حلقة جديدة من عملية التطهير العرقي.. التفكيك المنهجي للنظام الصحي شمال غزة
29 ديسمبر 2024
أخرج جيش الاحتلال الإسرائيلي آخر منشأة صحية (مستشفى كمال عدوان) في شمال غزة عن العمل ، وجاء ذلك حسب منظمة الصحة العالمية نتيجةً لعملية تفكيك منهجي للنظام الصحي هناك، ونتيجةً أيضا لحصار مطبق دام أكثر من 80 يومًا على شمال غزة، وبخروج مستشفى كمال عدوان عن العمل باتت حياة 75000 فلسطيني متبقين في المنطقة معرضةً للخطر.
وقالت منظمة الصحة العالمية في بيانٍ لها بعد إحراق جيش الاحتلال لمستشفى كمال عدوان، إنها تشعر بالفزع من إقدام إسرائيل على هذه الخطوة، والتي تعدّ حلقةً من مسلسل التطهير العرقي، وخطة الجنرالات التي تنفذها في شمال غزة لإخلائه من سكانه، وتحويله إلى منطقة عسكرية مغلقة.
وكان جيش الاحتلال قد اقتحم المستشفى، وأضرم النيران في المختبر ووحدة الجراحة وقسم الهندسة والصيانة وغرفة العمليات والمستودع الطبي، كما أجبر عددًا من العاملين في المستشفى من أطباء وممرضين وموظفين ومرضى على مغادرته نحو المستشفى الإندونيسي المدمر والخارج عن العمل هو الآخر، قبل تهجيرهم نحو الجنوب، بينما تم نقل غالبية الموظفين والمرضى المحجوزين والمرافقين إلى مكان قريب حيث يتعرضون للاحتجاز.
يسعى جيش الاحتلال إلى تطهير شمال غزة من سكانه
بالإضافة إلى ذلك، أكدت منظمة الصحة العالمية أن بعض الأشخاص جُردوا من ملابسهم وأُجبروا على السير باتجاه جنوب غزة.
واجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي صورة للدكتور حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان، وهو يسير بين ركام المستشفى متوجهًا ببزته الطبية البيضاء نحو مدرّعتين إسرائيليتين بها مجموعة من جنود جيش الاحتلال، لتصرح وزارة الصحة الفلسطينية لاحقًا بأنه جرى اعتقاله، لا لشيء إلّا لمعارضته خروج المستشفى الأخير في شمال قطاع غزة عن العمل، وقطع الرعاية الصحية التي يقدمها المستشفى لمرتاديه.
وعلى مدى الشهرين الماضيين، ظلت المنطقة المحيطة بالمستشفى تشهد هجمات إسرائيلية بشكل يومي تقريبًا. وبحسب التقارير، أسفر القصف في محيط مستشفى كمال عدوان هذا الأسبوع عن مقتل 50 شخصًا، بما في ذلك خمسة من العاملين الصحيين من مستشفى كمال عدوان.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أنّ مستشفى كمال عدوان الآن بات خاليًا. بعدما تم مساء أمس، نقل 15 مريضًا حرجًا متبقين و50 من مقدمي الرعاية و20 من العاملين الصحيين إلى المستشفى الإندونيسي، الذي يفتقر إلى المعدات والإمدادات اللازمة لتقديم الرعاية الكافية. وقالت منظمة الصحة العالمية "إن نقل وعلاج هؤلاء المرضى الحرجين في ظل هذه الظروف، يشكل مخاطر جسيمة على بقائهم"، وأضافت المنظمة أنها "تشعر بقلق عميق على سلامتهم، وكذلك على مدير مستشفى كمال عدوان، والذي ورد أنه اعتُقل أثناء عملية الاقتحام" قبل أن يظهر لاحقًا وهو يسير بين ركام المستشفى متوجّها صوب جنود الاحتلال. وقد أكدت المنظمة أنها "فقدت الاتصال به منذ بدء العملية".
وكشفت منظمة الصحة أنه "يجري التخطيط لإرسال بعثة من المنظمة إلى المستشفى الإندونيسي اليوم الأحد، لنقل المرضى بأمان إلى جنوب غزة لمواصلة الرعاية".
ولفتت منظمة الصحة العالمية إلى أنّ تدمير مستشفى كمال عدوان جاء عقب قيود فرضها جيش الاحتلال على وصول المساعدات الإنسانية لشمال قطاع غزة، وعلى إثر هجمات متكررة كانت بمثابة تمهيد وتحضير لضرب المستشفى، فمنذ أوائل تشرين الأول/أكتوبر 2024، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع ما لا يقل عن 50 هجومًا على المرافق الصحية في المستشفى أو بالقرب منه. وعلى الرغم من الاحتياجات المتزايدة الشدة لخدمات الطوارئ والإمدادات الطبية، "لم يتم تيسير سوى 10 من أصل 21 مهمة لمنظمة الصحة العالمية إلى كمال عدوان جزئيًا بين أوائل تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر. وخلال هذه المهام، تم تسليم 45 ألف لتر من الوقود والإمدادات الطبية والدم والغذاء، وتم نقل 114 مريضا مع 123 مرافقا إلى مستشفى الشفاء. ولكن تم رفض نشر فرق الطوارئ الطبية الدولية مرارًا وتكرارًا" من طرف جيش الاحتلال، حسب منظمة الصحة العالمية.
وبخروج آخر منشأة صحية في شمال غزة عن العمل، أكدت منظمة الصحة العالمية أنّ جهودها وجهود شركائها لدعم المستشفيات في شمال غزة "باءت بالفشل"، فمع خروج مستشفى كمال عدوان والمستشفى الإندونيسي بالكامل عن الخدمة، وعجز مستشفى العودة بالكاد عن العمل، وتعرضه لأضرار بالغة بسبب الغارات الجوية الأخيرة، فإن "شريان الحياة المتعلق بالرعاية الصحية للمتبقين في شمال غزة قد وصل إلى نقطة الانهيار".
ومع ذلك قالت منظمة الصحة العالمية إنها "تدعو إلى ضمان دعم المستشفيات في شمال غزة بشكل عاجل حتى تتمكن من العودة إلى العمل مرة أخرى"، مؤكدة أن المستشفيات في شمال أصبحت مرة أخرى "ساحات معارك، تذكرنا بتدمير النظام الصحي في مدينة غزة في وقت سابق من هذا العام".
نداءات غير مسموعة:
قالت منظمة الصحة العالمية إنها وجهت منذ بدء العدوان على غزة 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 نداءات إنسانية عاجلة ومتكررة "لحماية العاملين الصحيين والمستشفيات وفقًا للقانون الإنساني الدولي ، لكن تلك النداءات لم تجد آذانًا صاغية"، حيث ظلّت الهجمات الإسرائيلية تتكرر على المستشفيات، بادعاءات تبين في كل مرة زيفها، فالجميع يتذكر حالة مستشفى الشفاء، الذي ادعت آلة الدعاية الإسرائيلية أنه مكان "إرهابي توجد أسفله قيادة حماس والمختطفين" ليقوم جيش الاحتلال باقتحامه وإحراقه دون أن يكون قادرًا على إثبات أي من تلك المزاعم.
وذات الأمر يتكرر من جديد مع مستشفى كمال عدوان الذي تدعي إسرائيل أنه "بمثابة مركز لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة"، الأمر الذي نفته الحركة نفيا قاطعا، مؤكدةً عدم " وجود أي مظهر عسكري أو وجود مقاومين في المستشفى، سواء من كتائب القسام أو أي فصيل آخر، فالمستشفى كان مفتوحا أمام الجميع والمؤسسات الدولية والأممية التي تعرف المستشفى تعرف ذلك جيدا".
أمّا المكتب الإعلامي الحكومي في غزة فاعتبر تدمير مستشفى كمال عدوان "جريمة حرب مكتملة الأركان"، محذرا من أن هدفها الرئيس هو "القضاء التام على النظام الصحي في غزة كجزء من سياسة الإبادة الجماعية التي تمارس بحق الشعب الفلسطيني".