ultracheck
  1. ثقافة
  2. فنون

حفل موسيقي بدأ قبل ربع قرن.. ولن ينتهي قبل عام 2640

9 أغسطس 2026
أرغن
مصدر الصورة: أسوشيتد برس

في كنيسة قديمة بمدينة هالبيرشتات شرقي ألمانيا، تتواصل واحدة من أغرب التجارب الموسيقية في العالم، حيث بدأ حفل موسيقي في عام 2001، لكنه لن ينتهي وفق المخطط قبل عام 2640.

المشروع، الذي يحمل اسم "ORGAN²/ASLSP"، يحوّل مقطوعة للمؤلف الأميركي جون كيج إلى تجربة تمتد على مدى 639 عامًا، لتصبح الموسيقى فيها اختبارًا للزمن بقدر ما هي عمل فني.

ففي 5 آب/أغسطس 2026، شهدت كنيسة بورشاردي محطة جديدة في هذه الرحلة الطويلة، بعدما أضيف صوت جديد إلى الأورغن، في تغيير نادر لا يحدث إلا بعد سنوات من الانتظار.

مقطوعة "بأبطأ ما يمكن"

المشروع مستوحى من مقطوعة "ASLSP" لجون كيج، وهو اختصار لعبارة "As Slow As Possible"، أي "بأبطأ ما يمكن". كتب كيج النسخة الأصلية للعمل للبيانو عام 1985، ثم أعاد صياغتها للأورغن عام 1987. لكن تعليماته لم تحدد مدة زمنية دقيقة للأداء، ما فتح الباب أمام القائمين على المشروع في هالبيرشتات لتقديم تفسير غير مسبوق لفكرة البطء.

من حضر انطلاق المشروع لن يكون موجودًا عند نهايته، الفكرة صُممت لتعبر أجيالًا متعاقبة، بحيث يواصل أشخاص لم يولدوا بعد متابعة المقطوعة حتى تصل إلى نغمتها الأخيرة

بدلًا من أداء المقطوعة خلال دقائق أو ساعات، قرر منظمو المشروع تمديدها على مدى قرون، لتصبح كل نغمة تقريبًا حدثًا قائمًا بذاته. وهكذا تحولت الموسيقى من عمل يُستمع إليه في جلسة واحدة إلى مشروع يتطلب أجيالًا كاملة من البشر لمتابعته.

لماذا 639 عامًا؟

اختيار مدة 639 عامًا لم يكن عشوائيًا، إذ يرتبط الرقم بتاريخ هالبيرشتات الموسيقي، وتحديدًا بأورغن يعود إلى عام 1361، إذ استند القائمون على المشروع إلى الفارق الزمني البالغ 639 عامًا بين ذلك التاريخ وبداية الألفية الجديدة التي كان يفترض أن ينطلق فيها المشروع.

وبذلك، أصبح الرقم جزءًا من فلسفة العمل، التي تربط الموسيقى بالتاريخ والزمن، وتضع الحاضر في نقطة صغيرة بين ماضٍ بعيد ومستقبل أبعد. بدأ المشروع رسميًا عام 2000، بينما انطلق الأداء الفعلي في كنيسة بورشاردي في أيلول/سبتمبر 2001.

أورغن لا يشبه أي آلة أخرى

لتحقيق هذه الفكرة، لم يكن من الممكن الاعتماد على أداء موسيقي تقليدي، فجرى تجهيز أورغن خاص بالمشروع، بحيث يستطيع الحفاظ على الأصوات لفترات طويلة جدًا، ويعتمد الجهاز على إمداد مستمر بالهواء، بينما تُثبت المفاتيح المطلوبة للحفاظ على النغمات.

والنتيجة أن التغيير الذي قد يستغرق جزءًا من الثانية في مقطوعة عادية، يمكن أن ينتظر في هالبيرشتات سنوات كاملة، فلا يوجد عازف يجلس أمام الأورغن طوال الوقت، ولا جمهور ينتظر حفلًا يبدأ وينتهي في اليوم نفسه، الموسيقى ببساطة تستمر، فيما يتغير التكوين الصوتي على فترات متباعدة.

تغيير نغمة بعد سنوات

في 5 آب/أغسطس 2026، اجتمع أكثر من 150 شخصًا داخل كنيسة بورشاردي لمتابعة واحدة من تلك اللحظات النادرة، عندما أضيف صوت جديد إلى التكوين الموسيقي، ليرتفع عدد الأصوات التي يصدرها الأورغن من سبعة إلى ثمانية، وكان ذلك التغيير السابع عشر منذ انطلاق الأداء قبل نحو ربع قرن.

وبالنسبة إلى مشروع عادي، قد يبدو الرقم ضئيلًا للغاية، لكن في هالبيرشتات، يمثل كل تغيير مرحلة جديدة في رحلة موسيقية تمتد إلى قرن بعد قرن، ومن المقرر أن يأتي التغيير التالي في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2027.

ربع قرن.. و4% فقط

المفارقة الأكبر أن مرور 25 عامًا تقريبًا على بداية المشروع لا يعني أن الرحلة قطعت شوطًا كبيرًا، فالمدة التي انقضت منذ انطلاق الأداء لا تمثل سوى نحو 4% من عمر المشروع الإجمالي، أي أن أجيالًا كاملة يمكن أن تعيش وتموت بينما يستمر الأورغن في أداء المقطوعة نفسها.

وهذا هو جوهر الفكرة، فالمشروع لا يحاول فقط إطالة الموسيقى، وإنما وضع الإنسان أمام مقياس زمني مختلف تمامًا عن عمره الفردي. ففي الموسيقى التقليدية، ينتظر المستمع الدقائق الأخيرة للوصول إلى نهاية العمل، أما هنا، فإن النهاية بعيدة إلى درجة يستحيل معها على أي شخص يعيش اليوم أن يشهدها.

حفل لا يمكن لجمهوره أن يسمع نهايته

من حضر بداية المشروع عام 2001 لن يكون موجودًا عند نهايته المتوقعة عام 2640، بل إن كل الأشخاص الذين سيشهدون المراحل الأخيرة من المقطوعة لم يولدوا بعد، وهنا يتحول الجمهور من مستمعين إلى حلقات في سلسلة زمنية طويلة؛ كل جيل يشهد جزءًا صغيرًا من العمل، ثم يتركه للجيل الذي يليه.

عندما يصبح الزمن جزءًا من الموسيقى

المشروع يرتبط بفلسفة جون كيج الفنية، الذي اشتهر بتحدي التصورات التقليدية عن الموسيقى والصوت والصمت، لكن "ORGAN²/ASLSP" في هالبيرشتات يأخذ فكرة الزمن إلى أقصى حدودها. هنا لا تكمن أهمية الموسيقى فقط في النغمات التي يسمعها الجمهور، وإنما في الوقت الذي يفصل بين نغمة وأخرى، فقد يدخل شخص إلى الكنيسة اليوم ويسمع مجموعة من الأصوات، ثم يعود بعد عام أو عامين ليجد أن شيئًا تغير، وفي كل مرة يصبح التغيير حدثًا بحد ذاته، وبذلك يتحول الانتظار من فترة فاصلة بين الأحداث إلى جزء أساسي من العمل الفني.

مشروع يحتاج إلى المستقبل

استمرار المشروع طوال 639 عامًا يطرح تحديًا أكبر من الجانب الموسيقي، القائمون عليه اليوم لن يكونوا موجودين بعد قرون، كما أن المبنى والآلة والظروف المحيطة بها قد تتغير مرات لا تحصى، لذلك يعتمد المشروع على شبكة من الداعمين والتبرعات والرعاة، في محاولة لضمان انتقال المسؤولية من جيل إلى آخر.

حتى الكنيسة نفسها أصبحت جزءًا من العمل؛ فهي ليست مجرد مكان يحتضن الأورغن، بل مساحة تحفظ ذاكرة المشروع وتستقبل الزوار الذين يأتون للاستماع إلى واحدة من أبطأ التجارب الموسيقية في العالم.

النهاية في عام 2640

إذا استمر المشروع وفق خطته، ستصل المقطوعة إلى نهايتها في عام 2640. بحلول ذلك الوقت، سيكون قد مر أكثر من ستة قرون على بداية المشروع، وستكون أجيال لا حصر لها قد عاشت واختفت بينما استمر الأورغن في أداء العمل نفسه.

ومن المفارقات أن الأشخاص الذين يشهدون النغمة الأخيرة سيكونون أبعد زمنيًا عن جون كيج وعن مؤسسي المشروع من المسافة التي تفصلنا نحن اليوم عن كثير من أحداث العصور الوسطى، لكن ربما تكمن قوة الفكرة تحديدًا في ذلك. فالمشروع لا يَعِد جمهوره بموسيقى يمكنهم سماعها كاملة، بل يترك لهم جزءًا صغيرًا منها، ويطلب منهم أن يثقوا بأن شخصًا آخر، في زمن آخر، سيكمل ما بدأوه.

كلمات مفتاحية
سوزان ساراندون في مهرجان البندقية السينمائي الدولي عام 2026.

سوزان ساراندون: ما زلت أخسر أدوارًا في هوليوود بسبب موقفي من غزة

وقالت ساراندون: "ما زالت أفلام تُسحب مني حتى وقت قريب، لأن هناك وكالات لا تزال تطلب من الناس عدم توظيفي"، قبل أن تضيف: "لكن هذه هي بنية السلطة"

فدوى روحانا

عين على فلسطين

ربما ما يشدّ فدوى روحانا إلى الصورة ليس الحدث نفسه، بل ما يسبقه: لحظة الترقّب الصامتة، ذلك الكمون الذي تستقرّ فيه اللحظة داخل الزمن قبل أن تتكشّف في العدسة

أديب شماس

عن ناسك يبحث عن جائعين يطعمهم

يكتب في هذا العدد أديب الشماس، ابن وادي النصارى. بدأ طريقه في دراسة اللاهوت ثم غادره، لكن الأديرة لم تغادره تمامًا

الليالي البيضاء.. من دوستويفسكي إلى BookTok
أدب

الليالي البيضاء لدوستويفسكي: كيف أعاد "تيك توك" الرواية إلى الواجهة؟

في ليلة هادئة من ليالي سان بطرسبورغ، كان رجل وحيد يمشي بلا وجهة، كأنه يبحث في شوارع المدينة عن شيء لا يعرف له اسمًا

فيلم "عطلة منتصف الشتاء"
أفلام

فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا

الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل