حصاد الصحفيين السودانيين.. انتهاكات ممنهجة وحضور دولي وإقليمي لافت
19 يناير 2026
وجهان للحرب برزا في مجتمع الصحفيين في السودان؛ فمنذ اندلاعها في نيسان/أبريل 2023، واجه الصحفيون الوجه الأول في أقسى تجلياته، من انتهاكات وعنف غير مسبوق. ومع اقتراب الحرب من إكمال عامها الثالث، بلغ إجمالي الانتهاكات بحق الصحفيين 590 حالة، توزعت بين قتل متعمد، وقتل جراء القصف العشوائي، واحتجاز وتعذيب وتشريد، فضلًا عن القيود المشددة على العمل الصحفي. ولم يخلُ العام المنصرم من هذه التداعيات، بل تجاوزت الانتهاكات حدود البلاد لتطال صحفيين في الخارج.
لكن وسط هذا الركام، يبرز الوجه الآخر للحرب؛ وجه الإصرار على مواجهة التحديات والاستمرار في أداء الواجب الصحفي رغم كل المصاعب. وقد تُوّجت هذه الجهود بتسجيل إسهامات الصحافة والصحفيين السودانيين في سجل الإنجازات الدولية والإقليمية، كاشفة عن قدرة استثنائية وعزيمة عالية على أداء المهام الصحفية، ونقل تداعيات الحرب، وآلام المواطنين وآمالهم، وحكاياتهم المنسية.
التقرير السنوي للنقابة
كشفت نقابة الصحفيين السودانيين، في تقريرها السنوي عن الحريات الصحفية لعام 2025، عن تدهور غير مسبوق في أوضاع حرية الصحافة وسلامة الصحفيين في السودان، في ظل استمرار النزاع المسلح للعام الثالث على التوالي، محذّرة من تحوّل الصحفيين إلى أهداف مباشرة في سياق الصراع.
وثّقت سكرتارية الحريات بالنقابة 67 حالة انتهاك ضد الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي خلال عام 2025 وحده، ليرتفع إجمالي الانتهاكات منذ اندلاع الحرب إلى 590 حالة، شملت القتل، والإخفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والملاحقات القضائية، والتهديدات
وبحسب نقيب الصحفيين عبد المنعم أبو إدريس، فإن التقرير لا يقتصر على نشره للرأي العام أو تعميمه على وسائل الإعلام، بل تقوم النقابة بإرساله إلى مؤسسات دولية معنية بحرية الصحافة، في مقدمتها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي اعتمد منذ بدء إصدار تقارير النقابة حول واقع حرية الصحافة في السودان ما يصدر عنها كإحدى وثائقه المرجعية. وأضاف، في حديثه لـ"الترا صوت"، أن اللجنة الدولية لحماية الصحفيين تقوم بدورها بنشر التقرير عبر منصاتها المختلفة.
ووثّقت سكرتارية الحريات بالنقابة 67 حالة انتهاك ضد الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي خلال عام 2025 وحده، ليرتفع إجمالي الانتهاكات منذ اندلاع الحرب إلى 590 حالة، شملت القتل، والإخفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والملاحقات القضائية، والتهديدات، إضافة إلى انتهاكات طالت صحفيين في دول اللجوء.
وبحسب التقرير، قُتل 14 صحفيًا وإعلاميًا خلال عام 2025، ما رفع عدد الصحفيين الذين فقدهم الوسط الإعلامي منذ بدء الحرب إلى 34 صحفيًا وصحفية، من بينهم خمس صحفيات. وأشار التقرير إلى أن بعض حالات الوفاة وقعت نتيجة القصف العشوائي، فيما تعرّض آخرون للاستهداف المباشر، أو توفوا تحت التعذيب، أو بسبب الحرمان من الرعاية الصحية أثناء الاحتجاز.
كما سجّل التقرير 6 حالات إخفاء قسري، و4 حالات اعتقال طويل الأمد، و9 حالات اعتقال واحتجاز تعسفي مؤقت، مؤكدًا أن هذه الانتهاكات لم تقتصر على طرف واحد، بل تورطت فيها أطراف النزاع المختلفة، إلى جانب أجهزة أمنية وشرطية في عدد من الولايات، في ظل غياب الضمانات القانونية واستمرار سياسات الإفلات من العقاب.
في مؤتمره الصحفي بمدينة بورتسودان، وفي ختام زيارته الأخيرة إلى السودان، أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن قلقه إزاء القيود التي يتعرّض لها الصحفيون، والتي تحدّ بشدة من قدرتهم على أداء واجباتهم المهنية، مشيرًا إلى أنهم باتوا هدفًا لحملات تشويه، وحالات اختفاء قسري، وأعمال عنف من طرفي النزاع.
وأكد تورك أن غياب الإعلام الحر والمستقل لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعزيز خطاب الكراهية، بما يخلّف آثارًا وخيمة، إذ يجرّد الناس من إنسانيتهم ويؤجّج الانتهاكات الوحشية.
وقال: "لا بد من بذل جهد شامل لضمان تيسير عمل الصحفيين والمجتمع المدني عمومًا وحمايتهم. لقد آن الأوان للتخلّص من العادات القديمة الضارّة والعقبات البيروقراطية التي تعترض سبيل تقديم المساعدات الإنسانية".
الفاشر بؤرة الانتهاكات الأخطر في 2025
وتبرز مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بحسب التقرير، بوصفها إحدى أخطر بؤر الانتهاكات بحق الصحفيين خلال عام 2025، في ظل القصف المتواصل، وانعدام الأمان، والانقطاع شبه الكامل للاتصالات والإنترنت، ما أعاق عمليات التوثيق وقيّد قدرة الصحفيين على نقل المعلومات، وخلق بيئة معتمة يُرجَّح معها أن الانتهاكات الموثقة لا تمثل سوى جزء محدود من الواقع الفعلي.
وسجّل التقرير ثلاث حالات اختفاء لصحفيين كانوا موجودين في الفاشر قبل المجازر التي تزامنت مع سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، دون توفر أي معلومات حتى الآن عن أماكن اختفائهم أو ظروفهم.
ومن أبرز الانتهاكات الموثقة التي رافقت سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، تلك التي طالت مراسل قناة "الجزيرة مباشر"، معمر إبراهيم، المحتجز منذ 26 تشرين الأول/أكتوبر 2025، عقب توقيفه في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، أثناء محاولته مغادرة المدينة في ظل الاشتباكات الدائرة.
وكشف مقطع فيديو جرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي يوم اعتقاله عن ظهوره وسط عناصر من قوات الدعم السريع، حيث عرّف بنفسه وأكد أنه محتجز لديهم. كما ظهر في تسجيل لاحق وهو يخضع للاستجواب، موضحًا أنه جرى نقله إلى مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور. وتُعد هذه المقاطع المصدر العلني الوحيد المتوفر بشأن مكان وجوده حتى الآن.
وفي حادثة ثانية، ذكرت وكالة السودان للأنباء في بيان صدر في 27 تشرين الثاني/نوفمبر أن تاج السر أحمد سليمان، مدير مكتب الوكالة، كان يغطّي ويوثّق التطورات في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، قبل اختفائه خلال سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة. وأضافت الوكالة أنه قُتل في حي الدرجة، بعد أن اقتحم مقاتلو قوات الدعم السريع منزله وأعدموه مع شقيقه.
التشهير والملاحقة
أشار التقرير السنوي لنقابة الصحفيين إلى أن الصحفيات السودانيات واجهن استهدافًا مركبًا شمل الاعتقال والتشهير والتهديد، في ظل قيود اجتماعية وأمنية إضافية حدّت من قدرتهن على الوصول إلى الحماية والدعم.
كما رصد التقرير أربع حالات ملاحقة قضائية استُخدم فيها القانون الجنائي لتجريم العمل الصحفي، عبر توجيه تهم خطيرة ذات طابع سياسي وأمني لصحفيين معروفين بمواقفهم الرافضة للحرب والداعمة للتحول الديمقراطي، فيما وصفته النقابة بتسييس القضاء واستخدامه لإسكات الأصوات المستقلة.
وفي تطور مقلق، وثّق التقرير ثماني انتهاكات عابرة للحدود طالت صحفيين سودانيين في دول اللجوء، لا سيما في مصر وليبيا، تنوعت بين الاعتداءات الجسدية والتهديدات الأمنية والاستدعاءات، ما يؤكد – بحسب التقرير – أن مخاطر الاستهداف تلاحق الصحفيين حتى خارج السودان.
وخلص التقرير إلى وصف مجمل هذه الانتهاكات بأنها ذات طابع منهجي، تشكّل تهديدًا مباشرًا لحق المجتمع في المعرفة، وتقوّض فرص الانتقال الديمقراطي وبناء السلام في السودان.
حضور لافت للصحافة السودانية
شهد عام 2025 حضورًا لافتًا للصحافة السودانية على منصات الجوائز الدولية والإقليمية، حيث مثّلت تغطية الحرب الدائرة في السودان رافعة أساسية لهذا الحضور، وسجّلت الصحفيات حضورًا بارزًا تقديرًا لدورهن في الدفاع عن حرية الصحافة ونقل الحقيقة في ظروف بالغة الخطورة.
وفي هذا السياق، فازت الصحفية دُرّة محمد قمبو بجائزة الخدمة في الصحافة لعام 2025، التي يمنحها منتدى محرري أفريقيا، اعترافًا بمساهماتها الطويلة في التغطية الميدانية، وإعطائها صوتًا للمهمّشين في السودان.
كما حصلت شبكة "عين"، وهي جزء من منتدى الإعلام السوداني، على جائزة هولندا لحقوق الإنسان لعام 2025 في لاهاي، وهي جائزة تُمنح للمبادرات التي توثّق انتهاكات حقوق الإنسان بشجاعة. وجاء تكريم الشبكة تقديرًا لنقلها وثائق بصرية وتقارير ميدانية حول الانتهاكات في السودان.
وفاز الصحفي عبد الرحمن الطيب بجائزة "كورت شورك" العالمية للصحافة الدولية عن فئة المساند الصحفي، وهي جائزة يمنحها صندوق "كورت شورك" التذكاري للصحافة في مناطق النزاعات. كما نالت الصحفية سلمى عبد العزيز جائزة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية لعام 2025 عن تغطيتها الاستثنائية لتداعيات الحرب في السودان.
وعلى المستوى الدولي، جرى تكريم الصحفية السودانية–البريطانية يُسرى الباقر ضمن جوائز الشجاعة الصحفية التي تمنحها مؤسسة الإعلام النسائي الدولية، إلى جانب صحفيات من دول أخرى، تقديرًا لشجاعتها في التغطية الصحفية.
وفي جوائز إيقاد الإعلامية لعام 2025، التي أُقيمت في أديس أبابا تحت شعار "سرد القصص من أجل العمل المناخي"، سُجّل حضور سوداني بارز ضمن الفائزين في فئات متصلة بالصحافة البيئية والمناخية. حيث فازت الصحفية هِبة عبد العظيم بجائزة فئة الصحافة باللغات المحلية عن تغطيتها لقضايا بيئية، من بينها تلوث المياه والعدالة المناخية، عبر محتوى ميداني بلغ الجمهور المحلي بلغته.
أشار التقرير السنوي لنقابة الصحفيين إلى أن الصحفيات السودانيات واجهن استهدافًا مركبًا شمل الاعتقال والتشهير والتهديد، في ظل قيود اجتماعية وأمنية إضافية حدّت من قدرتهن على الوصول إلى الحماية والدعم
كما كرّمت الجهة المنظمة الصحفي فيصل محمد صالح، وزير الإعلام في الفترة الانتقالية، بجائزة الإنجاز مدى الحياة، تقديرًا لمسيرته الطويلة في الصحافة المستقلة، والتقارير البيئية، ومناصرة حرية الإعلام.
وشهد عام 2025 أيضًا اختيار الصحفية السودانية شمائل النور ضمن قائمة النساء العربيات الأكثر إلهامًا وتأثيرًا، وجاء التكريم تقديرًا لإسهاماتها في الصحافة الميدانية المهنية والتحقيقات التي تعكس واقع المجتمع، وقدرتها على نقل الحقيقة بجرأة رغم الظروف القاسية التي يعمل فيها الإعلام السوداني.
ويختزل حصاد الصحفيين السودانيين في عام 2025 مفارقة قاسية بين واقع الانتهاكات الممنهجة التي تهدد الحياة والحرية، وبين إصرار مهني نادر على التمسك برسالة الصحافة كحق عام لا يسقط تحت القصف ولا يُكمَّم بالترهيب. فبينما تكشف الأرقام والوقائع عن استهداف منظّم للصحفيين داخل السودان وخارجه، يبرهن هذا الحضور الدولي والإقليمي اللافت على أن صوت الحقيقة، وإن أُنهك، لم يُهزم.
إن ما تحقق من إنجازات وجوائز لم يكن نتاج ظروف مواتية، بل ثمرة شجاعة فردية وجماعية، ودفعٍ يومي لكلفة إنسانية ومهنية باهظة. وهي إنجازات لا تُلغي حجم المأساة، لكنها تكسر سردية الصمت، وتؤكد أن الصحافة السودانية ما زالت قادرة على فضح الانتهاكات، وحفظ ذاكرة الحرب، ونقل معاناة المواطنين وآمالهم إلى العالم.
وفي ظل استمرار النزاع وتراجع الضمانات، تبرز الحاجة الملحّة إلى حماية الصحفيين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، بوصف ذلك شرطًا أساسيًا لأي مسار جاد نحو السلام والديمقراطية. فحرية الصحافة في السودان لم تعد شأنًا مهنيًا فحسب، بل معركة من أجل الحق في المعرفة، ومن أجل مستقبل لا تُدار فيه الحروب في الظلام.







