08-مارس-2017

غرافيتي لماركس ونيتشه

أرى من نافذة المقهى أكوامًا من الناس تسير في الشارع. حين كتبت هذه الجملة وجدت ضرورة للقيام بشيء لا أحبه، التعريف بالشارع: الاستقلال.

أتخيل امتلاكي لقوى خارقة معرفيًا. في الشارع المذكور يسير الأفراد بسرعات مختلفة. فتاة تسير بسرعة وتتحدث عبر الهاتف. شاب يضع رؤوس أصابع يديه في جيبي الجينز ويسير بتباطؤ. آخر يقف بجانب واجهة محل للألبسة. شاب يسير بجانب فتاة ويتحادثان، قد يكونان أخًا وأختًا: السرعة متوسطة. 

أسرد بصمت السيرة الذاتية لهؤلاء المارة اعتمادًا على سرعة مشي كل منهم وأحرص على عدم وضع قواعد مرور. مثلًا السير ببطء لا تعني دائمًا عدم الجدية في الحياة.

هكذا يبقى دماغي منشغلًا في كل الحالات. تأملات الشارع هذه كانت في لحظة استراحة من قراءة نيتشه "هذا هو الإنسان". أنظر يمينًا بعفوية مصطنعة لأجد فتاة وشابًا على مقعد في زاوية المقهى، وتنهال التساؤلات في ذهني لأحسم أحد احتمالين: متزوجان أم في فترة خطوبة؟ أعود إلى الكتاب لأجد نملة على الصفحة. أزيحها برفق ثم أفكر فيما إذا كان جحرها داخل المقهى أم أنها قادمة من رحلة خارجية. هكذا أفتقد طيلة ساعات الاستيقاظ إلى أية استراحة ذهنية رغم كوني عاطلة عن العمل، ليبدأ الصداع اليومي في فترة مبكرة من وقت الاستيقاظ ويستمر حتى النوم. هذا السعي اللاإرادي وراء الأسئلة بشكل عنقودي يسجن حرية التفكير. هل حقًا يمكن للإنسان أن يفكر متى يشاء ويتوقف متى يشاء؟

اخترت قراءة نيتشه بعد سلسة من القراءات غير المجدية. حين أقرأ نصًا يفترض أنه من النوع السهل، تعترض الأسئلة غير المنضبطة طريقي. أجد حرجًا ذاتيًا في عدم استيعاب نصوص سهلة. هنا الأبواب مسدودة أمام الهجمات العدوانية للأسئلة وهي لا تجرؤ على الاقتراب من الإجابات الدموية. أختار أسئلتي وأبحث عنها. أحيانًا تكلفني جملة واحدة غير مفهومة قراءة ثلاث دراسات عنها.

يشرح نيتشه كيف ينتصر كل من العبيد والضعفاء و"قوى الارتكاس". الضعفاء يكونون قوة عظمى تفوق قوى الأقوياء. هؤلاء الضعفاء والعبيد، لا يتفوقون حقيقة بتجميعهم لقواهم، إنما بعملهم على التنقيص ما أمكن من قوة الأقوياء: فهم بذلك يفصلون القوي عما يستطيعه. إنهم لا ينتصرون بتأليفهم لقوة أرقى، بل بفضل قدرتهم على نقل العدوى. 

أقرأ لديه أن المسيحية هي أول ثورة عبيد على صعيد الأخلاق. الحياة بعد ذلك تحكمها معادلة البقاء للأضعف.

أخرج من المقهى، وأكمل القراءة على الآيباد. أصطدم بأناس في الشارع وآخرين في محطة المترو وفي كل مرة يلتفت الشخص بتعبير يدل إلى خلل عقلي واجتماعي أعاني منه.

تنطبع صورة جديدة في ذهني، هي صورة الحصان. رأى نيتشه حصانًا يتعرض لضرب مبرح من صاحبه فانفطر قلبه عليه. اقترب ووقف أمام الحصان يخاطبه: أنا أفهمك.

كلما اقتربت من المنزل يخف المترو من الركاب. أجلس على مقعد وبجانبي صحيفة "حريت". أتلفت لأتأكد إذا كان صاحبها موجودًا فلا أعثر على إشارة. أذهب مباشرة إلى صفحة المنوعات والثقافة. أقرأ عن إضراب حتى الموت ينفذه ثلاثة من نشطاء حقوق الحيوان. أعمارهم: 46، 18، 44. أجمع أعمار الثلاثة: 109. ثم يبدأ هجوم الأسئلة: ماذا يفعل المراهق ذو الـ18 عامًا مع المرأتين الأربعينيتين؟ هل للثلاثة الوعي ذاته تجاه حقوق الحيوان؟ إحدى أهداف الإضراب لفتُ الأنظار إلى اغتصاب الحيوانات. مجموعة متلاحقة من الأسئلة تدفعني إلى دمج كل ما قرأته اليوم لتفسير أعمق لتواجد المراهق الشاب. أبني تفسيري الخاص: تباين درجات الوعي جمع هؤلاء الثلاثة معًا.

ما بين دولوز ونيتشه أذكر فكرة قالها أحدهما: "عِشْ الألم كسَيد لا كعبد". أعيد صياغة هذا التوجيه الاجتماعي على حالة الإضراب: "هذا الإضراب يتم على طريقة العبيد".

في الصفحة التالية خبر عن "كاراغول"، الوردة السوداء. تنمو هذه الوردة النادرة في منطقة واحدة في العالم، بلدة "خلفتي" في أعالي أورفا. بعد بناء سد بيرجيك غمرت مياه البحيرة معظم أراضي الوردة السوداء وتغيرت المعالم البيئية لتلك المنطقة، فكانت تلك الوردة أبرز الضحايا. الخبر يعلن عن بدء زراعة الوردة في بيوت بلاستيكية لتصبح الوردة أحدث الوافدين قسرًا إلى مملكة العبودية.

طويت الصحيفة ووضعتها حيث كانت. حين أزور البلدة وأدخل بيتًا بلاستيكيًا سأضع الوردة السوداء بين يدي أخاطبها كما نيتشه مع الحصان: أنا أفهمكِ!

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما يجب أن يقال في يوم المرأة

عبارات الأفلام: شعر عبر الكاميرا