حقوق كبار السن في مصر: عامان من التأخير والمعاناة مستمرة
22 نوفمبر 2025
في حزيران/يونيو الماضي، حمل عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فريدي البياضي، على عاتقه صرخة آلاف كبار السن، مقدمًا طلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، يطالب فيه بتفسير سبب تأخر الحكومة في إصدار اللائحة التنفيذية لقانون حقوق المسنين رقم (10) لسنة 2022، رغم مرور أكثر من عامين على صدوره.
وجاء هذا التحرك بعد أيام قليلة من حادثة السويس المؤلمة، حين تعرّض أحد المسنين للاعتداء على يد شاب، في مشهد هزّ ضمير المجتمع، وأثار موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي.
المشهد لم يكن مجرد واقعة فردية، بل انعكاسًا لحالة من الإهمال وغياب الحماية التي يعيشها كبار السن في شوارعنا، ما دفع البرلمان للتحرك، رغم انشغاله بترتيبات الانتخابات الجارية.
لقد صدر قانون حقوق المسنين رسميًا في 6 آذار/مارس 2022، ونُشر في الجريدة الرسمية بعد توقيع رئيس الجمهورية، مع نصّ واضح على إصدار اللائحة التنفيذية خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به، غير أن الحكومة لم تلتزم، ليبقى القانون حبرًا على ورق، وكبار السن بلا حماية، عرضة للإهمال والخطر.
ترك القانون بلا تطبيق يعني ترك أجيال من المسنين في مواجهة الشارع وحدهم، بلا ذراع حامٍ أو صوت يرفع عنهم الظلم، لتتوجه أصابع الاتهام إلى البرلمان بإهمال الواجب، ويصبح ملايين المسنين في مهب الخطر.
صدر قانون حقوق المسنّين في 6 آذار/مارس 2022 بعد توقيع رئيس الجمهورية ونشره في الجريدة الرسمية، مع اشتراط إصدار لائحته التنفيذية خلال ستة أشهر، لكن الحكومة لم تلتزم، ما جعله قانونًا بلا تطبيق
خطوة حقوقية مهمة
حظي هذا القانون الذي أقر مجلس النواب المصري صياغته النهائية في 4 نيسان/ أبريل من العام الماضي، بإشادات واسعة من الحقوقيين والمختصين، لما يمثله من خطوة رائدة في حماية كبار السن، وتقديم دعم متكامل يضمن لهم حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والصحية والنفسية.
ويرى متابعون أن القانون ببنوده الحالية يمثل خطوة إنسانية هامة نحو حماية كبار السن، إذ يقرّ بحقوقهم ويصون كرامتهم، ليصبحوا أشخاصًا محل احترام ورعاية لا مجرد أرقام أو أعباء، وتشمل أحكام هذا القانون كل من بلغ سن الخامسة والستين ميلادية، وتمتد أيضًا لتشمل الأجانب المقيمين إقامة قانونية في مصر، مع مراعاة حقوقهم وفق معايير المعاملة بالمثل، مع إمكانية الاستثناء من هذا الشرط بقرار من رئيس الجمهورية لمراعاة ظروف خاصة.
يضع القانون في قلبه هدفًا واضحًا: حماية المسن ورعايته، وضمان تمتعه بكامل حقوقه الاجتماعية والسياسية والصحية والثقافية والترفيهية، وتوفير حياة كريمة وآمنة له، فمن خلال شبكة متكاملة من الإجراءات والتدابير، تمنح الدولة كبار السن الحماية الاجتماعية التي تضمن لهم الاطمئنان، وتوفر لهم الدعم الذي يرفع من جودة حياتهم ويمنحهم الشعور بالطمأنينة والانتماء.
كما يتيح للمسنين الأقل حظًا الحصول على حد أدنى من الدعم النقدي أو العيني، بما يكفل لهم حياة كريمة، كما يوفر لهم مجموعة من الخدمات الاجتماعية والأنشطة الثقافية والترفيهية التي تراعي ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والصحية، وتحترم ميولهم واهتماماتهم، ليشعر كل مسن أنه مميز، ووجوده مهم، وأنه جزء فاعل من المجتمع.
كما يضع القانون استراتيجية متكاملة لتمكين المسن وتأهيله للمشاركة في الحياة العامة، ودمجه في المجتمع، بما يتيح له ممارسة حقوقه وحرياته، ويشجع على تضافر جهود الأسرة والمجتمع ومنظماته لتحقيق هذا الهدف، ليصبح المسن شخصًا لا يعتمد فقط على الآخرين، بل قادرًا على العطاء والمساهمة في محيطه.
ويضمن القانون للمسن الأولى بالرعاية بطاقة رسمية تثبت أحقيته في الحصول على الخدمات المقدمة، وتشمل خدمة مرافق المسن، التي تقدم من قبل أشخاص مؤهلين علميًا أو عمليًا، يساندونه في أداء مهامه اليومية ومهاراته الحياتية، سواء داخل المنزل أو في المستشفيات أو مؤسسات الرعاية، مع الحرص على تقديم الرعاية الشاملة التي تحافظ على كرامته واستقلاليته، مع توفير الأمان والدعم الذي يحتاجه في كل لحظة من حياته.
9.3 مليون مُسن في مصر
أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) صورة حية عن واقع كبار السن في مصر، مؤكدة أهمية الاهتمام بهذه الفئة التي تمثل جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع، مشيرة إلى أن عدد المسنين في مصر في ازدياد مستمر، إذ ارتفع من 9.3 مليون مسن يمثلون 8.8% من إجمالي السكان عام 2024، إلى نحو 9.8 مليون مسن بنسبة 9.1 % من إجمالي السكان في منتصف عام 2025.
ويظهر التوزيع بين الجنسين تقاربًا ملحوظًا، حيث بلغ عدد المسنين الذكور حوالي 4.8 مليون بنسبة 8.5% من إجمالي الذكور، بينما بلغ عدد المسنات 4.9 مليون بنسبة 9.4% من إجمالي الإناث، ما يعكس وجود جيل مسن يواجه تحديات مختلفة باختلاف ظروفه الصحية والاجتماعية.
وقد ارتفع متوسط توقع البقاء على قيد الحياة، ليصل للذكور إلى 69.4 سنة، وللإناث إلى 74.4 سنة في 2025، ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في الظروف الصحية للمسنين.
وتكشف بيانات مسح القوى العاملة لعام 2024 أن نحو 1.3 مليون مسن ما زالوا يشاركون في سوق العمل، بنسبة 14.4% من إجمالي المسنين، منهم 48% يعملون في الزراعة وصيد الأسماك، و18.5% في تجارة الجملة والتجزئة، ما يدل على استمرار مساهمتهم الفعالة في الحياة الاقتصادية رغم تقدمهم في السن.
وفيما يتعلق بالتعليم، انخفضت نسبة الأمية بين المسنين من 53.2% عام 2022 إلى 52.4% عام 2024، مع تباين واضح بين الجنسين، إذ بلغت الأمية بين الرجال 39%، بينما كانت 66.6% بين النساء، فيما ارتفعت نسبة الحاصلين على مؤهل جامعي إلى 10.1%، بينهم 14% من الرجال و6% من النساء، مما يعكس جهودًا متزايدة نحو تمكين كبار السن علميًا وثقافيًا.
أما على صعيد الصحة، فقد انخفض معدل الوفيات بين المسنين من 44.9 لكل 1000 من السكان عام 2022 إلى 41.8 لكل 1000 عام 2024، مع انخفاض مماثل بين الذكور والإناث على حد سواء، ما يعكس تحسن الخدمات الصحية والوعي الصحي لدى هذه الفئة.
وفي الحياة الأسرية، شكلت عقود الزواج بين المسنين 2.1% من إجمالي العقود، بينما كانت نسبة إشهادات الطلاق بينهم 10.5%، ما يعكس استمرار المسنين في خوض تجارب الحياة الاجتماعية رغم تقدم العمر.
تظهر هذه الأرقام ليس فقط كإحصاءات، بل كحياة يومية لكبار السن، مليئة بالتحديات والإنجازات، وتؤكد أهمية توفير الرعاية الاجتماعية، والدعم الاقتصادي، والاعتراف بحقوقهم لضمان أن يعيشوا كرامتهم وطمأنينتهم، ويستمروا في الإسهام في المجتمع الذي هم جزء أصيل منه.
يضمن القانون للمسن الأولى بالرعاية بطاقة رسمية تثبت أحقيته في الحصول على الخدمات المقدمة، وتشمل خدمة مرافق المسن، التي تقدم من قبل أشخاص مؤهلين علميًا، يساندونه في أداء مهامه اليومية ومهاراته الحياتية
عقود من الإهمال
القانون الجديد ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل هو محاولة لإعادة الكرامة إلى من أمضوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن، فهو يشكل أول سياج حقيقي يحمي كبار السن من الاعتداءات اليومية، سواء كانت لفظية أو نفسية أو جسدية، التي طالما عانوا منها بلا حماية ولا سند.
الحاج سعيد، ذو الـ72 عامًا، يروي في حديثه لـ "الترا صوت" قصصًا من يومياته في الشارع والمواصلات العامة، حيث تتقاطع المضايقات والإهانات مع كل خطوة يخطوها، حتى غدا الخروج من البيت بالنسبة له عبئًا نفسيًا، وملاذه الوحيد أحيانًا هو العزلة لتجنب الأذى، لقد حاول أكثر من مرة أن يلجأ إلى الشرطة لتسجيل شكوى، لكنه صُدم بغياب القانون الذي يحميه ويكفل له حقه في الأمن والكرامة.
يشاطره في تلك المعاناة، المعلم صبري، البالغ من العمر 68 عامًا، الذي يؤكد في حديثه لـ"الترا صوت" أن سنوات العمر التي قضوها في العمل والعطاء لم تحمهم من التجاهل أو الإهانة، في الصحة والمعاشات والمواصلات والشارع، مناشدًا بصوت مفعم بالأمل، أن تُسرَّع القيادة السياسية في تطبيق القانون، وأن لا يبقى حبرًا على ورق، بل أن يتحوّل إلى واقع يلمسه كل مسن في حياته اليومية، ويشعره بأنه محترم ومقدر.
هذه القوانين هي وعد لم يكتب بعد، لكنها تعكس إدراك المجتمع بأن كبار السن هم حجر الأساس، وأن واجب حماية كرامتهم لا يقل أهمية عن أي مشروع آخر، إنها دعوة لصوت العدالة أن يصل إلى الشوارع، ليحمي من هم في عمر السبعين والثمانين، ويعيد لهم الأمان والطمأنينة، ليعيشوا ما تبقى من حياتهم بسلام، وبدون خوف من الإهانة أو الإهمال.
القانون، في جوهره، هو أكثر من نص؛ إنه وعد إنساني بأن كل مسن، كل عجوز، كل شخص حمل سنوات من العمل والعطاء، سيظل موضع احترام وحماية، وأن المجتمع سيقف إلى جانبه، ليكون الشارع بيتًا آمنًا له كما يجب أن يكون.
عامان كاملان مضت منذ أن أصدر البرلمان القانون وصادق عليه الرئيس، ومع ذلك ما زالت اللائحة التنفيذية غائبة، تاركة الحقوق معلّقة في فراغ، والقانون حبرًا على ورق، تُترك أحكامه بلا حياة، والمسنون بلا حماية، بلا صوت يرفع عنهم الظلم، بلا يد تمسك بيدهم في مواجهة صعوبات الحياة.
إنها صرخات ملايين كبار السن الذين أمضوا أعمارهم في العمل والعطاء، والذين يستحقون أن تُصان كرامتهم وحياتهم بسلام، فهل من يسمعهم؟ هل من يفتح أبواب التنفيذ ليصبح القانون حقيقيًا، ملموسًا، ينبض بالأمان والدعم لأولئك الذين بنوا هذا الوطن بأيديهم وأعمارهم؟
إن التأخير في تطبيق القانون ليس مجرد تقصير إداري، بل جرح مستمر في قلب كل مسن، صرخة تنتظر أن تتحول إلى فعل، وعد يتحقق، وحياة تُصان، لقد آن الأوان لأن يُسمع صوتهم ويُحترم وجودهم، فلا يبقى القانون حبرًا على ورق سلوفان لا قيمة له، بل درعًا يحمِي كبار السن ويضمن لهم حياة كريمة.