حلب بين المهلة والحسم: الاشتباكات تدخل مرحلة القرار العسكري
8 يناير 2026
يعكس إعلان وزارة الدفاع السورية فرض حظر تجوال مفتوح ابتداءً من الساعة 01:30 ظهرًا في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، مقرونًا بالتحذير من الاقتراب من مواقع تنظيم "قسد" بناء على الخرائط التي نشرتها الحكومة السورية تمهيدًا لقصفها، والبدء باستهدافات مركزة في التوقيت ذاته، انتقالًا واضحًا من سياسة الضغط التدريجي إلى مرحلة أكثر صرامة في إدارة المشهد الميداني. فالحديث عن مهلة ثانية، بعد انتهاء الأولى مساء أمس، يوحي بأن الخيارات غير العسكرية باتت محدودة، وأن القرار العسكري يجري التحضير له ضمن مسار تصاعدي يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض قبل استنفاد ما تبقى من قنوات التفاوض.
ويأتي هذا التطور في سياق اشتباكات تدخل يومها الثالث في مدينة حلب، وسط تصعيد متدرج بين قوات وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، ما حوّل المنطقة فعليًا إلى مسرح عمليات مفتوح. وقد أفرز هذا التصعيد كلفة إنسانية مرتفعة، تمثلت بسقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين والعسكريين، إلى جانب موجة نزوح واسعة قُدّرت بنحو 300 ألف مدني، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي بات يرافق الخيارات العسكرية، ويضع المدينة أمام اختبار صعب بين متطلبات الحسم الأمني ومخاطر الانفجار الاجتماعي والإنساني.
بين الإعلان العسكري وخيارات الميدان
بحسب البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع السورية، فإن القوات تستعد لعملية عسكرية تهدف إلى دخول الحيين وإنهاء وجود "قسد" في كامل محافظة حلب، في ما يُعد تحولًا نوعيًا في طبيعة المواجهة مقارنة بالمرحلة السابقة. في المقابل، تواصل "قسد" نفي وجود أي قوات عسكرية تابعة لها داخل الحيين، مؤكدة أن الموجودين هم عناصر من قوات الأمن الداخلي "الأسايش"، وذلك استنادًا إلى اتفاق "نيسان/أبريل" الموقع بين الطرفين في العام الماضي.
تدخل الاشتباكات في مدينة حلب يومها الثالث، وسط تصعيد متدرج بين قوات وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، ما حوّل المنطقة فعليًا إلى مسرح عمليات مفتوح.
هذا التباين في الروايات لا يُخفي حقيقة أن الميدان بات أقرب إلى الحسم منه إلى الاحتواء، خاصة مع إعلان حيّي الشيخ مقصود والأشرفية منطقتين عسكريتين مغلقتين، وفتح معبرين إنسانيين لفترة زمنية محدودة، تلاها فرض حظر تجوال كامل. وتُقرأ هذه الإجراءات، في السياق العسكري، كخطوات تمهيدية تهدف إلى فصل المدنيين عن ساحة الاشتباك، تمهيدًا لعمل عسكري أوسع.
أهمية جغرافية ومعادلة السيطرة
تكتسب أحياء الشيخ مقصود والأشرفية أهمية استراتيجية خاصة لكونها تقع في قلب العاصمة الاقتصادية لسوريا، وتشرف جغرافيًا على مناطق واسعة من مدينة حلب بارتفاع يقارب 50 مترًا، ما يمنح من يسيطر عليها أفضلية ميدانية واضحة. كما أن الحيين يتمتعان بتحصينات واستعدادات عسكرية راكمتها خلال الفترة الماضية، في وقت يُعدّان فيه شبه محاصرين، إذ تبعد أقرب نقطة من مناطق سيطرة "قسد" عشرات الكيلومترات عنهما.
وتُقدَّر مساحة الحيين بنحو أربعة آلاف متر مربع، ويقطنهما سكان من الغالبية الكردية، ما يضيف بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا حساسًا إلى أي عملية عسكرية محتملة، ويُفسّر في الوقت نفسه حجم النزوح السريع الذي رافق التصعيد الأخير.
تسيطر "قسد" على منطقة شمال شرق سوريا التي تشمل تقريبًا كامل محافظتي الرقة والحسكة ونصف محافظة دير الزور، أو ما يُعرف بشمال شرق الفرات، إضافة إلى حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، وكذلك منطقة عين العرب/كوباني ذات الغالبية الكردية في أقصى الريف الشمالي لمحافظة حلب عند الحدود التركية. وتُقدَّر المساحة التي تسيطر عليها "قسد" بنحو 28% من مساحة سوريا، وتحتوي هذه المناطق على أكبر حقول النفط في البلاد.
ومع سقوط نظام الأسد، وُقّع بين الحكومة السورية و"قسد" اتفاق " 10آذار"، الذي يقضي بدمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز. ويُعتبر الاتفاق منتهيَ المهل الزمنية المنصوص عليها في بنوده، والتي حُدّدت حتى نهاية العام السابق. ويُعزى عدم التنفيذ إلى عدم التوافق حول آلية اندماج المؤسسات، إذ تطالب "قسد" بالدخول ككتلة واحدة ضمن الجيش السوري مع الحفاظ على استقلاليتها، إضافة إلى خصوصية مؤسساتها المدنية، وتغيير الدستور بما يضمن حقوق الأكراد ولغتهم، واعتماد نظام حكم لا مركزي. وقد أدى عدم تنفيذ الاتفاق إلى تفاقم الوضع بشكل متدرج، وصولًا إلى ترجيح خيار العمل العسكري حاليًا.
أما بالنسبة لحيّي الأشرفية والشيخ مقصود، فقد جرى توقيع اتفاق آخر خاص بهما، عُرف باتفاق نيسان، ينص على انسحاب "قسد" من الحيين، على أن يتولى الأمن العام السوري وقوات "الأسايش"، إلى جانب لجنة مشتركة، الإشراف على الوضع في الحيين.
هواجس الأمن القومي التركي
ترى تركيا في "قسد" تهديدًا استراتيجيًا لأمنها القومي، خشية أن تحصل الأخيرة على حكم ذاتي شبيه بإقليم كردستان العراق، لما لذلك من انعكاسات على أنقرة، خاصة في ظل وجود ما بين 10 و15 مليون كردي داخل تركيا. لذلك تدفع أنقرة باتجاه تحجيم وتقليص نفوذ "قسد"، وقد نفذت مجموعة من العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية لإبعاد "قسد" عن حدودها، أبرزها عملية "درع الفرات" عام 2017، و"غصن الزيتون" عام 2018، و"نبع السلام" عام 2019.
في المقابل، ترى "قسد" أن من حقها الحصول على نظام حكم لا مركزي يضمن خصوصيتها في إدارة شؤون مناطق سيطرتها، خاصة في ظل حالة الاستعصاء السياسي بعد سقوط النظام، والمتمثلة في الصراع بين نموذج الحكم المركزي الذي تريده الحكومة السورية، ونموذج اللامركزية الذي تطالب به مجموعة من المكونات السورية. كما تُبدي "قسد" تخوفًا من تكرار أحداث آذار في الساحل مع المكون العلوي، وأحداث تموز في السويداء مع المكون الدرزي، والتي أدت إلى مواجهات دامية.
وتُعد الاشتباكات الجارية حاليًا في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود امتدادًا لأصل الصراع القائم بين الطرفين. ففي الوقت الذي تُصر فيه الحكومة السورية على دخول الحيين وإبعاد "قسد" إلى شمال شرق الفرات، تُبدي الأخيرة، حتى الآن، رفضًا للانسحاب، ما يجعل المواجهة العسكرية الخيار الوحيد المطروح في الساعات المقبلة.
سيناريوهات المواجهة والبعد الإقليمي
وفي هذا السياق، تتبلور عدة سيناريوهات محتملة لمسار التصعيد. يتمثل السيناريو الأول في إقدام قوات "قسد" على الانسحاب من حيّي الأشرفية والشيخ مقصود، بما يتيح دخول القوات الحكومية قبل الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة. أما السيناريو الثاني، فيقوم على اندلاع المعركة فعليًا، مع احتمال أن تجد "قسد" نفسها عاجزة عن الصمود ميدانيًا، ما قد يدفعها إلى طلب هدنة مؤقتة تُفضي إلى انسحاب كامل من الحيين. في المقابل، يطرح السيناريو الثالث احتمال نجاح "قسد" في صد الهجوم، وهو ما قد يدفعها إلى توسيع نطاق المواجهة عبر فتح جبهات أخرى في مناطق سيطرتها شمال شرق الفرات، ولا سيما عند سد تشرين، الذي يُعد خط تماس رئيسيًا بين مناطق نفوذها ومناطق سيطرة الحكومة السورية، أو في نقاط أخرى، بهدف تشتيت قوات الحكومة. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن المواجهة قد تتجاوز إطارها المحلي لتتطور إلى صراع أوسع وأشمل بين الطرفين.
وتحمل التطورات الجارية أبعادًا إقليمية واضحة، خاصة في ما يتعلق بالعلاقة بين إسرائيل وتركيا. إذ ترى تل أبيب في وجود "قسد" عنصرًا مهمًا في مواجهة النفوذ التركي. وفي هذا السياق، صرّح وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي، جدعون ساعر، معتبرًا أن الهجمات التي تشنها قوات النظام السوري ضد الأقلية الكردية في مدينة حلب "خطيرة ومميتة"، وقال إن المجتمع الدولي "مدين للأكراد الذين قاتلوا بشجاعة ونجاح ضد تنظيم داعش".
وأضاف ساعر أن "القمع المنهجي والدموي للأقليات المختلفة في سوريا يتناقض مع وعود سوريا الجديدة"، محذرًا من أن "صمت المجتمع الدولي سيؤدي إلى تصعيد العنف من جانب النظام السوري". في المقابل، صدر تصريح عن وزارة الدفاع التركية أكدت فيه أن القوات المسلحة السورية تنفذ بمفردها العمليات العسكرية الجارية في مدينة حلب، مشيرة إلى أن أنقرة "جاهزة لتقديم المساعدة إلى سوريا في حال طُلب منها ذلك".
وأضافت الوزارة أنها "تتابع من كثب التطورات التي تشهدها سوريا"، مؤكدة أن أنقرة "تدعم سوريا في مكافحتها للمنظمات الإرهابية في إطار الحفاظ على وحدة أراضيها".
مشهد مفتوح على احتمالات صعبة
في المحصلة، تكشف تطورات الاشتباكات في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود عن مشهد شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والإنسانية والإقليمية. وبين تلويح رسمي بالحسم، ومهلات متتالية، ونفي متبادل للمسؤوليات، تبقى مدينة حلب أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم خرائط السيطرة داخلها.
ومع استمرار النزوح، وتراجع فرص التسوية السريعة، يظل مستقبل هذه الأحياء معلقًا بين خيار تسوية أو مواجهة قد تحمل تداعيات تتجاوز حدود حلب، لتطال المشهد السوري الأوسع في واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا.