حصلنا على أوروبا، فماذا نفعل بها؟

حصلنا على أوروبا، فماذا نفعل بها؟

لاجئون سوريون على طريق التهريب بين اليونان ومقدونيا (Getty)

ثمة صورة شهيرة ذات مسقط علوي لقارب ضخم يحمل عددًا هائلًا من المهاجرين غير الشرعيين يشق طريقه عبر المتوسط، التقطتها كاميرا مروحية تابعة لخفر السواحل الإيطالي، تحمل الصورة تعبيرًا ملحميًّا يجمع التحدي بالإصرار، البطولة بالمأساة. إذا لم يغرق ركاب القارب فإنهم يصلون أخيرًا إلى جنة أوروبا، لكن ماذا عن ما بعد الوصول؟

ثمة طريق آخر للهجرة غير الشرعية إضافة للطريق البحري المشار إليه المنطلق من شمال أفريقيا إلى بلدان الجنوب الأوروبي، هو الطريق الذي يبدأ بحرًا من تركيا ليصل إلى اليونان، ومن هناك تنطلق رحلة برية شاقة عبر بلدان أوروبا الشرقية وصولًا إلى الغرب، وفي هذا الطريق العديد من المصاعب والمخاطر من الموت بردًا، إلى الضياع في الغابات، أو التعرض للخطف أو القتل أو الاعتقال.

السؤال الأكبر الذي يرافق المهاجرين إلى أوروبا: ماذا بعد الوصول؟

نسبة كبيرة ممن يسلكون طرق الهجرة غير الشرعية اليوم هم من السوريين، وبعض المحظوظين منهم تمكنوا من دخول الجنة الأوروبية عبر الطرق الشرعية، من خلال الحصول على اللجوء عبر سفارات الدول الأوروبية في الشرق الأوسط، وذلك بعد رحلة شاقة أخرى يتربص الموت بأصحابها في كل لحظة على يد قوات النظام أو الجماعات المتطرفة، رحلة من الداخل السوري إلى دول الجوار.

ما بعد الوصول هو السؤال، يصل المهاجر الفار من الحرب في بلاده فيلتقط أنفاسه، ينتظر الحصول على اللجوء والإقامة، وبعد أن يتم له ذلك يبدأ بطرح الأسئلة. ما الذي أفعله هنا، أي مستقبل ينتظرني؟ تقدم عدد من الدول الأوروبية برامج خاصة بالإدماج تتضمن تعلم اللغة، وهي أحيانًا لغات ليس لها أي انتشار عالمي، وهذا إذا تعلمها اللاجئ أصلًا. كما يحصل اللاجئ على قدر من المال يؤمن له حياة الكفاف، وهذه المرحلة التي يفترض أن تكون مؤقتة قد تستمر طويلًا، خاصة أن اللاجئ لم يأت إلى بلد جديد بعد إعداد مسبق، وهو في الغالب لا يملك تصورات عما عليه القيام به، هو لا يعرف إن كان سيبقى أم سيعود، وذلك حسب تطورات الأحداث في بلده، فهو لاجئ لا مهاجر. 

تعاني معظم الدول الأوروبية من تراجع في النمو الاقتصادي وبطالة، وبعضها، وهو ليس وجهة مفضلة للهجرة، يعاني من ركود. وليس للاجئ لا يعرف لغة بلد أن ينافس في سوق العمل فيه، هذا عدا عن قلة تنافسية مؤهلات تحمل معايير العالم الثالث، في ما تتطلب الجامعات بالنسبة للشباب الذين هم في سن الدراسة تفرغًا ودخلًا ثابتًا، أو الحصول على واحدة من المنح الدراسية القليلة ذات الشروط الصعبة، علمًا أنه ليس في الجامعات الخمسين الأُولى في العالم جامعة أوروبية واحدة، باستثناء الجامعات البريطانية.

هناك من يعيش في العالم المتحضر ظروفًا  أقسى من تلك التي  عاشها في بلده المتخلف

يقول العديد من اللاجئين إنهم لم يختاروا القدوم إلى أوروبا، لكنه المكان المتاح الأقرب الذي يمكن الحصول فيه على الأمان، وربما الحصول على جنسية معتبرة بعد سنوات، اللجوء وخاصة لجوء السوريين لا علاقة له بالأسباب الاقتصادية، والكثير منهم وجد نفسه في العالم الأول المتحضر يعيش في ظروف أقسى من تلك التي كان يعيش فيها في بلده المتخلف. 

بينما المستقبل غير معلوم ومفتوح على جميع الاحتمالات في البلاد، الوجود هنا هشّ مؤقت عابر زائل، لا يمكن تأسيس شيء ولا البناء عليه، العقول والقلوب معلقة بالهنا الذي أصبح الآن هناك، أما الهناك الذي صار هنا، فالعلاقة معه واهية، ضعيفة، إنه يستقبل لكن لا يرحب، إنه ليس ترف السياحة أو التاريخ الثقافي، إنه ابتذال الحياة الباردة الرتيبة، التهميش والثانوية، أنت هنا لا معنى لك، ما من روابط تقيمها مع شيء، إنه ليس مكانك الطبيعي، وليس مكانًا يمكن أن تبدأ فيه حياة جديدة، إن كان ذلك ممكنًا أصلًا، أو كان سنك يسمح بذلك.

 خلف البريق الخاطف للمدن الكبرى ومجتمعات الحرية والأنظمة الديمقراطية، يلح السؤال: ما هي الخطوة التالية، وما شأني أنا، ما هي الفرص المتاحة، وكيف لي أن أوظفها لصالحي؟ أم أن المرء سيتحول إلى منفي يمارس التفلسف في أوقات الفراغ الطويلة؟