حكاية كنيسة وجامع

حكاية كنيسة وجامع

جامع من خلفه كنيسة قبطية في القاهرة (Getty)

لم يتصور أبدًا أنه سيحمل يوميًا هم تلك الجملة في رحلة رجوعه الى المنزل بعد عناء ساعات العمل الطويلة، كان يعرف أن انتقاله من منزل العائلة القريب من عمله، الى بيت الزوجية في مكان أبعد، سوف يفرض عليه قضاء وقت أطول في المواصلات والبحث عنها مجهودًا أكبر في التنقل بين سيارة وأخرى، بالاضافة إلى زيادة تكلفة الانتقالات من وإلى العمل.

كان الهدف أن يكون المسجد في مواجهة الكنيسة، أو حتى محلها

حملت زيجته التي لم تكمل عامها الخامس بعد همومًا لا حصر لها ومسؤوليات لا تنتهي، بدءًا من ارتفاعات الأسعار الجنونية التي خلقت عبئًا إضافيًا في مصروفات المنزل، وعقد الإيجار الذي تبقى منه أربعة عشر شهرًا ، والطفل الجديد الذي اقترب عيد مولده الثالث، طبعًا بالإضافة إلى العزلة التي فرضتها بعد المسافة بين الشقة الجديدة ومسقط الرأس، كما فرضتها طبيعة المنطقة وثقافة أهلها.

لم يحك لأحد من أصدقائه أو جيرانه أو حتى زوجته عن الأزمة اليومية التي يعيشها في رحلة رجوعه، ربما لأنهم يعيشونها ويتحدثون عنها كثيرًا، ولكن شعوره مختلف إزاءها فالجملة التي ينطق بها تعيد اليه كل ذكريات الماضي الجميل في شقة والده القديم بحي "شبرا"، تعيد ذكريات رفاق الطفولة وزملاء المدرسة، كما تحمل مرارة الحاضر وقسوة المستقبل في ذلك الحي الواقع بين محافظتي القاهرة والقليوبية.

كانت النصيحة الوحيدة التي قدمها لها والده في اختيار مسكن الزوجية، أن يعيش في كنف "الكنيسة"، فسوف تكون بمثابة الضمان والحماية لأسرته من أي تهديد، وعملًا بالنصيحة المتواترة رشح له صديق حي بمنطقة "الخصوص" الواقعة على أطراف مدينة "شبرا الخيمة". عدة شوارع تم اقتناصها من الأراضي الزراعية، أنشئت على هامش الطريق الدائري الذي يربطها بالعالم، وعلى الطريق تقع الكنيسة، حولها شيدت الطرق والمساكن في سرعة وعشوائية طالما تميزت بها القاهرة وضواحيها.

كان مبنى الكنيسة وما يحيط به من مبان تابعة لها، مع اقتراب المنطقة من حي شبرا صاحب أعلى نسبة للسكان المسيحيين في مصر، كما كان بناء سلمين من الطريق الدائري قبل الكنيسة وبعدها، تحولا فيما بعد إلى محطات لسيارات "السرفيس"، إغراء كافيًا لكل شاب مسيحي يبحث عن موطن آمن يسكنه، بعد أن اقتصر حي شبرا على الأغنياء من أبناء الحي العريق، بسبب الارتفاع الجنوني في إيجار السكنى.

توسعت المنطقة وتحولت إلى حي عشوائي صغير وانتشرت المحال التجارية بسرعة جنونية، ورغم وجود عشرات الأسر المسيحية في أبنية سكنية حول الكنيسة، إلا أن التجريف الذي طال الأراضي الزراعية المحيطة حولها إلى مطمع لمقاولي البناء السريع غير الآمن، تزايدت أعداد السكان وتنوعت، تباعدت المساكن وتفرعت الشوارع بعيدًا عن الكنيسة ومدخل المنطقة من الطريق السريع.

كانت خطبة الجمعة دائمًا ما تحمل تحريضًا ضد "النصارى" تلميحًا أو تصريحًا

رغم اتساع المنطقة وازدحامها المتسارع، كان يشعر وكأن الأفق يضيق عليه، وشقته على اتساعها تتحرك جدرانها في ازاحات منتظمة يوميًا نحو الداخل، وكان يعلل ذلك دائمًا بالأفواج الزاحفة باتجاه المنطقة، وظهور العديد من ذوي اللحى المطولة ونظراتهم المحملة بالكراهية اليه والى زوجته وولده. لم يحمل ذلك كله قلقًا بمقدار ما حمله خبر إنشاء مسجد جامع جديد في الجهة المقابلة للكنيسة من الطريق الواسع، كانت هناك العديد من الأراضي الصالحة لبناء الجامع الكبير داخل الحي البسيط، ولكن ربما كان الهدف أن يكون في مواجهة الكنيسة، أو حتى محلها.

كان الكل يعلم أن صاحب الأرض التي تبرع بها للمسجد يطمح الى استغلال عشرات الأفدنة الزراعية في مواجهة الحي الجديد، ليتم تبويرها والبناء عليها محققًا مكاسب خيالية، ورغم ذلك سارعوا جميعًا فقيرهم قبل الغني من أبناء المنطقة الجدد إلى التبرع من أجل بناء المسجد. سريعًا تحول صاحب الأرض الى شيخ، كما نادت مآذن المساجد في صلوات الجمعة وبينها، داعية الى التبرع لبناء الجامع الكبير، كانت الأحاديث في مجالس الأهالي تدور في نطاق ضرورة بناء الجامع حتى ننفي عن أنفسنا سمعة أنها منطقة "للنصارى".

خلال ستة أشهر تم الانتهاء من الجامع الكبير، وتم وضع مكبرات الصوت على مئذنته التي تمادوا في إطالتها لتتجاوز كل مباني المنطقة، أولها الكنيسة طبعًا. ابتسم قليلًا حينما تذكر الصور المكررة لمثال الوحدة الوطنية في نظر الدولة والإعلام، الكنيسة في حضن الجامع.

حاول أن يتذكر هل كان الجامع سببًا في تغير معاملة الأهالي للمسيحيين من سكان المنطقة، أم أن الغضب المكتوم لدى أبناء الكنيسة والشعور المتزايد بالاضطهاد هو ما جعلهم يشعرون بتغير معاملة الأهالي؟!

لم تمنع جدران الكنيسة التي يسكن خلفها مكبرات الصوت بالجامع من حمل صوت خطيب الجمعة إليه، كانت الخطبة دائمًا ما تحمل تحريضًا ضد "النصارى" تلميحًا أو تصريحًا، كان يرى نظرات الظفر والانتصار في عيون الخارجين من الصلاة بالمسجد الجديد، وكان أيضًا يشعر بالحزن والرعب الشديدين يجتاحا صلوات الكنيسة، ومحاولات رجال الكنيسة لطمأنة المصلين، وتذكيرهم بقدرة المبنى على حمايتهم.

لا يذكر أنه انتظم في الصلوات طوال عمره الا في العامين الأخيرين. يصحو من أفكاره عند اقتراب محطة النزول، يزيد قلقه وتضطرب أمعاؤه، كيف سيطلب من السائق التوقف في المحطة، كان قديما ينادي من آخر السيارة " قبل الكنيسة يا سطى"، ولكن في المرة الأخيرة كانت نظرة السائق والركاب إليه تكاد تحرقه، كما تذكر مرة أخرى حين نادى بنفس الجملة، فنظر اليه أحد الملتحين من الركاب بطرف عينه قبل أن ينادي "السلم اللي قبل مسجد التوحيد".

يكاد يتوقف قلبه حين يحسم السائق الجدل الدائر بداخله، فينادي بجملته الأخيرة "حد نازل قبل الجامع أو بعده". يلقي نظرة أخيرة على المحيطين به، ربما يجد زميل صلاة أكثر جرأة ينطق بها مكانه، ترتد إليه نظراته خائبة، وتقترب المحطة، ينادي السائق بصوت خافت يخرج من بين شفتيه المرتعشتين "قبل.. يا سطى".