حصاد الثقافة السوري في 2019.. بين جبهتين

حصاد الثقافة السوري في 2019.. بين جبهتين

من مسلسل دقيقة صمت

لا يبدو الحديث عن موسم ثقافي سوريّ فعلًا صائبًا، هي الجُملة نفسها نُردِّدها، تقريبًا، كلّ سنة، منذ ما بعد 2011، ونراها صالحةً للاستخدام في وصف هذه السنة المُقبلة على نهايتها أيضًا، بلا عناوين ثقافية، نوعية أو استثنائية، تُذكر.

ما أصاب البلاد والعباد، طال أيضًا الحياة الثقافية في سوريا أيضًا

سنة جديدة تنقضي إذًا، دون أن تنقضي الحرب معها. تطوي صفحاتها، بينما تفرد الأخيرة لنفسها صفحات جديدة. والخُلاصة، وكما دأبنا على القول دائمًا، أنّ ما أصاب البلاد والعباد، طال أيضًا الحياة الثقافية. هكذا، نؤكّد، عامًا بعد آخر، أنّ الأرضية المرنة التي تحتاجها الأخيرة لتبني نفسها عليها، غائبة.

اقرأ/ي أيضًا: خمارات الثقافة السورية

الحقيقة أنّها، الأرضية المذكورة أعلاه، وفي الحالة السورية تحديدًا، إمّا منهوبة ومسلوبة، كمناطق سيطرة العصابة الأسدية، وإمّا منشغلة وناسها بالنجاة أو تأمين الخبز الذي تصير الثقافة عند غيابه، وغياب المأوى، ترفًا، كحال المناطق المحرّرة تمامًا. في النموذج الأوّل، أي المناطق المنتزعة عنوةً من يد أهلها، والمُحرّرة منهم، بُغية بناء "مجتمعات" جديدة متجانسة، لا تزال ارتدادات الحرب قائمة، وإن حاول البعض، لغاية كسب المزيد من "العلامات" عند العصابة الحاكمة، نفي ذلك، بل والحديث أيضًا عن حياة ثقافية جيّدة، يرعاها "فخامته" بنفسه، لربّما لغرض التسلية فقط، بعد أن تولّى عنه آخرون كُثر، مهمّة إدارة البلاد، دون أن يمسّوا طبعًا بـ "السيادة" الوطنية.


من معرض ناصر حسين

هكذا، لا يُمكن اعتبار أي نشاطٍ ثقافيّ أُقيم تحت رعاية النظام ومرتزقته أكثر من مُعادل ثقافي لسياساته وجرائمه، ومحاولاته المستمرّة لتجميل صورته عالميًا. فالمهرجانات الموسيقية والسينمائية، والحفلات الغنائية التي أحياها فنّانون مرتزقة يروق لهم الاستبداد، بل ينتبهون إلى وجودهم من خلاله أيضًا، بالإضافة إلى أنشطةٍ أخرى متنوّعة، تُحاكي "تنوّع" الآراء الذي تُتيحه العصابة الحاكمة، ومعه حرّية التعبير عنها، حتّى داخل مؤسّساتها الأمنية والاستخباراتية والعسكرية المُختلفة فيما بينها لجهة أولوية الولاء، لروسيا أم إيران؛ أُقيمت كلّها على وقع المجازر الوحشية والمكثّفة التي ارتكبتها العصابة وحلفائها في مدينة إدلب وريف حماة، سعيًا منها لمواصلة بناء مجتمعها المتجانس الذي لا يُبنى إلّا على أرضٍ محروقة.

الخلاصة أنّ هذه السنة لا تختلف عمّا سبقها. وأنّ الثقافة ما زالت ترفًا عند بشر وضعوا في مواجهة الفقر والموت. وأنّها، الثقافة، لا تزال وظيفة وأداة يروّج من يدّعيها عبرها مقولاتٍ تُفيد بأنّ البلاد تجاوزت أزمتها، واستعادت عافيتها، وما الدمار الممتدّ على طول الحدود إلّا تجهيز فنّي ضخم أنجزه فخامة زعيم العصابة، مستندًا إلى موروث ثقافي روسيّ – إيرانيّ.

انطلاقًا مما ذكرناه، أُقيم معرض مكتبة الأسد الدولي للكتاب، وافتتحه وزير ثقافة العصابة بالتهديد والوعيد لأي دار نشر تُضبط بحوزتها كتب تمسّ هيبة وسيادة الدولة. وأنتجت كذلك المؤسّسة العامّة للسينما أفلامًا تقدّم معادلًا سينمائيًا لسياسات النظام وجرائمه، مُنكرةً وجود ثورة شعبية، ومُقدّمةً ما يحدث على أنّه حرب ضدّ الإرهاب، منها "دم النخيل" لنجدت أنزور الذي يروي قصّة خالد الأسعد، مُمرِّرًا معها سرديات مُعلّمه، لا سيما لجهة تقديمه للطائفة الدرزية داخل الشريط على أنّها طائفة جبناء، على عكس العلويين الشجعان الذين دافعوا عنه، معلّمه الأسد. بالنفس التشبيحي نفسه، قدّم المدعوّ جود سعيد فيلمه "نجمة الصبح" الذي يروي ما يحدث في البلاد من وجهة نظر طائفية، تُفيد بأنّ هناك معركة بين طائفة مؤمنة بالخير والسلام، أي العلوية، وأخرى بغيضة وحاقدة، أي الطائفة السنّية.

إذًا، الثقافة في بيئة الأسد ومجتمعه أداة، غايتها العصابة الحاكمة ومواجهة المؤامرة الكونية التي تستهدفها، ومدّعوها مرتزقة. هذه هي الصورة التي تصلنا من داخل الحدود. أمّا خارجها، في بلاد المنفى واللجوء السوريّ تحديدًا، تُعنون النشاطات الثقافية البسيطة، والمبادرات الفردية، والفعاليّات المُحمّلة برسائل ثقافية حقيقة؛ المشهد الذي يشغلهُ الشعب وهمّه. هكذا، قدّمت المخرجة وعد الخطيب فيلما الوثائقي "من أجل سما" الذي حصد جائزة العين الذهبية في مهرجان كان السينمائي، وجائزة أفضل فيلم وثاقي في حفل جوائز الأفلام الأوروبية. بدوره، قدّم فراس فياض "الكهف" الذي تدور أحداثه في الغوطة الشرقية، وتحديدًا في مستشفى كان شاهدًا على إبادة الأسد الجماعية لأهلها، الغوطة. بينما قدّمت لينا سنجاب وثائقي حمل عنوان "مجانين حلب"، يروي الحياة اليومية في مستشفى تحت الأرض في المدينة المنكوبة.


من فيلم دم النخيل

دراميًا، شهدنا موسمًا حافلًا، وأعمالًا درامية بالجملة، حاولت الدراما السورية عبرها استعادة شيئًا من بريقها، إلّا أنها، لجهة المضمون لا الكم، لم تقدّم جديدًا يُذكر، إذ إنّها كرّرت نفسها من جهة، ووقعت في أخطاء إنتاجية وإخراجية بالجملة، بالإضافة إلى الأعمال التي سلكت طريقًا يصلها برضى العصابة الحاكمة عنها. الناجي الوحيد مما ذكرناه كان مسلسل "دقيقة صمت" الذي أخرجه الراحل شوقي الماجري، وكتب نصّه سامر رضوان، وأزعج نظام الأسد ومرتزقته. أمّا فنّيًا، فقد احتضنت غاليريات العاصمة اللبنانية بيروت معرضًا تشكيليًا لناصر حسين، جاء بعنوان "وقت مستعار"، وآخر للتشكيلي أحمد قليج تحت عنوان "متاهات الروح"، بالإضافة إلى "35 عامًا" الاستعادي للراحل نذير إسماعيل. بينما احتضنت العاصمة الفرنسية باريس معرضًا لبهرام حاجو، وآخر لبطرس المعري بعنوان "وا حبيبتي".

لا يُمكن اعتبار أي نشاطٍ ثقافيّ أُقيم تحت رعاية النظام السوري ومرتزقته أكثر من مُعادل ثقافي لسياساته وجرائمه

أدبيًا، كنّا على موعد مع جُملة من الإصدارات الأدبية الجديدة، لكتّاب وكاتبات من أجيال مختلفة. البداية مع الشاعر والروائي سليم بركات الذي صدرت له رواية جديدة حملت عنوان "ماذا عن السيدة اليهودية راحيل" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر). بينما صدرت لنبيل سليمان "تاريخ العيون المطفأة" (مسكيلياني). دار "رياض الريس للكتب والنشر" بدورها أصدرت "تفسير اللاشيء" لفواز حداد، و"إنجيل زهرة" لنبيل الملحم. وعن "منشورات ضفاف/ الاختلاف"، صدرت رواية "الحي الروسي" لخليل الرز. كما صدرت "سقوط حرّ" لعبير إسبر عن "هاشيت أنطوان نوفل" التي أصدرت أيضًا "لم يصلّ عليهم أحد" لخالد خليفة، و"الجنون طليقًا" لواحة الراهب. دار "سرد" بدورها قدّمت طبعة ثانية من "صبوات ياسين" لخيري الذهبي، وأحدث روايات ممدوح عزام "لا تخبر الحصان". بينما مّدت "المتوسط" المكتبة العربية بـ"سيرة بطل الأبطال بحيرة الإنكشاري، ومآثر أسياده العظام" لزياد عبد الله.

اقرأ/ي أيضًا: معرض مكتبة الأسد للكتاب.. رسالة الثقافة الدموية

هذا بالنسبة للرواية، أمّا الشّعر، فكنّا على موعد مع مجموعة جديدة لنوري الجراح تحت عنوان "لا حرب في طروادة" الصادرة عن "المتوسط" التي قدّمت أيضًا "لا ينتصف الطريق" لياسر خنجر. وعن دار "ممدوح عدوان" صدرت مجموعة "يجدر بك أن تتبخّر" لتمّام هنيدي. بينما صدرت لمحمد المطرود مجموعة "آلام ذئبة الجنوب" عن دار "ميسلون"، وأبصرت مجموعة حسين بن حمزة "قصائد دون سن الرشد" النور عن "دار أثر".

بعيدًا عن الأدب وإصداراته، أصدرت "الشبكة العربية للأبحاث والنشر" كتاب "عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل" للمفكّر السوري برهان غليون. بينما أصدر (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) كتاب "الحياة الحزبية في سورية" لمحمد حرب فرزات، و"صورة من حياة مجتمعات سورية في القرن العشرين" لعبد الله حنّا. كما أصدرت دار (الريس) كتاب "عبد الناصر والتأميم" لسامي مبيض. وعن (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، صدر كتاب "الصقر على الصبار" لخليل النعيمي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رابطة الكتاب السوريين: آليات "بعثية" تحت عنوان الثورة

باب شرقي.. سقوط دمشق الأخير