حطب معدة فيل

حطب معدة فيل

لوسيان فرويد/بريطانيا

لم أخبرك بحفلة رأس السنة. أعلم بأنك شاهدتِ الصور. قابلت قبلها أبو أثار وأنهينا على صباع في لفافتين. ضحك كثيرًا على محاولاتي للاحتفال رغم قلة المال. أخبره بأنني سأحتفل اليوم به وبصديقي الآخر. ما تبقى لي في نهاية العام. وأدعوه للمجيء فيوافق. ثم يخبرني بغرابتي فهو يرى بأن العام لا يستحق الاحتفال. فأقاطعه بأنني أريد الاحتفال بالتخلص منه لا به. فيزيدني بأنه عام الفقد على المستوى الشخصي لي. ويؤكد على إن كان في وسعي أن أفعل شيء تجاه السنة في ساعتها الأخيرة فلابد أن أبكي. يعلم هو أنني لم أستطع البكاء طيلة العام الذي استهلني بمجزرة وباعتقال لذوي القربى مرورًا بسوء الأيام ومرض الأهل، وصوًلا لفراقنا. ويضيف بأنه تأكد من حقيقة كلمات المقربين مني حال غضبهم بأنني بت زومبي. لا أكترث بالدراما وسهامها. هو لا يستطيع تجاوز الأوقات السعيدة التي قضيناها سويًا في السابق. ولذلك فكثيرًا ما يغادر جلساتنا مبكرًا تلك الأيام. كان ذلك قبل أن يعتذر ويرحل. ليخمد في العاشرة مساء في فراشه. لأهتف فيه وهو يعبر المعدية "يتوب عليا من الأرامل".

أسلك الطريق إلى الدقي عبر المترو. نعم فعلتها. لم يكن من المقبول أن أخلد للنوم دون أن أفصل الأيام وأطرد العام من داخلي. في الطريق إلى الفندق أمر أسفل بيت إحداهن. كانت شرعت في التقرب مني للغاية كأصدقاء عندما كنا نعمل على إنجاز مشروع يخصها. وبانتهاء العمل قُطعت بيننا كل سبل الاتصال. في هذا البيت خمدت أيام طويلة أيام المطاردة. أمُر ضاحكًا تحت الشرفة، وأصعد للحفل.

يستقبلني صديقي بالأحضان الضخمة التي تجعلنا أكثر خفة. تعلمين بالطبع ما يدور بيننا في تلك الأثناء. أقف أمام البار وتصلني الكؤوس واحد تلو الآخر. أقابل كثيرًا من الوجوه لا تجمعنا إلا تلك التجمعات، نتجاهل البعض ونحيي آخرين. يمر بي أصدقاء الكيف في تلك الليالي. يرحب بعضهم بلفافات جانبية، ويعطيني آخرون عدة قطع صغيرة خشية غضب يارا. كان ذلك قبل أن أخبرهم بأنني خالي الوفاض تلك الليلة وهو ما لم يعتادوه. قبل أن أؤكد لهم بأن هذا لا يعني أننا سنفشل فيما نريد. أبدأ في اصطفاء الوجوه التي ستمر معي للنهاية.

السماعات ضعيفة، ويغالبها صياح الحضور المحتفل. يعرض صديقي الثلج فأرفضه. مازال الطريق طويلًا. تتبين مسامعي صوت أحد الأصدقاء يمر للحفلة، فيمر السلام النفسي لقلبي. هو شره في الحشيش مثلي. ولن يأتي إلى هنا دونه. أتناول كأسًا آخر. تأتيني إحدى المعارف تقف بجانبي أمام البار. تعلمين أنت تلك الوجوه التي نراها في التجمعات لمرات عديدة، ولا نشعر بالرغبة في الحديث ونكتفي بالامتنان اللطيف من خلال إيماءات بسيطة. خشية الإرهاق، وبعد برهة من تناول شرابها، تنظر لعدد الكؤوس أمامي، وتسألني :

- أنت حزين؟

أنظر لكأسي باحثًا عن سبب يجعلني أتهمه بالوشاية ولا أجد، فأقول ساخرًا:

- لاء، دي عربدة.

أمر لطاولة صديقي بعدما نفذت كروت الكؤوس فلا أجده، فأتبعه لمكان الرقص. أخبره بأننا نشبه الأفيال الضخمة. وبأنني لدي "تي شيرت" أزرق عندما أرتديه. أشعر بأنني الفيل الأزرق. وأعود للطاولة لاختيار أحدهم ليتناول معي الدقائق القادمة، أعرض على صديق وقبل أن يبرر رفضه، يصطحبني آخر أحييه بشدة هو أحد الأصدقاء الافتراضيين على الشبكات الاجتماعية، الذين لم تجمعنا أحاديث بقدر ما جمعتنا الهزائم. نمر لأبعد طاولة في المكان عن الحضور. تجلس عليها زوجة أحد الأصدقاء. أستميحها أننا سنصنع بعض اللفائف فترحب قبل أن تغادر بعد الثانية. يفاجئني الصديق بقِطَعه هو الآخر وأضعهما على ما معي لنصنع العديد. تعاملنا وكأنه ليس "المجال" الأول بيننا. كمتمرسين في صنع اللفائف الفردية. أضحك في نفسي. فقضائي معه هو على وجه التحديد تلك الليلة ليس بشيء عابر. فهو وبرغم عدم قربنا. إلا أنني أعلم بوقوفه على نفس الخط من الهزيمة والضعف الإنساني والتهام الحياة برغم الوحدة. مؤذن الوحدة كما يبدو لي وللكثيرين على الشبكات الاجتماعية. تلك الوحدة التي لا تتأثر كثيرًا بالحب والعلاقات من عدمها. الوحدة الراكدة في أمعائنا. كحطب شُيد عليه الكثير من الحياة.. كنا قد اتفقنا كثيرًا على اللقاء ولكنك تعلمين تلك الوعود التي لا تؤدي لشيء. وجاءت الصدفة لتجمعنا سويًا في وداع الشمطاء المحتضرة.

ينضم إلينا صديقي الشره. فأشعر بمزيد من الألفة. صديقي هذا يعامله الحضور على أنه أحد كبار المثقفين في الوسط الثقافي. ولكننا لا يجمعنا إلا المزاج في تلك الليالي. ويرتاح كل منا لتلك العلاقة التي تخلو من أى حسابات. يعطيني صباع. فنبدأ من جديد الرحلة. ينظر لنا الكثيرون من حولنا الذين تلقوا التعليمات بعدم تناول الخشخاش حتى لا تتعرض يارا لموقف حرج مع مسؤولي المكان. ولكنهم لا يشرعون في سؤالنا. تنظر لنا إحداهن من طاولتها المجاورة فتطلب بعض الأنفاس. فأخبرها بضرورة الجلوس معنا على نفس الطاولة فتحضر. وتنغمس في المتواليات. يمر علينا الأصدقاء واحدًا تلو الآخر. ونعلم بمرورهم بوجود بعض الزجاجات خلفنا. فنشاركهم الحضور. لا نهاية للسعي لنقاط أبعد من انفلات الروح. أتفق مع صديق الوحدة على ضرورة الاجتماع سويًا مجددًا. تلك المرة الرغبة صادقة. تمر إحداهن في دخول مفاجئ لنا. وتجلس بين اللفائف دون أسئلة ونستحسن ذلك جميعًا. وبعد عدة ساعات ننتهي. أنظر حولي فلا أجد صديقي الشره ولا صديق الوحدة. ولا اللفائف.

لم يتبق معي إلا سيدة الدخول المفاجئ. أحاول أن أركز في وجهها وهى تنظر لشيء ما أعلى الطاولة بعين زائغة. أخبرها بأنها تستطيع أن تبحث في حقيبتها على قطع أخرى من الحشيش. فترد بأنها كانت على وشك أن تفعل ذلك. تبحث وتخرج لنا بقطعتين كافيتين للفافتين. أصنعهما في عجالة وينضم المزيد على الرائحة.

أمر لأحد الممرات من الداخل. ذاهبًا للمطبخ. مكان مناسب لالتقاط القبلات. أبدأ في التقيؤ. لم يمر بي -الهانج أوفر- منذ زمن بعيد. أشعر ببعض الراحة بعد نصف ساعة. أمر للداخل ومنه لخارج المكان. دور أسفل قيد البناء. أجلس في مقابلة ما سيكون شرفة يومًا ما. يعصف الهواء برأسي ويمر بي لنقط أبعد من السطل غابت عني طويلًا. تتنفس روحي. تتنفس بشدة. بوسع شهيقي الآن أن يبتلع محتويات الدور دون تعثر بعدما عانيت ضيق التنفس طيلة العام. لكنني أحتاج لشيء ما ليزيل آخر ما علق في لوح روحي في الداخل. شيء بسيط يمنعني عن التحليق. شيء ما غير التقيؤ. لا أدركه. أشعر بشيء من الخفة. فأسقط على الأرض وأستسيغ الجلوس أرضًا. أتذكرك. وأتذكر صديقي المعتقل. فأنتما أكثر من قضيت معهم مثل تلك اللحظات التي تنفلت فيها روحي والسُطل بحب الحياة في السنوات الماضية. شيء ما يتحرك في أمعائي. فوران ما لا تتبينه ذاكرتي.

يأتي بعد فترة بعض العمال في الفندق. ويشاهدونني جالسًا على الأرض فأطمئنهم. ليسألونني عن إمكانية إحضار أحدهم من الداخل لي. أخبرهم باسم صديقي الذي اعتزمت الاحتفال ببقائه معي حتى اليوم مع أبو أثار. يأتي وأطمئنه فيخبر البارمان بإحضار بعض الشراب المهدئ. ويضع يد الفيل على رأسي. وتتغلل أنامله في خصلات شعري. يعلم هو برحيلك عني. وباستثنائية الأمر في نفسي. لكنني لا أحتاج لعزاء. فلقد استنشقت روحي وتخلصت من نفايتها وها هو فوران أمعائي يتصاعد أكثر. أفتح عيني محاولًا الوصول لنقطة محددة ليبدأ منها الحديث. حتى لا أتسبب في إفساد ليلته. وبعد تجميع المفردات واستنشاق المزيد من الهواء. أقول:

- شفت تغريدة سيد اللي كتبها على تويتر؟
- لاء. كتب ايه؟
- يا حظ ملكش علينا جميل

أبكي.

اقرأ/ي أيضَا:

الفاجعة

رسم