حكايات شخصية من قلب

حكايات شخصية من قلب "المجزرة".. شهادات جديدة عن فض اعتصام رابعة

داخل المستشفى الميداني في اعتصام رابعة أثناء عملية الفض (Getty)

ثمّة أحداث تاريخية لا يعود الواقع المعيش بعدها مثلما كان، ففي التاريخ الحديث كما أنّ هناك الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية والحرب العالمية الثانية، النكبة وحرب السادس من تشرين الأول/أكتوبر والانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية؛ هناك أيضًا فض اعتصام ميدان رابعة العدوية بالقاهرة، الذي مثّل حدثًا فاصلًا في تاريخ مصر والمنطقة لما انبنى عليه.

وقعت أحداث فض اعتصام رابعة العدوية في 14 آب/أغسطس 2013، وراح ضحيته من المعتصمين أكثر من ألف قتيل، وآلاف المصابين ثم عشرات الآلاف من المعتقلين. وخرجت عقب الفض العديد من الشهادات عليه، واستخدمت مئات منها في صياغة روايات تقترب من واقع ما حدث، لتُسجّل للتاريخ حكايات الذين قضوا في عملية "القتل الجماعي المتعمد والممنهج"، بحسب توصيف منظمات حقوقية دولية.

وصفت منظمات حقوقية دولية فض رابعة الذي راح ضحيته أكثر من ألف شخص، بأنه عملية "قتل جماعي متعمدة وممنهجة"

"ألترا صوت" جمع لكم شهادات جديدة من قلب اعتصام رابعة، لأشخاص حضروا الاعتصام والفض، وقرروا للمرة الأولى أن يرووا حكاياتهم.

أوّل الضحايا لم يكن إخوانيًا

معظم الذين تحدثنا إليهم طلبوا عدم ذكر اسمهم، وتفهمنا ذلك وضعًا في الاعتبار المخاطر الأمنية التي قد تطالهم، لذا وضعنا لهم أسماءً مُستعارة، من هؤلاء "عادل" وهو مهندس مصري شاب في العشرينات من عمر، وينتمي تنظيميًا لجماعة الإخوان المسلمين.

اقرأ/ي أيضًا: في ذكرى فض رابعة.. الرواية الرسمية في مرمى نيران مئات الشهادات المستقلة 

يبدأ عادل الحكاية من أوّلها وفقًا لروايته، بدايةً من الدعوة لتظاهرات 30 حزيران/يونيو 2013. يقول: "كنا نعلم بوجود مؤامرة ما تُحاك ضد الرئيس محمد مرسي، وكنا على استنفار واستعداد لما سوف يحدث، وقيل لنا في أوقات عدة إنّ ثمّة داعمين من الخارج لمحاولة انقلاب على النظام، ولم أكن أصدق تلك الأقاويل في البداية".

وكانت قد تردد حديث عن احتمالية إزاحة محمد مرسي من الحكم، خاصةً بعد تأزم الوضع السياسي في البلاد، وانسداد آفاق الحل السياسية، لذا فإن البعض يُشير إلى أنّ خطاب مُرسي الذي قال فيه جملته الشهيرة: "عندنا رجالة زي الدهب في الجيش"، كانت محاولة لاستمالة عبدالفتاح السيسي وقيادة الجيش إلى صفه، بعد أن تشبّثت القوى السياسية المعارضة بخيار المواجهة الصفرية.

يُكمل عادل حديثه: "تأكدت من تلك الأقاويل لاحقًا بعد مرور تلك الأحداث، ثم علمت بمقابلة رئيسة وزراء في دولة ما لجبهة الإنقاذ (تكتل من أبرز القوى السياسية المعارضة آنذاك) قبل 30 حزيران/يونيو، وأنها أبلغتهم بفشلهم في جمع 100 ألف شخص في ميدان واحد كي يعطوا لأي محاولة انقلاب شرعيته. ثم علمت بعد ذلك بدعم إماراتي لحملة تمرد للانقلاب على الرئيس".

في المقابل تقول حملة تمرد إنها استطاعت جمع ملايين الوثائق الموقعة من مواطنين بجملة مطالب على رأسها سحب الثقة من الرئيس آنذاك، محمد مرسي الذي كان قد أشار عدة مرات إلى وجود "أصابع خفيّة بتلعب في البلد"، دون أن يحدد ماهيّتها، كما أنه أو جماعته أو أحدًا من حكومته، لم يُشكك يومًا بشكل معلن وصريح في الجيش والشرطة وقادتهما، بل اعتبر أنهم "رجال من ذهب".

يقول عادل الذي كان لديه بعض الاطلاع على في كواليس جماعة الإخوان بحكم انتمائه لها، إنّ "30 حزيران/يونيو لم تكن محاولة الانقلاب الأولى، إذ سبقتها محاولات أُخرى لكنها فشلت، مثل أحداث قصر الاتحادية التي شهدتها بنفسي، ورأيت فيها تواطؤ قوات الأمن مع المحتجين ومع جبهة الإنقاذ، وكيف كانت هناك محاولات لاقتحام قصر الاتحادية بالقوة لإعلان نجلس رئاسي مدني من داخله".

ووقعت أحداث الاتحادية بدايات شهر كانون الأول/ ديسمبر 2012، عندما اعتصم محتجون أمام قصر الاتحادية الرئاسي اعتراضًا على الإعلان الدستور المُكمّل الذي أصدره مرسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، ومنه بدأت بوادر الأزمة الحقيقية بينه وبين القوى المدنية المعارضة. وقد راح ضحية أحداث قصر الاتحادية 11 أشخاص، وعشرات المصابين، أغلب القتلى كانوا من مؤيدي محمد مرسي، ومن بين القتلى أيضًا الصحفي الحسيني أبوضيف، الذي كان بين صفوف المحتجين المعتصمين، وقد تلقى رصاصة في رأسه يُختلف إلى الآن في مصدرها، خاصةً وأنّ 8 من الضحايا من صفوف الإسلاميين المؤيدين لمرسي.

من أحداث قصر الاتحادية (مواقع التواصل الاجتماعي)
من أحداث قصر الاتحادية (مواقع التواصل الاجتماعي)

رواية الإخوان المسلمين عن أحداث الاتحادية، تُشير إليها باعتبارها "مُؤامرة مدبّرة" لإسقاط مرسي، اشترك فيها وزير الداخلية آنذاك أحمد جمال الدين، الذي يُذكر في السياق ورود اسمه في تقرير لجنة تقصي الحقائق كأحد المتورطين في أحداث محمود محمود في 2011. كما تقول رواية الإخوان إن مرسي حاول الاتصال بجمال الدين، وعلى مدار خمس ساعات لم يجبه الأخير، ما ضاعف من شكوك الإخوان حول تآمر الداخلية على مرسي، وهو ما دفعهم إلى إعطاء أوامر لمؤيديهم بالنزول إلى محيط قصر الاتحادية، الأمر الذي تسبب في حدوث اشتباكات بينهم وبين المحتجين، وسقوط الضحايا والمصابين، حسب رواية الإخوان.

في المقابل تأتي رواية المحتجين مختلفة بطبيعة الحال، إذ تقول الرواية إن مؤيدي الإخوان بدؤوا بالاعتداء عليهم في الخيام، وأن أفراد الداخلية كانوا عونًا لهم، ملقين باللوم الكامل على محمد مرسي وجماعة الإخوان، حتى أنّ جبهة الإنقاذ آنذاك، صرّحت بأنّ "شرعية النظام باتت على المحك".

وإلى الآن تغلب الضبابية على مشهد أحداث قصر الاتحادية، ولا تزال الروايات مختلفة بشكل شبه كامل، خاصة وأنّ البلاد كانت تشهد انقسامًا واستقطابًا حادًا، ما صعّب من وجود رواية موضوعية يُعتد بها بشكل كامل.

يُؤكد عادل على روايته الخاصة بتآمر الشرطة، بقوله إنّه "في الوضع الطبيعي توجد تعزيزات أمنية مكثفة حول قصر الاتحادية، تلك التعزيزات اختفت في ذلك اليوم، حتى استطاع المحتجون الوصول إلى أسوار القصر وإلقاء المولوتوف بداخله، وفي تلك الفترة تعرضت جماعة الإخوان إلى العزل المجتمعي والتفرقة بينهم وبين الثوار وزيادة الاحتقان عن طريق الإعلاميين والصحفيين، وبث الشائعات المتعلقة ببيع البلاد والتفريط في مثلث حلايب وشلاتين". 

"كل تلك الأمور كانت تشير إلى محاولة لنزع التعاطف مع أعضاء الجماعة حال تعرضوا للانتهاكات"، يقول عادل، مُضيفًا في ذات السياق: "ورُوّج أنّه على عكس السائد، المتواجدون بميدان رابعة العدوية هم من أعضاء الجماعة فقط، ولكني أؤكد لك أن أغلب الأصدقاء ممن شاركوني خيمة الاعتصام لم يكونوا من أفراد التنظيم، وعدد كبير من المتواجدين كانوا من تيارات سياسية مختلفة رأت محاولات لاستئصال كل ما هو ثوري، حتى أن الشهيد الأول في فض الاعتصام لم يكن إخوانيًا"، حسبما قال.

يروي لنا عادل مشهدًا من داخل ميدان رابعة أثناء إعلان بيان الثالث من تموز/يوليو 2013، الذي عزل بموجبه محمد مرسي، فيقول: "حضرت الاعتصام منذ بدايته حتى يوم الفض، وفي يوم الثالث من تموز/يوليو، عندما سمعنا بيان الانقلاب، كان من حولي يبكون بينما ظللت اهتف الله أكبر، ورأيت أن الفترة التالية هي فترة الامتحان الحقيقي لأننا أقحمنا أنفسنا في تجربة لم نكن جديرين بها، وأوقعنا أنفسنا في عش الدبابير"، إشارةً منه إلى إبكار الإخوان في دخولهم السباق الرئاسي، بعد أن كانوا قد صرحوا من قبل بعدم نيتهم الدفع بمرشح رئاسي لهم.

يعتقد عادل أنّه كان من الممكن أن ينتهي الاعتصام بشكل طبيعي، إلا أن أحداث الحرس الجمهوري ومن بعدها المنصة، والتي راح ضحيتهما العشرات من المعتصمين، مع إدانات واسعة محليًا ودوليًا؛ كانتا سببًا في إصرار المعتصمين على الاستمرار حتى النهاية، وفقًا لعادل الذي يقول إنّه اعترض شخصيًا على التواجد في ميدان رابعة العدوية، واقترح الذهاب إلى ميدان التحرير، "لكن طلبي قوبل بالرفض".

لم تكن الممرات التي أعلنت قوات الأمن أنها لخروج المعتصمين بشكل آمن، إلا مصيدة لهم بالتصفية أو الاعتقال

أمّا عن يوم الفض، فيروي عادل شهادته الخاصة: "كنت نائمًا يوم الفض في حوالي السادسة صباحًا بالقرب من طيبة مول (الواقع على مدخل ميدان رابعة من جهة شارع طريق النصر) عندما أيقظني صديق ونبهني أن الفض بدأ. لحظات حتى بدأت في سماع الصراخ، ثم رأيت صفًا من المدرعات القادمة باتجاهنا".

اقرأ/ي أيضًا: الدم خيار الداخلية المصرية 

تقول الشرطة المصرية إنّها لم تبدأ بإطلاق النار، إلا بعد أن بادر المعتصمون بإطلاقه، لتبدأ عملية الفض التي شهدت سقوط أكثر من الف قتيل من المعتصمين، في اعتصام حضره عشرات الآلاف تزعم الدولة أنّه كان مُسلحًا، في حين أن عدد الأسلحة التي حرزوها لم تتجاوز تسعة أسلحة، بحسب رواية الداخلية نفسها، وهو ما يُؤكد على أنّه في حال صح وجود أسلحة بهذا العدد، فإنها لم تكن إلا حالات فردية.

ويقول عادل إنّه أخذ زجاجة مولوتوف وهرول باتجاه المدرعات، قبل أن يسقط "شبه مشلول" بسبب قنابل الغاز المسيل للدموع، وأنّه مُباشرة بدأت قوات الأمن بإطلاق الرصاص. لم ينف عادل بذلك وجود مولوتوف بحوزة المعتصمين، لكن روايته أيضًا تُؤكد على أنّه لم يكن مجديًا، قنابل الغاز وحدها أسقطته "شبه مشلول".

ويُؤكد عادل على أنه لم يستمع إلى عربة الإذاعة التي قالوا إنها أذاعات باينًا على المعتصمين تدعوهم فيها إلى الخروج من الاعتصام من الممرات الآمنة، لكنه لم ينفي أن يكون قد أُذيع بيانٌ مماثل بالفعل، إلا أنّه وفقًا له لم تكن الممرات الآمنة، آمنة بالفعل، "فمن خرج منها إما تمت تصفيته أو اعتقل"، ولم يخرج إلا عشرات الأشخاص من أجل تصويرهم وتضليل الرأي العام إعلاميًا"، وبذلك تتفق شهادته مع تحقيق هيومن رايتس ووتش، التي أكدت من خلال الشهادات التي سجلتها، أن الممرات الآمنة لم تكن إلا "ممرات اصطياد وقنص للذين قرروا الخروج من الميدان".

 

فقد عادل في أحداث الفقد 12 صديقًا لقوا حتفهم على يد قوات الأمن، لم يكونوا مُسلحين، "لم يكن معنا سوء ألعابًا نارية وزجاجات مولوتوف وعصي خشبية، وعندنا اشتدت قنابل الغاز لجأنا إلى إحراق إطارات السيارات ليخفف دخانها وطأة الغاز، حتى اضطررنا أخيرًا إلى حرق سياراتنا الشخصية من كثرة الغاز، لكن في المقابل لم يتوقف إطلاق الرصاص الحي علينا".

ومع كثافة إطلاق الرصاص الحي، وبعد أن بدى للكثير من المعتصمين أنهم سيلقون حتفهم، بدؤوا في كتابة أسمائهم على ملابسهم وأجسادهم حتى يتم التعرف عليهم إذا ما قتلوا. 

يقول عادل إنّه بعد الظهيرة، توقف إطلاق الرصاص لقرابة الساعة، قبل أن يبدأ من جديد، وأن قوات الأمن كانت تقنص المصورين بشكل مُباشر ومتعمّد.

وبعد ساعات نجح عادل في الخروج من الميدان، ليلاحظ "مفارقة عجيبة" بتعبيره، وهي أنّ "ساكني المنازل القريبة للميدان، والذين شهدوا عملية الفض، كانوا يلقون إلينا بزجاجات المياه،  لكن في المقابل المنازل البعيدة نسبيًا، والتي كانت تتابع أحداث الفض من خلال التلفاز، أشاروا لنا بإشارات بذيئة، وألقوا على مسامعنا السباب".

"إبادة جماعية"

الشهادة الثانية للصحفي المصري محمود العناني، المقيم خارج مصر، والوحيد الذي وافق على ذكر اسمه. لم ينتم العناني لجماعة الإخوان، لكنه كان يصف نفسه بـ"الإسلامي" وقت الواقعة، وقد قُتل والده في إحدى تظاهرات مؤيدي الإخوان السابقة للإطاحة بمرسي في مدينة المنصورة، في 26 حزيران/يونيو 2013.

كان العناني من منتقدي بعض ممارسات الإخوان في الحكم، مثل أن يخرج مرسي ليمدح في قوات الجيش والشرطة، و"هي نفسها قوات الشرطة التي فرضت حصارًا لقرابة الساعة على المسجد الذي دخله والدي مصابًا، وظل ينزف حتى الموت"، وكانت المفارقة المؤلمة بالنسبة للعناني، أن خطاب المديح هذا، جاء في نفس اليوم الذي لقي فيه والده حتفه.

زيارات العناني لاعتصام رابعة كانت متقطعة لظروف منزله بعد وفاة والده. وفجر يوم الفض كان العناني في شارع الطيران (أحد مداخل اعتصام رابعة) لمقابلة صديق له كان يبث حيًا من داخل الميدان، قبل أن يتلقيا مكالمة من أحد الأصدقاء المصورين من فوق مئذنة مسجد رابعة، يبلغهم فيها أن رصاصًا حيًا ضرب على المئذنة. يقول العناني: "بعد ذلك علمنا بوجود مدرعات قادمة نحو الميدان ورأيت شبابًا يحملون المولوتوف ويتجهون ناحية المدرعات ثم تركوا صناديق المولوتوف وعادوا جريًا لأنهم لم يتحملوا الغاز الكثيف، وبعد ذلك بدأت أصوات الرصاص، وقنابل الغاز بكميات مهولة غير تلك التي شهدتها في أحداث الثورة أو محمد محمود أو مجلس الوزراء، حتى أن تأثيرها ومداها كانا مختلفين تمامًا".

يُؤكد العناني على أنه شخصيًا لم ير أي أسلحة بين المعتصمين، سوى زجاجات المولوتوف، مُشيرًا إلى أنّ وزارة الداخلية المصرية نفسها أعلنت ضبط تسع قطع سلاح فقط بميدان رابعة العدوية، "فليس من المنطق مواجهة هذا الكم من العتاد والجنود والقناصة بتسع قطع من الأسلحة"، يقول عناني، الذي يرى أنه كان بإمكان قوات الأمن أن تفض الميدان بخسائر في الأرواح أقل بنسبة 99% لو أنها أرادت ذلك، بإلقاءٍ كثيف للغاز المسيل للدموع وفتح ممرات آمنة حقيقية لخروح المعتصمين.

كان بإمكان قوات الأمن أن تفض رابعة بخسائر في الأرواح أقل من 99% مما حدث، لكن يبدو أنها كانت تريد "إبادة جماعية"

لذا يعتقد العناني أنّ القرار الأمني كان بـ"إبادة جماعية، وليس فض الاعتصام"، حتى أنّه مع زخات الرصاص تسلل إليه شعور باليأس من النجاة: "لم يكن من سبيل للهرب، ولا مجال لأي محاولة خروج"، كمال قال.

اقرأ/ي أيضًا: في ذكرى رابعة.. هل من توثيق فيلمي يليق بالحدث؟

"في حوالي الساعة الثانية والنصف عصرًا، زادت أصوات الرصاص، وكنت مختبئًا خلف ساتر من الحجارة المتراصة، رأيت جنديًا فوق مدرعة ويطلق الرصاصات من سلاح آلي، حتى أن إحدى الرصاصات أسقطت ثلث جدار، وفارغ الرصاصات كان كبير الحجم جدًا غير ذلك الذي اعتدت على رؤيته. رأيتُ طفلًا رضيعًا على مشارف الموت خنقًا من الغاز، ورأيت شخصًا ضخم البنية أصيب برصاصة في رأسه حتى خرج مخه من عظام الجمجمة. بشكل غريب تمكنت من حمله من أسفل ذراعيه رغم ضخامة جسده، وكان رأسه مسنودًا إلى صدري، بعد ذلك المشهد لم أستطع المواصلة وقررت الرحيل"، يروي عناني.

شهادة أُخرى تُؤكد على زيف الممرات الآمنة، تُضاف إلى جملة شهادات أكدت ذلك، واعتمدت عليها منظمات حقوقية في تحميل مسؤولية القتلى لقوات الأمن المصرية، ووصف فض رابعة بـ"بالمجزرة" و"القتل الجماعي" الذي يعاقب عليها القانون الدولي. لم يلتفت النظام ولا قوات الأمن إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُجرّم قتل المدنيين، وإن كان في حروب أهلية، في حال افترضنا وجود حالة مشابهة للحرب الأهلية أثناء فض الاعتصام، رغم أنّ ذلك ينفيه بيان الداخلية نفسه، الذي اعترف بأنّ عدد الأسلحة بين عشرات الآلاف من المعتصمين لم تتجاوز تسعة قطع سلاح!

من مشاهد فض اعتصام رابعة (محمد عبدالمنعم/ أ.ف.ب)
من مشاهد فض اعتصام رابعة (محمد عبدالمنعم/ أ.ف.ب)

يشهد العناني على أنّه رأى ستة أشخاص قتلوا في نفس اللحظة، كانوا يحاولون الخروج من إحدى تلك الممرات الآمنة. صديق له حاول الخروج، لكنه تعثر بحجر أسقطه، لتمر رصاصة من أمامه كادت أن تصيبه. 

خرج العناني بصعوبة من الاعتصام وعملية الفض مستمرة. خرج مع مجموعة من المعتصمين، واستطاعوا إيقاف سيارة اُجرة لتقلهم: "شاهد السائق هيئتنا وملابسنا الملطخة بالدماء فتضامن معنا، وأجرى مكالمة هاتفية ليعرف الطرقات الآمنة، دون أن يمر على كمائن.

معتصمون من أطياف مختلفة

دأبت الآلة الإعلامية المؤيدة لنظام الثالث من تموز/يوليو 2013، إلى إطلاق ما يشبه الأساطير عن المعتصمين في رابعة. صحيح أن معظمهم من الإسلاميين والمؤيدين لهم، لكن ذلك لم يمنع وجود "آخرين"، كان من بينهم صبري (اسم مستعار)، 32 عامًا، يعمل في المحاماة منذ أربع سنوات، ويصف نفسه بأنه ملحد.

ما دفع صبري للالتحاق باعتصام رابعة هو أنّ "وجود مرسي في هذا الظرف، ورفض الانقلاب، هو المحقق للديمقراطية". صبري، كما يقول، يعارض التيار الإسلامي، وكان يرى أن صعود جماعة الإخوان المسلمين للحكم "فرصة للشعب أن يعرف أن الحل ليس في الإسلام السياسي كما يدعون"، وعلى كل حال كان يرى أن الإخوان كغيرهم "يستحقون فرصة". 

"كان من الممكن أن يُرث التيار العلماني الحكم من بعد الإخوان لو لم يتدخل العسكر"، هكذا يعتقد صبري، الذي انتقد رؤية التيارات المدنية لاعتصام رابعة بأنه "صراع على السلطة"، فهو لا يرى عيبًا في الصراع على السلطة أساسًا، "فالتيارات المدنية أيضًا متصارعة على السلطة. ولا أجد اختلافًا بين رابعة ومحمد محمود وأحداث مجلس الوزراء".

طالبت جبهة الإنقاذ، محمد مرسي، بالتخلي عن الحكم مُباشرة، دون أن تعطي فرصة للتفاوض السياسي

وكانت جبهة الإنقاذ تطالب محمد مرسي بالتخلي عن الحكم مُباشرة بعد جملة من المطالب التصعيدية التي أعقبت الإعلان الدستور المكمل في أواخر عام 2012. ويعتقد البعض في تبييت النية لإسقاط مرسي، لذا فقد رفضت جبهة الإنقاذ عدة طلبات من الرئاسة بالاجتماع للتفاوض، واشترطت جبهة الإنقاذ في كل مرة تحقيق المطالب لإبداء حسن النية من الرئاسة.

اقرأ/ي أيضًا: شباب الإخوان في مرمى أزمة جماعتهم

كان صبري يذهب إلى الاعتصام بشكل متقطع، حتى يوم صباح يوم الفض وكان في منزله، حين أخبرته والدته بما يحدث ليتجه سريعًا نحو الاعتصام، لكنه لم يتسطع الدخول. شاهد ما حدث من الخارج، من بين صفوف قوات الأمن: "رأيت أسلحة آلية، وجنودًا يتبادلون إطلاق النيران، ويتزاحمون على قتل المعتصمين. كانت كثافة الرصاص الحي تدمر الحوائط والجدران من حولنا". 

خاف صبري أن يقترب أكثر، فقرر أن يصور ما يشاهده، لكن أحد أفراد الأمن بزي مدني أمسكه، وكاد أن يعتلقه، لولا ادعى أنه في صفهم، فأخذ منه فرد الأمن الكاميرا وتركه يذهب.

أكثر ما أثار غضب صبري مما شهده من الخارج، هو أن بعض المواطنين كانوا متعاطفين مع قوات الأمن، ومشحونين ضد الإخوان ومؤيديهم بدرجة كبيرة، حتى أن رجلًا عجوزًا كان يعلق صورة مرسي على شرفة منزله، تعرض للاعتداء بالضرب من جيرانه، هو وابنته، وسلموه عنوة إلى قوات الأمن. "مؤيدو السيسي من المواطنين، كانوا أكثر وحشية من قوات الأمن نفسها"، يقول صبري.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"Game of Thrones" في ذكرى فضّ رابعة العدوية

بعد أربع سنوات من فض رابعة: تحولات فكرية ودينية لدى شباب مصر