حقوق الطفل في القضاء اللبناني.. وقفٌ على نصوص الطائفة!

حقوق الطفل في القضاء اللبناني.. وقفٌ على نصوص الطائفة!

تتجاهل المحاكم اللبنانية حق الطفل في الاستماع إليه في القضايا التي تمس حياته (تعبيرية/ أ.ف.ب)

تنص المادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل التي انضم إليها لبنان عام 1991 بدون أي تحفظ -بعكس معاهدات أخرى مثل اتفاقية "سيداو" التي تتحفظ لبنان على بعض موادها- على أنه يجب الاستماع للطفل في كل الإجراءات القضائية التي تخصه أو التي تترتب عليها تأثيرٌ في حياته.

تنص المادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل، على وجوب الاستماع للطفل في كل الإجراءات القضائية التي تخصه وتمس حياته

إذًا، كما يتضح فإن المادة 12 من الاتفاقية، واضحة دون قبول أي اجتهادات من جهة تحديد الحضانة والمشاهدة والزيارة، فالمادة تفرض، ليس فقط الاستماع للطفل، وإنما أيضًا الأخذ في عين الاعتبار، رأي الطفل في القرار النهائي.

اقرأ/ي أيضًا: عمليات الإجهاض في لبنان.. "جريمة" يلجأ إليها الآلاف سنويًا!

كما تحدد المادة 12 من ذات الاتفاقية، أن يكون الطفل على قدر من النضوج بحيث يميز مصلحته، من أجل الاستماع لأقواله في النزاعات العائلية.

ومن جهة القانون اللبناني، فإن المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية، تضع المعاهدات الدولية المصادق عليها، في مرتبة أعلى القوانين اللبنانية.

ومع ذلك، فإن مسألة تطبيق المادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل، لا تزال مثار جدل ونقاش في لبنان، ولم تخضع للتطبيق المعمم، وإنما هي حالات فردية من القضاء، التي تُطبّق نص هذه المادة.

مسألة العائلة في العرف والقانون اللبناني

تواصل "ألترا صوت" مع سامر غمرون، الأستاذ المساعد في كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة القديس يوسف في بيروت، لسؤاله عن الجدل حول تطبيق المادة الـ12 من قانون حقوق الطفل، في لبنان.

ويوضح سامر غمرون أن "المسألة تتعلق في الأساس بالصراع حول من له الكلمة الأخيرة فيما يخص العائلة اللبنانية وإدارتها، وتحديد ما هو المسموح والممنوع به في المساحة العائلية والخاصة في لبنان".

سامر غمرون
سامر غمرون، الأستاذ المساعد بكلية الحقوق في جامعة القديس يوسف

ما يشير إليه غمرون هي موضع العائلة في قضية حقوق الطفل، وكيفية إدارة العائلة وتبعيتها الداخلية والخارجية، بمعنى أنه هل ثمّة مُوجّه خارجي للعائلة متمثل في شيخ أو قسيس أو زعيم عشائري أو طائفي؟ إذ إن لذلك تأثيرًا على تعامل هيئات القضاء الشرعية والمذهبية في القضايا الأسرية، بما فيها طريقة التعاطي مع المادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل.

متى يستمع القاضي إلى الطفل؟

يشرح سامر غمرون أن القاضي في النزاعات العائلية، يستمع إلى الأطفال في حالات الطلاق والحضانة بشكل أساسي، لمعرفة مع أي طرف سوف يبقى الأطفال. وبطبيعة الحال، وكما تنص المادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل، يراعى أن يكون الطفل في سن يسمح بدرجة من النضوح تناسب الحديث في المحكمة حول نزاع عائلي ما.

وتكمن ضرورة الاستماع إلى الطفل، فيما يتيحه ذلك للقاضي من تحديد أي الوالدين سيعيش معه الطفل، في حالات قضايا الحضانة، إذ بإمكان القاضي بناء تصور على ما يستمع إليه من الطفل عن ظروف العيش مع والديه.

وفي لبنان، وبحسب سامر غمرون، فإن عددًا قليلًا جدًا من القضاة يلجأون للاستماع للطفل لفهم ظروف حياته بين أسرته. وأحيانًا كثيرة، يقوم القاضي بذلك بشكل غير رسمي.

ما هي معوقات نفاذ الأطفال إلى العدالة؟

"لا توجد هناك محكمة في لبنان ترفض من حيث المبدأ الاستماع للأطفال"، يقول سامر غمرون، موضحًا أن الأمر متعلق بتجاهل هذا الحق للطفل. 

ويشير سامر غمرون إلى قضية أخرى في التعاطي مع حق الاستماع للطفل، بأن بعض القضاة المدنيين أو الدينيين، ممن يقررون الاستماع للأطفال، تعوزهم الخبرة والمعرفة الكافية بطريقة إجراء مقابلة مع طفل للاستماع إلى شهادته، بما يفيد مجرى القضية، ومع الأخذ في الحسبان الأبعاد النفسية والاجتماعية في التعامل مع الطفل.

 "ليس من المهم فقط الاستماع للطفل وطرح الأسئلة، بل المهم هو كيفية الاستماع للطفل، وضمن أي إطار، وما هي الظروف المحيطة بعملية الاستماع"، يقول سامر غمرون. 

ويوضح الأستاذ المساعد في كلية الحقوق والعلوم السياسية، أنه "من ناحية المسألة التقنية، هناك اختصاصات لها علاقة بعلم نفس الطفل وعلم اجتماع الأطفال والدعم النفسي والاجتماعي وهناك اختصاصيون يطورون السبل الملائمة لمقاربة الاستماع إلى الطفل".


تعوز القضاة اللبنانيون الخبرة والمعرفة الكافية بطريقة إجراء مقابلة مع طفل للاستماع لشهادته

ويضرب على ذلك مثالًا بأنه "لا يمكننا إدخال الأطفال إلى قصر العدل وإلى مكاتب القضاة بأي طريقة، وفي المقابل يجب دراسة كل هذه الأمور، خاصة وأن إدخال طفل إلى قصر العدل، والذي يعتبر مكانًا غير صديق للأطفال، ومكانًا لمقاضاة الجنح والجنايات: قد يشكل للطفل صدمة نفسية تترك آثارًا كبيرة عليه. كما يجب ألا يتم إقحام الطفل في معارك لا تعنيه".

ولفت سامر غمرون إلى إنه عادة ما يُعيّن القضاةُ في مراكزهم دون تحديد مُسبقٍ ينبني عليه تدريب لهم على القضايا التي سيتعاملون معها في مركزهم المعينين فيه.

كيف يمكن تجنب التلاعب بأقوال الطفل لخدمة أهداف أخرى؟

في نظر أستاذ القانون سامر غمرون، فهذه المسألة متعلقة بما هو إجرائي، وسياسي كذلك. والأخير هو المرتبط بالتنظيم القضائي، إذ من الضروري، بحسب سامر غمرون، أن يتمتع القضاء باستقلالية، على المستوى السياسي بطبيعة الحال، وكذلك بالاستقلال عن ضغوط النفوذ والثروة.

وضرب مثالًا على ذلك بقضية الأم المجني عليها رولا يعقوب، التي وجهت الاتهامات لزوجها بقتلها، حيث تم الاستماع للأطفال بحضور أحد أفراد عائلتهم (العمة في فترة التحقيقات الأولية) وتحت نظر الأب لاحقًا، أمام المحكمة، مشيرًا إلى أن "الاستماع للأطفال تحت ضغط وجود فرد من أفراد عائلتهم، لا يمكن الأخذ به، ولا يفيد العدالة بأي شكل من الأشكال".

كيف تتعايش المحاكم المدنية مع المحاكم الدينية؟

المحاصصة الطائفية تلعب الدور الأهم في السياسة اللبنانية، وتمدد ظلالها لتشمل النظام القضائي، لهذا تكثر "التشنجات"، بتعبير سامر غمرون، بين بعض محاكم مدنية وأخرى دينية.

وإن كان في معظم الحالات، لا علاقة اتصال بين المحاكم الدينية والمدنية، إلا أنه في بعض الحالات الأخرى، قد يقع تصادم بين نوعي المحاكم، ما يُحيل القضية إذاك إلى مكمة التمييز، للفصل في اختصاص أيٍّ من المحاكم المدنية أم الدينية، المختصة في القضية المعنيّة.

المحاكم الدينية في لبنان
تمتد ظلال الطائفية في لبنان لتشمل النظام القضائي

لكن ذلك لا يُغني عن الصدامات التي يتكرر حدوثها بين نوعي المحاكم، وما ينعكس على المجتمع في إثارة الجدل وربما الانقسام. علمًا بأن كافة أنواع المحاكم في لبنان خاضعة لسلطة الدولة اللبنانية، ويُستثنى من ذلك بدرجة كبيرة المحاكم المسيحية.

صراع أيديولوجي

يشير أستاذ القانون بجامعة القديس يوسف، إلى أن الصدام الدائرة بين المحاكم المدنية والدينية، وانسحابه على المجتمع، معظم المتفاعلين معه مهتمون أكثر بالجدل الأيديولوجي، "بعيدًا عن النقاش الإصلاحي الجاد للمحاكم الدينية، والذي قد يحسن أوضاع آلاف اللبنانيين"، كما يقول سامر غمرون.

ويُبيّن سامر غمرون، أن معظم المشاكل البنيوية التي تواجهها المحاكم المدنية والمحاكم الدينية، واحدة، من جهة الفساد، والتدخل السياسي، وضغوط النفوذ والثروة، وغياب النظام الذي يسمح بتدريب مسبق للقضاة في مراكزهم القضائية.

وبعيدًا عن الجدل الأيديولوجي، ومن قلب محاولات الحراك الإصلاحي في المحاكم الدينية، استطاعت نساء السنة، أن يحققن تقدمًا مهمًا في قضايا الحضانة، برفع سن الحضانة من سبع وتسع سنوات إلى 12 سنة، للولد والبنت.

تلعب الطائفية الدور الأهم في السياسة اللبنانية وتمدد ظلالها لتشمل التنظيم القضائي، لهذا تكثر "التشنجات" بين المحاكم المدنية والدينية

يُعلّق سامر غمرون على ذلك بقوله إن "التحركات داخل الطوائف الدينية والمذهبية، وبالرغم من مشاكلها العديدة، لكنها أظهرت أن هناك مواضع قابلة للخرق والتعديل بفعل المطالبات والضغوطات الاجتماعية، وأن القضايا الدينية البحتة قليلة جدًا، حتى وإن اتّهم البعض هذه التحركات داخل الطوائف بإعطاء شرعية إضافية للسلطات الطائفية والدينية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

لبنان.. القانون شريك في الاغتصاب!

"حضانة للبيض فقط".. لعنة التمييز العنصري في لبنان تطارد طفلًا سودانيًا