حكومة الحوثيين الجديدة.. طائفية وتخلص من الحلفاء
15 أغسطس 2024
شكّل الحوثيون حكومةً جديدةً في صنعاء، خلت هذه المرة من تمثيل المؤتمر الشعبي العام (جناح صنعاء)، وطغى عليها في المقابل الطابع الطائفي إلى حدّ وصفها من طرف حلفائهم بالأمس القريب ـ المؤتمر الشعبي جناح صنعاء ـ بالحكومة الطبقية، لأنها منحت الأولوية للأسر الهاشمية في الحقائب الوزارية، وحاول من خلالها قائد الجماعة عبد الملك الحوثي احتواء التوترات وصراع الأجنحة في جماعته من خلال المحاصصة.
وترأّس الحكومة ـ غير المعترف بها دوليًا ـ أحمد الرهوي، وتقلصت فيها الحقائب الوزارية من 37 حقيبةً في الحكومة السابقة إلى 19 حقيبةً فقط في الحكومة الحالية التي أطلق عليها الحوثيون "حكومة التغيير والبناء".
وأبقى الحوثيون في تشكيلتهم الحكومية الجديدة على وزيريْ الدفاع اللواء الركن محمد ناصر العاطفي، والداخلية اللواء عبد الكريم الحوثي، وكان لافتًا، حسب المراقبين، تعيين عالم دين زيدي نائبًا أول لرئيس الوزراء، وهو محمد أحمد أحمد مفتاح، وأيضًا تعيين الفريق الركن جلال الرويشان نائبًا لرئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن، وإعفاء شقيق زعيم الجماعة يحيى الحوثي الذي كان يشغل منصب وزير التربية والتعليم في الحكومة السابقة.
طغى على حكومة الحوثيين حسب منتقديها الطابع الطائفي والطبقي، لأنها منحت الأولوية للأسر الهاشمية في الحقائب الوزارية، وحاولت احتواء التوترات وصراع الأجنحة من خلال المحاصصة
وكعادة جميع الحكومات التي شكلها الحوثيون، خلت حكومتهم الجديدة من أي تمثيلٍ للمرأة اليمنية، وهو ذات الأمر في الحكومة اليمنية، وليس من تفسيرٍ لهذه الحالة العابرة للحكومتين إلّا تهميش المرأة اليمنية التي كان لها دورٌ كبير في جميع المظاهرات التي شهدها اليمن منذ الثورة على نظام عبد الله صالح، مشاركةً وتعبئةً وقيادةً حتى.
الأمر الآخر، المهم أيضًا، في هذه الحكومة، أنّها وضعت "نهايةً" مرحليةً على الأقل، للتحالف بين الحوثيين وحزب المؤتمر الشعبي (جناح صنعاء) الذي همّش وغُيّبت قياداته في التشكيلة الحكومية الجديدة، مقابل صعودٍ ملحوظ للأسر الهاشمية التي استأثرت بالوزارات السيادية والإيرادية.
القطيعة مع حزب المؤتمر الشعبي
عقب قيام الحوثيين بقتل الرئيس اليمني الأسبق عبد الله صالح في العام 2018 عمدت الجماعة إلى فرض الإقامة الجبرية على عدد من قيادات المؤتمر في صنعاء، شكّلوا تحت أنظار الحوثيين قيادةً جديدة للحزب باتت تعرف بجناح صنعاء، أبقت من خلالها الجماعة على التحالف الصوري بينها وحزب المؤتمر الشعبي. لكن حتى هذه الشراكة الصورية يبدو أنّ الحوثيين أصبحوا في غنى عنها بعدما استنفدت أهميتها، فخلال الفترة السابقة، زرع الحوثيون أهل ثقتهم في جميع القطاعات الحكومية والإدارية، مستغلين الشراكة مع حزب المؤتمر الشعبي لإضفاء الشرعية على سياسة الإحلال التي قاموا بموجبها باستبدال موظفي الدولة بآخرين من المحسوبين على الجماعة، مع منح الأولوية للأسر الهاشمية.
أثارت الحكومة الجديدة التي شكلها الحوثيون انتقاداتٍ كثيرة، حيث قال عنها أحد قيادات المؤتمر الشعبي العام (جناح صنعاء)، إنّ تشكيلها "جاء طائفيًا بامتياز من خلال تشكيل حكومة الأسر الهاشمية"، مضيفًا أنه "لم يراع فيها مبدأ الشراكة التي كانت صوريةً مع المؤتمر الشعبي العام - جناح صنعاء، والذي تقبع قياداته تحت الإقامة الجبرية"، لكن التشكيل الحكومي، حسب القيادي في المؤتمر الشعبي "يقدّم حقيقة جماعة الحوثيين للشعب باعتبارها جماعةً طائفية تكفر بمبدأ الشراكة في الحكم، وهذا مؤشرٌ خطير على فشل أي اتفاقٍ سياسي يشمل جميع القوى السياسية ويتم توقيعه مع الحوثيين لإنهاء الأزمة اليمنية، لأن هذه الجماعة تريد أن تحكم اليمنيين بمبدأ القوة بعيدًا عن مبدأ الشراكة" حسب تعبيره.
ودعا القيادي في المؤتمر الشعبي، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، "جميع القيادات المؤتمرية في مناطق سيطرة الحوثيين إلى تجميد عملهم السياسي بهدف الحفاظ على تماسك حزب المؤتمر الشعبي العام، وكذا عدم إعطاء أي شرعية للحوثيين، لأنه لا يمكن لحزبٍ سياسي أن يمارس العملية السياسية وقياداته تحت الإقامة الجبرية" حسب قوله.
رد الحوثيين
في المقابل قال عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثيين، حزام الأسد: "إن حكومة التغيير والبناء في تشكيلتها تمثل الجمهورية اليمنية على المستوى الجغرافي والاجتماعي والسياسي، فعلى الرغم من أنها حكومة تكنوقراط لها مهامٌ وأولوياتٌ مرحلية ملحّة، ومتعلقة معظمها بالتخفيف من معاناة المواطن، وتوفير الخدمات للمجتمع، إلا أنه تمّ مراعاة البُعد السياسي والجغرافي والاجتماعي في التشكيلة، وقد نال حزب المؤتمر الشعبي العام عددًا من الحقائب الوزارية، بالإضافة إلى رئاسة الحكومة، ومنصب نائب رئيس الحكومة لشؤون الدفاع والأمن" حسب توصيفه.
وأضاف عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله "التحالف مع المؤتمر الشعبي العام وحلفائه ومع بقية الأحزاب اليمنية مستمرٌ ومتماسك، ولا يوجد ما يعكّر صفو هذا التلاحم والتماسك، والحكومة الجديدة هي حكومة كفاءات، ولم يؤخذ أي بعدٍ مناطقي أو أسري أو جهوي، والدليل أسماء ومناطق الأعضاء المتنوعة، بدءًا بالرئيس والنواب مرورًا ببقية الأعضاء، وما يهمنا هو الكفاءة والنزاهة، وأن تكلل جهودها بالنجاح" وفق تعبيره.
لكنّ عددًا من الخبراء في الشأن اليمني ينفون أن تكون حكومة الحوثيين الجديدة حكومة تكنوقراط أو تمثّل المجتمع اليمني في تنوعه. فالمحلل السياسي فهمي المقطري يرى أن "التشكيلة الحكومية التي أعلنت عنها جماعة الحوثيين تؤسس للبناء الطبقي الذي يسعى الحوثيون إلى تأصيله في المجتمع من خلال جعل الأسر الهاشمية في قمة هرم البناء الطبقي، باعتبارها الفئة التي تحظى بالاصطفاء، وهو المنهج الذي عبروا عنه في ما يسمى بوثيقتهم الفكرية، وهذا ملاحظ من خلال استئثار الهاشميين بالوزارات السيادية والإيرادية، وتعيين رجل دين من المذهب الزيدي نائبًا أول للحكومة".
ويرى المحلل السياسي أيضًا أنّ "الحوثيين أرادوا من خلال التشكيلة الحكومية إيصال رسالةٍ مفادها أنهم أصبحوا يمتلكون القوة التي تجعلهم يتخلون عن الشراكة الصورية مع المؤتمر الشعبي العام (جناح صنعاء)، وإن كان هناك تمثيلٌ ضئيل لشخصيات جنوبية محسوبة على المؤتمر في وزارات هامشية، وللحوثيين غاية من خلال ذلك وهي المحافظة على شكل اليمن الموحد، والتمهيد لاجتياح المحافظات الجنوبية في قادم الأيام وفي مقدمتها محافظة أبين التي ينتمي إليها رئيس الحكومة المعلنة".
وأكّد الكاتب الصحافي عبد الله السامعي، هو الآخر، أنّ تشكيلة الحكومة المعلن عنها في صنعاء "تُظهر أن الحوثي قرّر الاستغناء عن حزب المؤتمر الشعبي العام الموالي له، والذي كان يستحوذ على النصيب الأكبر في التشكيلة السابقة، على الرغم من أنها حكومة شكلية ومنزوعة الصلاحيات، ويستخدمها الحوثي فقط شمّاعةً لمواجهة المطالب الشعبية بالخدمات والرواتب".






