حفلة تنكرية اسمها ثمانينيات القرن العشرين
9 سبتمبر 2026
عصف هذا الأسبوع بوسائل التواصل العربية ترند الثمانينيات، ناشرًا صورًا لتسريحات الشعر المنتفخ، ولكتفَي الجاكيت الأعرض من الباب، والألوان التي تراها وتلسع عينيك.
راح الجميع يعيد تمثيل صور آبائهم وأمهاتهم بكل ثقة تلك الحقبة، واثقين أنهم يكتشفون شيئًا، وهو ما يفعله كل جيل حين يسرق من الجيل الذي سبقه ثم يسميه اختراعًا.
جعلني هذا أعود إلى مقالة كتبتها ثم أجلت نشرها، وربما لأنّ الوقت احتاج إلى لحظة مثل هذه:
حين شاهدت الممثل يخلع جاكيته عائدًا بشكل مفاجئ إلى حجمه الطبيعي، فهمت أنه لم يكن سمينًا، لكن ثمانينيات القرن العشرين هي التي سمّنته.
الجاكيت الذي كان يرتديه ينتمي إلى تلك الحقبة التي قررت، بلا استئذان من أحد، أن الكتف الإنساني أصغر مما ينبغي، وأنه يحتاج إلى دعم إضافي كما لو كان جسرًا معلقًا. خِيطَ فيه ما يشبه الطوب، وأُضيف إليه ما يشبه الرف، وخرج الناس به إلى الشوارع واثقين من أنفسهم.
هذا ما كانت عليه تلك الثمانينيات: ثقة لا تسأل، وجرأة لا تستشير.
ولا يمكن الحديث عن الثمانينيات دون الوقوف أمام الشَّعر، لأنه يستحق وقفة خاصة يُسجَّل فيها في السجل الجنائي لتاريخ الذوق البشري.
كانت المرأة في تلك الحقبة تستيقظ صباحًا، تمسك علبة "الإسبراي"، وتبني على رأسها ما يشبه التحصينات. يرتفع الشعر لأعلى كأنه يحاول الهرب من الرأس. يُضخَّم ويُجعَّد ويُثبَّت حتى يصبح أكبر من وجه صاحبته بمرتين، وأحيانًا ثلاثًا، إلى درجة يبدو فيها الوجه ملحقًا بالشَّعر.
وللاسم قوة تعبيرية هنا، فهذه التحفة تسمى "عُرف الديك"، وهو اسم ذكوري فاقع، يستعير من الديك التباهي والتبختر. والمفارقة أن هذه التسريحة للنساء اللواتي وسّعن حضورهن في المجال العام حملت اسمًا مأخوذًا من أشد صور الذكورة استعراضية.
لا تُولد الأزياء المحشوة من فراغ، والشعر المنتفخ ليس مجرد قرار جمالي، فهناك ما يحدث في الخارج، وهذه الأجساد ليست سوى صدى لعالم ينتفخ من كل جهة
أما نصيب الرجال من مبالغة تلك المرحلة فتجلى في تسريحة سُميّت بـ"قَصَّة الأسد"، حيث يهبط الشَّعر على الكتفين، بعد أن ينتفخ حول الرأس، ويتقدم على الوجه حتى نخال الرجل ماشيًا تحت مظلة هي شعره، ليبدو الجسد في النهاية صاخبًا ومتباهيًا، والمفارقة أن ذلك الرجل ذاهب إلى وظيفته وليس إلى حفلة روك.
لا تُولد الأزياء المحشوة من فراغ، وليس الشعر المنتفخ مجرد قرار جمالي، فهناك ما يحدث في الخارج، وهذه الأجساد ليست سوى صدى لعالم ينتفخ.
في واشنطن، جاء رونالد ريغان ليعيد إلى أميركا ثقتها بنفسها بعد عقد من حرب فيتنام، وفضيحة ووترغيت، والتضخم وأزمة الرهائن في إيران.
قال ريغان للأميركيين إن الدولة كبرت أكثر مما ينبغي، وإن السوق هو الطريق، وإن النجاح الفردي ليس شيئًا ينبغي الاعتذار عنه.
ومثله كانت مارغريت تاتشر تقدم النسخة البريطانية من الوعد نفسه في لندن.
لم يصنعا وحدهما روح الثمانينيات، لكنهما أعطياها لغتها السياسية: الفرد، والسوق، والنجاح، والقوة، والثقة.
ولهذا تبدو الكتف المحشوة اليوم أقل غرابة إذا نظرنا إليها باعتبارها جزءًا من ذلك المزاج. لأنّ الجسد في تلك أراد أن يحتل مساحة أكبر. أن يدخل الغرفة قبل صاحبه. أن يقول قبل أن يأتي الكلام: أنا هنا، وأنا أستحق مكاني.
وبعد أكثر من أربعين عامًا من ذلك، عاد إلى البيت الأبيض رجل استعار حتى شعار العودة إلى العظمة من قاموس ذلك الزمن، إلا أن دونالد ترامب لا يعيد ريغان تمامًا، فالأخير خاطب أميركا وهي تستعد لاقتحام العالم، في حين أن ترامب خاطبها في لحظة ملأى بالخشية من أنها فقدت منه أكثر مما ربحت.
قال ريغان للفرد: اخرج ونافس. وقال له ترامب: سأحميك ممن ينافسك.
ومع ذلك، تحت الاختلاف الكبير، استمرت أشياء كثيرة، من تمجيد النجاح وخفض الضرائب، إلى تحرير رأس المال من القيود وتحويل الثروة إلى فضيلة، وصولًا إلى الرئيس الذي يعد الأميركيين بأن القوة الوطنية يمكن استعادتها بإعادة الثقة إلى الفرد والسوق. لكن العولمة التي بدت في ثمانينيات القرن الماضي أفقًا للانتصار أصبحت اليوم، عند ترامب، جزءًا أساسيًا من المشكلة، ولهذا أضيفت إلى الوصفة القديمة الرسوم الجمركية والحدود والقومية الاقتصادية وشعار "أميركا أولًا".
لكنّ الفرق بين الثمانينيات السالفة وعالمنا ليس بسيطًا على الإطلاق، فالثمانينيات قالت للإنسان: "العالم أمامك"، أما حاضرنا فيقول له: "عليك أن تستعيد العالم الذي تعتقد أنك خسرته".
ما نرسمه هنا ليس الصورة الوحيدة للثمانينيات، فما قاله ذلك العقد للفرد في الغرب مختلف كليًا عما قاله لشعوب العالم الأخرى، إذ بينما يرتفع الشَّعر وتنفتح الأسواق راحت مدن الجنوب تضيق والعالم ينغلق.
في بيروت، اجتاحت إسرائيل المدينة، وخرجت منظمة التحرير إلى المنافي حاملة حلمًا بات أشد قسوة. وفي سوريا، انطفأت الأضواء في مدينة حماة لأنّ منازلها انهارت على رؤوس ساكنيها. وبين العراق وإيران، أكلت الحرب الشباب من الجانبين. وفي أمكنة أخرى، تسلل فيروس جديد إلى الأجساد ونشر الذعر رغم أحرف اسمه القليلة: الإيدز.
بدت الثمانينيات أقرب إلى حفلة كبيرة بموسيقى صاخبة، كي لا يسمع الناس ما يحدث خارج القاعة.
لم يكن ممكنًا أن تنتشر أزياء ثمانينيات القرن العشرين لولا قناة MTV، التي انطلقت عام 1981، مغيّرةً علاقة الناس بالموسيقى إلى الأبد، حيث صار للأغنية وجه، وللصوت جسد، وللمغني ملابس وتسريحة يمكن لملايين البشر تقليدها في اليوم التالي.
وقتها صعدت مادونا المسرح وقالت إن المرأة تستطيع أن تكون مثيرة وقوية في الوقت ذاته، وأن تختار جسدها دون أن تستأذن أحدًا. وبدّل مايكل جاكسون الموسيقى الشعبية إلى شيء كوني لا ينتمي إلى عرق أو بلد. أما برنس (Prince Rogers Nelson) فوقف عند تقاطع الجنس والروح والموسيقى، ورفض أن يعترف بالحدود التي تفصل بينها.
لم يكن هؤلاء مجرد فنانين بقدر ما كانوا نماذج لما يبدو عليه الإنسان حين يقرر أن يأخذ مساحة، وانتقلت هذه الرسالة إلى الملابس وإلى الشعر وإلى كل شيء: كن أكبر، كن ملونًا، كن مرئيًا.
نحن الذين شاهدنا تلك الحقبة أو تسللنا إليها من حقب أخرى، نحمل في ذاكرتنا صدمة بصرية لا تُمحى.
فالصورة القديمة للأم أو الخالة، بشعرها المنتصب، بكتفيها العريضتين، بألوانها الصارخة.. تجلس في مكان ما في المخيلة وتطلب أن نفسر كيف يعتبر ذلك جميلًا؟ كيف خرج هؤلاء الناس إلى الشارع بهذا الشكل وهم واثقون من أنفسهم؟
لكن هذا سؤال خاطئ، لأن تلك الثمانينيات بحثت عن الحضور وليس عن الجمال بمفهومه الكلاسيكي، أي أنها أرادت أن تُرى.
وفي عالم بدأ يتسارع، حيث الاقتصاد يتحول والسياسة تتبدل والحرب لا تبقي ولا تذر، بات التضخيم البصري طريقة ليقول كل شخص: أنا هنا رغم كل شيء، وصورة تلك المرحلة، في جوهرها، إعلان عن البقاء.
وهنا انتهى النص الذي تركته في الأدراج، إلا أن انتشار هذا الترند جعلني أشعر أنّ الحاضر هو من أوجد للنص خاتمةً ومصيرًا.
لهذا لا أنصح أي أحد يملك صورة قديمة بأن يخفيها أو يتبرأ منها، لأننا سنحتاج إليها يومًا لنتذكر أن هناك جيلًا خرج إلى الشارع جميلًا بطريقته، موقنًا أن صورته تلك هي أفضل صورة يمكن أن يقدمها عن نفسه.
ليست عودة الثمانينيات اليوم مجرد حفلة تنكرية، فها نحن نحيا مرة أخرى في عالم مضطرب، وممتلئ بالتهديدات، مع انفصام تام بين الحياة الجميلة التي تعرضها الشاشات والواقع العسير.
ولهذا يبدو الترند أقل براءة مما يريد أن يظهر عليه، فنحن نستعير من تلك الحقبة شيئًا من ثقتها المفرطة بالحضور، في زمن صار فيه الإنسان مرئيًا طوال الوقت، ومع ذلك يخشى أن يختفي.
ربما لم نعد نريد تلك التسريحات والأكتاف، لكننا، على ما يبدو، ما زلنا نريد الوعد الذي تحمله: أن نكون في العالم ويلاحظ ذلك العالم أننا فيه.