الشديد لهذه المشاعر الإنسانية)، أو لتمدح الفلسطيني وتشتم العدو بأسلوب مباشر وسهل، كأننا في مظاهرة ساخطة، وتواسي المتألمين وتتوعد السجان بطريقة صراخية تنفيسية، وكأننا في مناظرة تحدي. الأدب ليس مظاهرة ولا مسيرة شموع ولا صراخ على جنود، ولا طبيب نفسي يطمئن المريض بعلاج سحري، ليست هذه مهمة الأدب الراقي، وليست هذه مفاتيحه.
قرأت كثيرًا من أدب السجون الفلسطيني، فلم أجد أدبًا (متمنيًا أن يكون هناك ولم يصلني) بأفق وجودي يهز داخلي مشاعر جديدة، ويتعمق في تأمل المعنى الفلسفي للسجن، متعالقًا مع المكان ومفرداته، وفي الغوص داخل أعماق السجين ومشاعره التي من الصعب التصريح بها، وأسئلته العالية حول الإنسان والعزلة والخوف والجنون بعيدًا عن اللغة الساخطة. حين أتحدث عن أدب السجون، أعني بالضبط ذلك الذي يتناول عالم السجين وحياته داخل غرفة السجن أو في الزنزانة، أما ذلك الأدب الذي يكتبه سجين وتكون أحداثه خارج السجن، فهو موضوع آخر يمكن تأمله فيما بعد.
كما أنني لم أقرأ أدبًا بحدود. قراءاتي عن المخيم، لكاتب فلسطيني يسكن هناك، تركت داخلي حرارة أثر لا تنتهي، أو كشفت لي عن مشاعر مخبأة، أو حوّلت عندي مواقف معينة، أو أربكت حسابات، حتى معظم قصص غسان كنفاني وسميرة عزام عن المخيم بالذات، والتي تربينا عليها ذوقيًا وأحببناها وأثرت في وجدنا الوطني، لم تبتعد كما أرى عن كونها إثارة عاطفية وطنية، تفريغية، حفلات بكاء تريح النفس، لكنها لا تساعد على الكشف، لذلك هي تقدم اليأس والفقر والحزن والبطولة والإثم والخداع والخوف من مدخل خارجي، أفقي، ساخن عاطفيًا لكنه بارد جماليا، ولا تتعامل مع موضوعة الألم في المخيم من نوافذ وجودية عالية المعنى وعمقها. هناك كتابات فلسطينية لامست هذه المعاني الشاهقة. التحدي ما زال عاليا.
هما إذن حلقتان، برأيي ضعيفتان، في أدبنا الفلسطيني: أدب المخيم وأدب السجن.
ربما أكون مخطئًا.







