حسين الضاهر.. غرفة سرية للأسى
16 فبراير 2025
ماذا يجب أن نفعل حين ندخل غرفة سرية لصديق؟ هل نستسلم للفضول، ونستعد لعقد جلسة محاكمة؟
أنا جلست على الكرسي الخشبي قبالة الطاولة، وأمعنت النظر في الرفوف. كانت غرفة خشبية هاربة من زمن قديم: أوانٍ فخارية، وعناكب بَنَتْ أعشاشها في الزوايا، ومجنونٌ ما غمس سبابته بالحبر وكتب على الحيطان والأرضيات أبجدية خاصة عن لحظة الوجع. حلبة صراع بين دونكيشوت والجدران، كأنما يريد الخروج من سجنها. زاوية للتأمل بين الحب والخيبة، الشجاعة والاستسلام، التفاؤل والهزيمة، التضحية والنجاة. وفي أقصى الغرفة مرآة يبرز منها وجه مألوف يقول مبتسمًا: "هل صدّقت ذلك؟"، يمدّ لسانه ويرفع الستارة عن كوميديا سوداء واقعية يسميها محبو اللغة: شعرًا.
الآن، يمكن أن نرى حسين الضاهر بثياب أنيقة، وشال حول الرقبة، حتى أنه صار يعتمر قبعة (بيريه)، حاله حال الشعراء الحالمين. فقد وصل الرجل إلى النرويج ناجيًا من أيام التعب و(التعتير) والبحث الدؤوب عن ورقة يوم جديد في روزنامته المشتعلة، ولكن دعونا لا نُخدع بهذا الهيكل المطلي بالفرح المؤقت، ولننكأ في زجاج عينه ثقبًا على ذات مليئة بحزن موروث وقلق مزمن.
نافذتنا هذه هي مجموعته الشعرية الجديدة "أعلق الشوارع على حبل منتصف الليل". ومن حيث إن المجموعة تبدأ رأسًا على عقب، فهي تنقل إلى حد ما عبثية التغيرات المفاجئة في حياة الإنسان المهدد، إذ تأتيه فرصة النجاة في أشد الساعات ضيقًا لتنقله من الشرق الملتف حول عنقه كحكم إعدام تدريجي إلى الشمال البارد على الجلد الدافئ على خوفه الأزلي، فيعطيه عشًا لقلبه المرتعش، وأفقًا واسعًا من التقدير لذاته التي كاد يمحوها الضمور.
شاعرنا، عامل تنظيف المدينة، يسهر ليلًا لينظف شوارعها من كل ما اقترفه الناس، ينظفها بعصا الالتفات وكأنه مراقَب، أو يقوم بفعل ممنوع
بالعودة إلى العنوان المسفر عن تجرؤ جاد على التجريب، يشي بالابتكار في استخدام الصور الشعرية، حيث يمزج بين الرمزية والخيال بطريقة عميقة تحرك سطح الدهشة الراكد. تثبت ذلك القصيدة التي ألبس عنوانها للمجموعة "شوارع معلقة على حبل منتصف الليل"، فيعبر عن الاغتراب والمعاناة بصورة بصرية حية:
"بعد أن أعلق الشوارع على حبل منتصف الليل
أنفضها بعصا الالتفات
لتعود خالية من الشك".
صورة الشوارع المعلقة على الحبل تحيل إلى نشر الغسيل، ومنتصف الليل كفترة للعمل تحيل إلى انشغال الفقراء الكادحين الذي لا يملكون وقتًا للاهتمام بقضاياهم الشخصية إلا بعد هدأة الليل. وتحيل أيضًا إلى وقت الشعور بالوحدة الذي ينهش قلب الشاعر ليبدأ بإعادة قلب الموجودات رأسًا على عقب كما أسلفنا، حيث تمثل الشوارع حياة مشوشة ومعذبة. إحالات الصورة تبني كذلك في المخيلة حبال غسيل مشدودة وقد ثبتت عليها الشوارع بالملاقط. الشاعر ينشر الشوارع لينظفها، ونظافتها لا تكون إلا بخلوها من الناس والباعة والسيارات.. إلخ، ما يعبر عنه بـ"عصا الشك"، وكأنه غير واثق من وجود كل ذلك أو من وفاء كل ذلك، فهل يلمس الخطر من هذه الموجودات؟ وهل الخطر عليه هو نفسه أم على الآخرين كذلك؟
إذن، شاعرنا، عامل تنظيف المدينة، يسهر ليلًا لينظف شوارعها من كل ما اقترفه الناس، ينظفها بعصا الالتفات وكأنه مراقَب، أو يقوم بفعل ممنوع. ليمدها قبل طلوع الضوء في أماكنها، وهكذا يفعل كل يوم. هذه الصورة تشخص تشتت وتشظي بين ذات الشاعر وبين واقعه، لكنها تبرز قدرة على تحويل ذلك إلى صور شعرية مؤثرة.
مواقع كثيرة من المجموعة تدور حول صراع الذات والتهديد الدائم بالزوال، والإصرار على الوجود والاستمرار، وربما حول صراع مع آخر غير معلوم يهدد وجود الشاعر بماضيه ومستقبله. تارة نراه في الحرب وتارة في الهجرة وتارة في العزلة. على ما يبدو أن الضاهر يخوض اشتباكًا مع عناصر كثيرة تحتل واقعه. كل هذا يبقيه في دائرة صراع ذاتية. في قصيدة "هذه لعبتي" يعبر عن عزلته العدمية الداخلية والمعلنة، إن جاز التعبير، فهو يحاول إثبات معاناته لآخرين يظنونها لعبة:
قد أبدو وحيدًا
قرّب الصورة قليلًا
نعم؛ أبدو وحيدًا
الأمر هنا ليس لعبة
ولا أدري كيف سقطت في هذه النقطة العمياء من الكون.
الحياة في الخارج مبصرة
طفلان يصوبان مسدساتهما البلاستيكية إلى بعض
طاخ.. طاخ
أموت أنا
هذه لعبتي أيضًا
أموت في اليوم مئات المرات
قبل الأكل وبعده
أموت عند الحاجة أيضًا
إلا أنني لا أستشعر أيّ خطر على صحتي.
ربما يضر الأسلوب الواحد بالغنى الفني للقصائد، ويحدد القراءة أو يجعلها أحادية، لكن الشاعر كثيرًا ما ينجح في توظيف موجودات واقعه في ابتكار صور شعرية مدهشة وغنية. فإن لازم الضاهر شباك "عنكبوت منزلي" ولم يبتعد عن أسلوبه في التعبير عن العجز، إلا أن بساطته ورتابته تشف عن بعد تأملي وإن كان خجولًا:
أنا رب هذا البيت
بصرامة أحكمه،
وبخنوع أتلقى ضربات معيشته.
...
أقيم في كل زواياه
محاولًا نسج حكايات تقابل ثمن إيجاره الشهري،
لكن عصا الأيام السريعة تطال ما نسجت.
...
تعلمت أشياء كثيرة كي لا أبدو غريبًا
الآن، أعرف كيف أخاف بلباقة
وكيف أتناول الهزيمة بإتيكيت
"الشوكة في القلب
والسكين يمينًا لتقطيع الأوصال".
...
تعلمت مفردات كثيرة أيضًا
لعلكم تأنفون سماعها
فهي مرشوشة بالمذلة...
***
لا سلالة لي هنا
ولم أهاجر بحثًا عن العتمة،
تصرفت بحكمة حين أغرقتُ ذبابة في كأس شاي
إذ لا بد من شفاء في أحد جناحيها..
فتصرف الطاغية بحكمة حين أغرقني في البحر
إذ لا بد من قلم في إحدى يديّ..
أنا وهو سيان..
...
أنا رب هذا البيت
تطردني أرملتي عندما تبادر بتنظيف شِباكِنا
فتدهسني نظرات المارة.
أنا أجبرتُ على الصمت أيضًا! في الباص الوحيد الذي يركل دربي جيئة وذهابًا كل نصف ساعة، أكتب الشعر بهمس، وأقرأ المسافرين من حولي، أبني قصصًا لهم، أكسر فيها رتابتهم المقيتة
لا شك أن الضاهر يخوض في صراعه الذاتي خوض المحترف الخبير بالمعاناة، الماهر في تحويلها إلى تعابير فنية نفيسة، لكنه. يحبس قصائده في غرفته ولا يتسع كثيرًا على الواقع أو الشارع، وقد برر لذلك منذ البادية بتعليقه الشوارع على الحبل، وقرر أن ينظفها بعصا الالتفات.. عسى أن ينقل مخبره الشعري عذب النتاج من غرفة القبو إلى الساحة العامة، فنراه يحلق في فضاءات أكثر رحابة تتيح لجناحيه الطويلين الخفقان الحر في عالم اللغة والشعر؛ هذا ما تسفر عنه قصيدة "حياة على لسان الماء"، فتبدو كأنها طير خارج السرب، يبشر بريح وسماء جديدتين للتحليق:
يوميًا أقف على الشاطئ، أراقب لسان أوسلو المائي مثل منارة من لحم وذكريات.
فأراه يمتد ساخرًا مني ومن اليابسة..
أقول لقدامى اللاجئين:
هبطتُ هنا من السماء، وأشتعل قلقًا كلما رميت خطوة على الأرض.
يردون: هي فترة وستنقضي..
أمام الماء، أتمرغ عاجزًا في تراب اللغة، أبرر ذلك بتلويحات الأيدي، وعويل من الحنجرة:
Jeg kommer fra Syria
فتنهض نظرات الشفقة من حولي، تتمطى، وتغسل وجهها بابتسامات مصطنعة.
أنا أجبرتُ على الصمت أيضًا!
في الباص الوحيد الذي يركل دربي جيئة وذهابًا كل نصف ساعة، أكتب الشعر بهمس، وأقرأ المسافرين من حولي، أبني قصصًا لهم، أكسر فيها رتابتهم المقيتة.
ماذا لو أن العجوز التسعينية الواجمة نزلت بغير محطتها المعتادة كجثة هذه المرة؟
هل سيسأل عنها ابنٌ أو جار لا يعرف عنها إلا شكلها وطريقة مشيتها المتهادية؟ هل ستبكيها جدران منزلها الخشبية صمغًا أو أوراقًا صفراء أو حكايات؟
هل سيحذف موظف الخدمات الاجتماعية اسمها من سجلاته بلا أي تأثر ثم يتابع عمله الممل بصمت.
أنا اخترت الصمت أيضًا!
ماذا لو أن المهاجرة الأفريقية المعلقة من يدها في الممر، تستيقظ فجأة من هذا الكابوس البارد لتجد نفسها مسترخية مجددًا تحت شجرة "أوليا" في قريتها الكينية؟
ماذا لو أن السائق الأريتيري يسرع كاسرًا حاجز الصمت هذا، لنجد أنفسنا وسط ضجيج سوق "تسني" وألوان غير الأبيض تتراقص من حولنا؟
وذاك الشاب الوسيم لو أنه يجرب في هذه الليلة بالذات النوم خلف ساتر ترابي متفاديًا عناق الرصاصة بدلًا من عناق ذراع حبيبته؟
وجمع الفتيات العائدات من درس الباليه لو أنهن يجربن الرقص على هدير موسيقى الطائرات الحربية؟
ماذا لو أنني استمعت لدموع أمي، قبل عشر سنوات من الآن، ولم أهرول شمالًا بقدمين من رعب؟
أكان سيجلس شاعر في كرسيّ هذا ويقود هؤلاء البؤساء إلى سوق "تسني"، أم أن كل شيء كان سيمشي ببطء نحو هاوية الجحيم الهادئة هذه؟
أنا اخترت الهدوء أيضًا.