حكومة التكنوقراط.. فخ السلطة للانتفاضة اللبنانية

حكومة التكنوقراط.. فخ السلطة للانتفاضة اللبنانية

لافتة بشعار "كلن يعني كلن" من تظاهرات الانتفاضة اللبنانية (رويترز)

في لبنان، ستسمع الكثير من الأطروحات الخاصة بشكل الحكومة المقبلة؛ كل مواطن يعبر عن وجهة نظره أمام شاشات التلفزة، طارحًا حلًا للأزمة يعتقد أن فيه الخلاص.

قد تلجأ المجموعة الحاكمة في لبنان لتشكيل "حكومة تكنوقراط" للتهرب من الأزمة وجعل حكومة التكنوقراط، كبش فداء يُعلّق عليه الفشل

من ذلك، طرح لافت لكثرة تردده، وهو تشكيل حكومة تكنوقراط. لا يعرف معظم اللبنانيين سوى أنها حكومة مؤلفة من اختصاصيين بإمكانهم "إنقاذ البلد وحمله إلى بر الأمان"، وعلى اعتبار أن وزراء هذه الحكومة لن يكونوا خاضعين للتجاذب السياسيي، وفي المقابل سيكونون مستقلين، ولهم القدرة على اتخاذ القرارت ومحاسبة الفاسدين. ويتم طرح حل التكنوقراط مع كل أزمة اقتصادية أو سياسية، بالاستناد إلى تجارب في دول أوروبية إبان أزمات الركود الاقتصادي.

اقرأ/ي أيضًا: أسئلة الانتفاضة الجادة بعد استقالة الحريري

المسار الدستوري في لبنان

أعتقد أن علينا أن نكون واضحين بشأن كيفية تشكيل الحكومات في النظم البرلمانية، حيث يقوم الشعب بانتخاب البرلمان النيابي المؤلف من 128 نائبًا مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ثم يقوم المجلس النيابي بانتخاب رئيس له، ومن ثم انتخاب رئيس للجمهورية.

بعدها يقوم رئيس الجمهورية باستشارات نيابية مع النواب للوقوف على رأيهم حول طبيعة الحكومة، واسم الرئيس الذي يجب تكليفه، ثم يسمي رئيس الجمهورية، رئيسَ الحكومة الذي بدوره يشكل الحكومة مراعيًا المحاصصة الطائفية. ثم ينعقد المجلس النيابي لمنح الثقة للحكومة المشكلة. 

في المقابل، فإن السبب لطرح حكومة التكنوقراط، هو فقدان ثقة الشارع في البرلمان، في حين لم يحن الوقت لإجراء انتخابات نيابية جديدة. وطالما أن الأحزاب في البرلمان، لم تتفق على تشكيل حكومة تقليدية، تحدث الموافقة على حكومة تكنوقراط للإدارة التنفيذية المؤقتة.

إذًا، فحكومة التكنوقراط هي بالتعريف "حكومة فترة مؤقتة"، لمواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية، والتمهيد لانتخابات نيابية مبكرة، ستفرز في النهاية حكومة سياسية تقليدية.

وحكومة التكنوقراط هي حكومة بلا سياسيين كما يفترض، وفي بعض الأحيان لا يكون أحد من أعضائها ذا خلفية سياسية إطلاقًا، فمن المفترض أنهم خبراء فحسب في مجالاتهم.

يقودنا هذا إلى جوهر المسألة اللبنانية، فما يجري الآن أن البعض يتصور أن حكومة تكنوقراط ستكون قادرة على تنفيذ "الإصلاحات المؤلمة الضرورية" لإنقاذ البلد. 

في المقابل، لا يبدو أن أيًا من أحزاب السلطة الكبيرة، راغب في تحمل كلفة "سياسات مؤلمة" وحده، خاصة في هذه اللحظة، حيث تعم الاحتجاجات أرجاء البلاد بهتاف "كلن يعني كلن". لذا، قد تكون حكومة التكنوقراط، خطوة عبور مثالية لأحزاب السلطة، بما يهدئ الأجواء حولها قليلًا، بتحميل المسؤولية لـ"خبراء مستقلين"، قد لا ينجحون بيدهم، أو يُفشّلون بيدٍ خفية لكن معلومة!

قناع التكنوقراط

يبدو في طرح حكومة التكنوقراط، في الحالة اللبنانية، بعض تناقض بين مطالب مجاوزة الخطاب الطائفي، وبين المطالبة في نفس الوقت، بحكومة تنتفي عن أفرادها أي صفة أو اعتبار متعلق بالطائفة التي ينتمي لها. إذًا فالمراد من الحكومة التكنوقراطية ليس مجاوزة الصراع السياسي الحزبي، وإنما مجاوزة الصراع الطائفي الحزبي!

من جهة أخرى، قد تلجأ المجموعة الحاكمة في لبنان، إلى تشكيل "حكومة تكنوقراط" من باب التهرب من الأزمة ومسبباتها الرئيسية، وجعلها، أي حكومة التكنوقراط، كبش فداء، يُعلّق عليها الفشل، ليظهر المنقذ: نفس المجموعة الحكم، بنفس نظام الحكم. إنها حيلة قديمة متجددة على صورة وضع كل بلد.

إذًا، فإن تشكيل حكومة تكنوقراط، مع بقاء المجموعة الحاكمة على وضعها، لن تكون بالتعريف حكومة شرعية، بما في ذلك التعريف الدستوري الذي تنطلق منه الانتفاضة: "الشعب مصدر السلطات"، فضلًا عن أنها لن تكون حكومة فعالة، خاصة وأنها لن تتمتع بصلاحيات سياسية استثنائية، تحيل إلى تغيير جذري في نظام الحكم المحاصصي. وعليه، على الأرجح، أنها ستكون محكومة بالفشل كما أريد لها، وستظل لعبة السلطة مرهونة بالمجلس النيابي ورئاسة الجمهورية، بحيث يمكن عزل الحكومة في أي وقت.

لذا يبدو أن أي دفاع عن خيار الحكومة التكنوقراطية، تجاهل لخصوصية لبنان، وتعقيدات مشهده الطائفي السياسي، وصعوبة وضعه الاقتصادي. فالسياسيون عادةً عندما يفشلون، يبحثون عن خبراء تكنوقراط للتقنع بهم، أو بالأحرى لتنظيف بعضٍ مما خلّفوه. ويبدو في هذا نفاقٌ سياسي، فالبلد ممتلئ بالتكنوقراط مسؤولي الوزارات والإدارات العامة، ولا يبدو أن لوجودهم أي ثقل مؤثر، في ظل بقاء "السيستم" على حاله.

وطالما أن الحكومة المذكورة، لن تتمتع بصلاحيات سياسية استثنائية، فلا طائل منها. ولا يُرجح أبدًا أن تتمتع بصلاحيات سياسية استثنائية، لأن ذلك يعني قدرتها على محاسبة كل متورط في الفساد، أي "كلن يعني كلن"، وهو أمر، بطبيعة الحال، لن ترضى السلطة السياسية، التي عينت هذه الحكومة، بحدوثه بأي حال. 

ما العمل؟

ربما تنجح حكومة التكنوقراط لفترة محدودة جدًا في تخطي الأزمة، لكنها سرعان ما ستصطدم بتحديات سياسية عديدة متعارضة مع مصالح الأحزاب السياسية. مثلًا: التصويت في الجامعة العربية، والتصويت في الأمم المتحدة، والعلاقات الخارجية، والموقف من الحرب، والموقف من اللاجئين السوريين، فضلًا عن المواقف السياسية/الاقتصادية في الداخل: فساد وطائفية ومحاصصة مناطقية في كل شيء.

إذًا، لا تبدو حكومة التكنوقراط حلًا للمسألة اللبنانية، فالوضع في لبنان يجاوزها لما هو أعمق، لسؤال المصارحة: ما الذي يريده المواطن اللبناني فعلًا: دولة المحاصصة بما تعنيه من تدعيم الطائفة والمنطقة في التمثيل السياسي، أم دولة العدل والرفاه؟ 

ربما ينبغي النظر بعين الاعتبار للبعد الطبقي، والذي تجلى في الانتفاضة المنافحة عن حقوق الأكثر فقرًا في وجه سطوة الأغنياء من كل طائفة، الذين استطاعوا بالخطاب الطائفي الشعبوي، أن يحشدوا لمصالحهم الذاتية جدًا، وتركوا القاعدة ملتهية بصراع لا يبدو أنه في حقيقة الأمر يعني هؤلاء، أي المجموعة الحاكمة، وإلا ما كانت هذه المجموعة الآن على قلب رجل واحد في مواجهة الانتفاضة الشعبية.

ربما ينبغي النظر بعين الاعتبار للبعد الطبقي الذي تجلى في الانتفاضة المنافحة عن حقوق الأكثر فقرًا في وجه سطوة الأغنياء من كل طائفة

الثقة مفقودة في المجموعة الحاكمة للعديد من الأسباب. وفي حين أن لكل أحد أو مجموعة، سببًا أو مجموعة أسباب لفقدان الثقة في السلطة؛ بالإمكان جمع ذلك في خطاب أكثر تحديدًا، يعبر عن القاعدة ومصالحها مجتمعة، وذلك بالإشارة إلى أن القائمون على نظام الحكم في لبنان، مجموعة من المستفيدين تقاطعت مصالحهم الطبقية، فاتفقوا على تقسيم كعكة السلطة (سياسية واقتصادية وحتى دينية) بينهم حصرًا، وإقصاء الشعب بجملته في هامش الفقر والعوز، بعد تشظيته بالطائفية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

4 سيناريوهات محتملة في لبنان بعد استقالة سعد الحريري

انتفاضة لبنان.. الطريق نحو التأسيس لتاريخ "لبناني" نظيف