حصّة تلفزيونية جزائرية انتقدت

حصّة تلفزيونية جزائرية انتقدت "المقدّسات" تثير جدلًا

البرنامج معروف جزائريًا بجرأته في طرح الأسئلة المتعلّقة بالسياسة والدين (فيسبوك)

يبدو أنّ المشهد الجزائري بات محكومًا بالدّخول من جدل إلى آخر من غير استراحة ولو لأسبوع واحد، في قضايا تتعلّق أساسًا بالدّين والحرّيات. فما أن خبت جمار القصيدة التي أصدرها المفتي السّابق لما يسمّى "الجيش الإسلامي للإنقاذ" عيسى لحيلح، نشرتها صفحة "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، قبل أن تعتذر عن ذلك، حيث وصف فيه الحداثيين والعلمانيين بالضفادع والخنازير والخونة، ردًّا على منشور في فيسبوك لأستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة قسنطينة إسماعيل مهنانة ورد فيه "أنّ سورة النّور ضعيفة شعريًا"، حتى أقدم شابّ متطرّف على تحطيم تمثال المرأة العارية المعروفة بـ"عين الفوّارة"، الأسبوع الماضي، بحجّة أنه خادش لحياء النّاس ومخالف للشّرع.

يعرف الشارع الجزائري تشنجًا لافتًا في القضايا التي تتعلق بالدين والحريات، ومن ذلك الجدل الأخير عن تشكيك أحد المثقفين في صحيحي البخاري ومسلم

وما كاد الشّارع الجزائري ينسى هذه الحادثة، التي لم يبق جزائري واحد إلا وأدلى فيها برأيه استحسانًا أو استهجانًا، حتى اشتعلت المجالس الواقعية والافتراضية للجزائريين بالجدل حول البرنامج التّلفزيوني "الحصّة المستحيلة" التي تبّثها قناة "بور تي في" الخاصّة في الجزائر، تمّ بعثها عام 2011 من باريس وتملك مكاتب لها في الجزائر، حيث استضاف المنشط الرّئيسي للبرنامج الكاتبُ والإعلامي عبد الرحمن سمّار، الباحث في التصوّف والتّراث الإسلامي سعيد جاب الخير المشرف على "ملتقى الأنوار" في الجزائر العاصمة، وقال الأخير إن "النّسخة الحالية من الدّين تشوبها كثير من الأخطاء والتّأويلات البشرية المنافية لروح القرآن وفلسفة الرّسول".

ضيف البرنامج سعيد جاب الخير المعروف بجرأته في طرح الأسئلة المتعلّقة بالسّياسة والدّين، والجرأة هنا تخصّ الضّيف والبرنامج معًا، دعا إلى إعادة النظر في صحيحي البخاري ومسلم، لأنهما يتضمّنان، بحسبه، أحاديث وضعت لدواعٍ سياسية وقبلية. ذكر منها الحديث الذي يدعو المسلم إلى أن يعيد صلاته إذا مرّت أمامه امرأة أو كلب أسود، والحديث القائل إن النّبي موسى كان يستحمّ في النّهر، وإذا بالصّخرة التي وضع ثيابه فوقها تفّر بها، "لا أتصوّر أن نبيًا جاء برسالة روحانية للعالم يقول مثل هذه الأمور"، حسب رأي سعيد جاب الخير.

اقرأ/ي أيضًا: نشرة أخبار بـ"العامية" تستفز المتعصبين للفصحى في الجزائر وتثير جدلًا واسعًا

ما أن بُثّت الحصّة حتى تهاطلت التّعليقات في فيسبوك، بين مؤيّد لطرح سعيد جاب الخير صاحب كتاب "التّصوف والإبداع"، من باب ضرورة تجديد فهم الدّين، ومندّد بها من باب كونه هدّامًا وناقضًا لمعلوم من الدّين بالضّرورة. كتب الجامعي كمال عبد الرّحماني: "ما قاله الباحث سعيد جاب الخير صحيح 100% وهذا الكلام موجود في كتب أهل السّنة والجماعة، منها ما أورده أحد المشايخ السّعوديين محمد بن صالح العثيمين". وكتب النّاشط وليد بوذراع: "لا لتكميم الأفواه لا لإجهاض الأفكار. نعم لتحرير الفكر".

 

 

من جهته قال الإعلامي زبير فاضل لـ"الترا صوت" إن عبد الرّحمن سمّار في برنامجه تجاوز كلّ الخطوط وصار يسيء للإسلام ويسخر من آيات القرآن الكريم". ويضيف: "ارتقوا بحصصكم. فعيب كبير أن يصل المستوى إلى هذا الحدّ. ما هذه البرامج المسخ؟".

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. برامج اجتماعية عنوانًا وجنسية أحيانًا؟

يختلف الجزائريون في تقييم لنقد الدين ومسائله والمتعلق به وبينما يرى البعض ذلك ضرورة وحقًا، يذهب آخرون إلى اعتباره إساءة وسخريات من المقدسات

وخاطب الباحث سعيد جاب الخير منتقديه بالقول في صفحته على فيسبوك: "انتقدوني كما تريدون، فقط احذفوا عبارة "من هبّ ودب"، لأنّي لستُ من هبّ ودبّ. بل إنني باحث متخصّص في المجال الذي أتحدّث فيه". وقال لـ"الترا صوت" إن قطاعًا واسعًا من الجزائريين باتوا متمّحسين دينيًا فوق اللزوم، "إلى درجة أنهم لا يفرّقون بين نقد الدّين ونقد التديّن، وبين تناول النصوص المقدّسة وتناول تأويلات البشر لها، وهذا ما أفعله". يسأل: "لماذا يخفت حماسهم هذا حين يتعلّق الأمر بشؤون مصيرية مثل تلك المتعلّقة بالحكم والحكّام وحقوق الإنسان".

 

وذهب سعيد جاب الخير إلى القول إنّه يمارس فعل التّفكير فيما يمارس غيره فعل التّكفير. داعيًا معارضيه من المفكّرين ورجال الدّين إلى مناظرة يحكمها العلم لا القذف. وهي الدّعوة التي التقطتها سريعًا جريدة "الحوار" المستقلّة، فبرمجت يوم السّبت القادم مناظرة بينه وبين الباحث لخضر رابحي  حول موضوع "النص الديني بين القراءة التقليدية والقراءات الحداثية".

لم تستطع تصريحات سعيد جاب الخير ولا دعوته للحوار الفكري أن يُخفّفا من غضب التّفاعلات الرّافضة لما قيل في الحصّة، منها دعوة نشطاء في فيسبوك إلى وقفة احتجاجية أمام هيئة ضبط السّمعي البصري، "لإغلاق هذه القناة الحقيرة التي تفتح أبوابها لكلّ من هبّ ودبّ ليتهجّم ويطعن في الإسلام"، بحسب صفحة "3.2.1 تحيا الجزائر" واسعة الانتشار جزائريًا.

 

دفع هذا الضغط إدارة القناة إلى سحب الحصّة من موقع "يوتيوب" وإعلان مديرها رضا محيقني إلى أنه سيعود من سفره في الخارج ليقول في الحصّة نفسها إن المقدّسات الدّينية خطّ أحمر في القناة، وهو لا يسمح بتجاوزه.

وفي حقيقة الأمر، تعوّدت البرامج الحوارية المتلفزة في الجزائر أن تتفاعل مع القضايا الجدلية في الدّين والفكر والسّياسة المثارة في المنابر المكتوبة أو في موقع التّواصل الاجتماعي فيسبوك، فهي تقوم بردّ الفعل لا غير، لا أن تكون منطلقًا للجدل في هذه الأقاليم الثّلاثة، ما عدا ما حدث للرّوائي رشيد بوجدرة في قناة النّهار الخاصّة، خلال رمضان الماضي، حيث كان إلحاده محلَّ مساومة في برنامج متخصّص في الكاميرا الخفية. وهو ما اعتبره انتهاكًا لحرّيته الشّخصية، وكان منطلقًا لتعاطف واسع معه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

البرامج الاجتماعية في الجزائر.. بين الأسود والأحمر

أزمة ثقة بين الجزائري وإعلامه