حقوق الإنسان الغريقة في المتوسط

حقوق الإنسان الغريقة في المتوسط

(شارلي إيبدو / أ ف ب / غيتي)

هي صورة قلبت الدنيا رأسًا على عقب، تستلقي فيها جثة الطفل الصغير، رأسه مدفونة في رمال الشاطئ ويداه مرتخيتان إلى جانبه. طفل صغير الحجم يرتدي تيشيرتًا أحمر وشورتًا قصيرًا. هرب الطفل من موت إلى آخر، لاحقًا بأطفال آخرين سبقوه في الصعود إلى السماء. هناك في منطقة ما من العالم، تلتقي أرواح لأطفال صنفوا كضحايا الحروب.

تسخر رسومات شارلي إيبدو من تراجع في الفكر العلماني والإنساني في أوروبا مقابل صعود الفكر اليميني

تفجر صورة الطفل أزمة أكبر بكثير من تلك التي يمكن توقعها. ويتفجر الحبر ليلوث دمه الأزرق والمؤكسد ويرسم رسومات "بشعة" و"ساخرة" تحت مسمى "حرية التعبير"، هي رسومات مسيئة لحرمة موته وطفولته وإنسانيته. يستنزف الرسامون في شارلي إيبدو آخر ما تبقى لهم من حياء، ليرسموا رسومات تهزأ من جثة الطفل وغرقه. 

نراه في رسمة ملقى على الشاطئ. في الرسمة لافتة إعلانية مقارنة بوجبات ماكدونالدز السريعة، كتب عليها "وجبتان للأطفال بسعر وجبة واحدة"، و"كدت تصل إلى الهدف"! تسخر شارلي إيبدو في رسمتها هذه من الهجرة الاقتصادية التي لا تريدها أوروبا، حيث ستكون ملزمةً بتوفير مصروف شهري لهؤلاء اللاجئين، خاصة إن كان لديهم أطفال من عمر الغريق.

تتناول الرسمة الثانية لجوء العديد من المسلمين إلى أوروبا، خصوصًا أولئك القادمين من سوريا والعراق والسودان. يظهر في الرسمة يسوع يمشي على الماء مفتخرًا بكونه مسيحيًا، وبكون المسيحيين لديهم "معجزة المشي على الماء" فيما يغرق "الطفل المسلم" بسبب ديانته! الرسمة كتب فيها أيضًا "الدليل على أن أوروبا مسيحية". تأتي الرسمة لتسخر من ما يحدث في أوروبا من تراجع في الفكر العلماني والإنساني مقابل صعود الفكر اليمني المحافظ والتقليدي. كما تسخر من تزايد المتطرفين في أوروبا كأحزاب اليمين المتطرف، وحركة بيجيدا في ألمانيا "الكارهة للإسلام والمسلمين"، وخوف هؤلاء من زحف إسلامي إلى داخل بلادهم.

الرسمة توضح أيضًا تقبّل الشعوب الأوروبية لفكرة إنقاذ "مسيحيي" الشرق من دون تفكير أو تردد، خلافًا للخمسين بالمئة من المعارضين لفكرة استقبال اللاجئين، تدعمهم في ذلك الحكومات والإعلام الذي يركز على حقيقة "اضطهاد" مسيحيي الشرق، في مصر والعراق وسوريا من قبل المسلمين، وعلى رأسهم "داعش"، حتى تجرأت الحكومة الفرنسية بتصريحات إعلامية تحت شعار "أهلًا وسهلًا بمسيحيي الشرق"، وقامت بإجراء التسهيلات وهي مغمضة العينين، سواء في الحصول على الفيزا أو تقديم الحماية الدولية لهم فور وصوولهم. وفي الوقت ذاته الذي ترحب فيه أوروبا بمسيحي الشرق، يقوم الإعلام الفرنسي حاليًا بترهيب الفرنسين من احتمال تسريب عناصر من "داعش" عبر زوارق المهاجرين من المسلمين!

وبعيدًا عن شارلي إيبدو، رسم إيمانويل شونو الطفل السوري ايلان بالوضعية التي توفي فيها حاملًا على ظهره حقيبة مدرسية، مع عبارة "موسم العودة إلى المدارس"، لتقوم الدنيا على رأسه ويتلقى تهديدات بالموت. رسمة شونو ليست بالمسيئة كتلك التي رسمتها صحيفة شارلي إيبدو، بل هي محرضة ومستفزة لآلاف الفرنسيين الذين انشغلوا بمشاكلهم النفسية والسطحية عند اقتراب موعد العودة إلى المدارس.

ففي كل عام وعند اقتراب المدارس، ينشغل الإعلام الفرنسي بأخبار سطحية مثل "شراء المستلزمات المدرسية الأرخص سعرًا"، و"قوانين وزيرة التعليم الجديدة"، و"تعديلات في نظام التعليم الفرنسي"، فيستقبل الفرنسيين سنتهم الدراسية في قلق وفي جو من التوتر الحاد بعيدًا عن مآسٍ وكوارث وحروب تحدث يوميًا في العالم. 

ما أراد شونو التعبير عنه هو أن هناك من الأطفال من يلاقون حتفهم في محاولة منهم للنجاة من الموت في بلادهم، وهذا يمنعهم من الالتحاق بالمدرس كأطفال من سنهم في فرنسا. ومن جهة أخرى لا يزال الوضع السياسي الفرنسي في تأزم، بعد أن فجرت صورة الطفل الغريق حقيقة نفاق فرنسا فيما يتعلق بمبادئ حقوق الإنسان وأخلاقها.

مات إيلان، مات العديد من الأطفال هنا وهناك، بينما فقأ السياسيون والإعلاميون والرسامون عيونهم، كي لا يروا ما تصنعه أياديهم الملوثة بدماء الأبرياء المتواجدين على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط!