حسام حمو بصحبة آلاته.. صولو يرثي غياب العازفين

حسام حمو بصحبة آلاته.. صولو يرثي غياب العازفين

حسام حمو (فيسبوك)

ينتقل الفن الموسيقي اليوم إلى الحضور على مساحات الفضاء الإلكتروني، التي باتت منصات لفنانين يرفضون ابتذال السائد من موسيقى، ويطرحون ما بحوزتهم من إنتاج يتسم بأنه نوعي وبديل. تنقلنا هذه المشاريع بين معان جديدة تركّز على قضايا عديدة، وتعمل على إدخال أجناس موسيقية غير مألوفة في فضاء الإنتاج الموسيقي في منطقتنا.

يبدو مشروع حسام حمو وكأنه يرثي هجرة زملائه الموسيقيين بالتقاطه آلاتهم، وأخذ مواقعهم في الفرقة الذي أصر على تشكيلها

في هذا السياق، يبرز صوت متفرد جديد ينتقل بين عوالم موسيقية مختلفة، من الموسيقى الغربية إلى الشرقية، مع تمايز كلٍّ منهما، هو مشروع الصولو، أو "عرض شخص واحد"، الذي يقدمه الموسيقي السوري حسام حمو، من خلال التسجيل في أستوديو منزله المتواضع، ويقوم بالعرض من خلال منصته على الفيسبوك.

اقرأ/ي أيضًا: الألبوم الأخير لرشيد طه.. أنا أفريقي

يبدو مشروع حمو وكأنه يرثي هجرة زملائه الموسيقيين بالتقاطه آلاتهم، وأخذ مواقعهم في الفرقة الذي أصر على تشكيلها. كانت هجرة الموسيقيين السبب وراء تفرد هذا المشروع، الذي أصبحت خصوصيته تكمن في غياب العازفين وفراغ أمكنتهم.

ينطلق حسام، خريج معهد صلحي الوادي للموسيقى، في مشروعه مؤلفًا ومؤديًا، مستخدمًا تقنيات اللوبر لخلق تناعم بين آلاته المتعددة، المتراوحة بين الوتري والإيقاعي والنفخي، وكأننا نستمع إلى فرقة بأكملها، منحازًا للعود مرة، وللبيانو أو الدودوك مرة أخرى، ليشكل النسق الموسيقي المكتوب في نوته، فنراه في فيديوهاته منشغلًا في خلق التناغم وحده أمام الكاميرا، آخذًا موقعه كمايسترو دون موسيقيين.

جاءت إطلالته الأولى مع تأليفه لقطعة "Milonga Ala Ona"، التي ألفها ضمن نمط "Molonga" المشتق من التانغو، ليدعونا فيها لرصد مهارات السيادة والتحكم على آلات عديدة. أما في المرة الثانية، بعد أن نألف تلك المهارات، نكون مدعوين للرقص على إيقاعات بطيئة، مانحة الأجساد مساحة لحركة رشيقة غير مقيدة. تبدأ هذه القطعة وتستمر في إيقاع أقرب للبطيء، ليدخل صوت المؤدي في تكرار لعبارة واحدة تمنح العمل بصمتها الخاصة، لتتصاعد في النهاية مع صوت الهارمونيكا الذي يعلوا منفردًا، ليسجل حسام أول عرض صولو مع آلاته.

 

في عمله الثاني، يعيدنا إلى عالم الموسيقى الشرقية، ليُحوك مقطوعة العازف إبراهيم معلوف " Douce". حيث يبدأ مع إيقاع الدف العميق في صداه، ثم يأخذ بالعزف على العود، مدخلًا كعادته الدودوك والأورغ، لكنه ينحاز إلى الاسترسال في تقسمات عوده. لهذا العمل إحساسه العالي الذي يسعى للاتصال مع المستمع من كونه شرقي أولًا، ومن كونه مقطوعة مشهورة ثانيًا، خالقًا لنفسه أثرًا في مسامع المحيط.

 

العملان الأول والثاني بمثابة إعلان لمشروع الشاب الجديد على الساحة الموسيقية، يقومان على محاولة لخلق مكان لنفسه بين الأصوات الموسيقية البديلة، غير القادرة على الإنتاج الضخم ماديًا، خاصة ضمن ظروف المعيشة العصية اليوم.

ينطلق حسام حمو في مشروعه مؤلفًا ومؤديًا، مستخدمًا تقنيات اللوبر لخلق تناعم بين آلاته المتعددة

اقرأ/ي أيضًا: لماذا يُعدُّ الجسد الراقص "حركة" سياسية؟

يبرز حسام من جديد في عمله الثالث، مؤلفًا وعازفًا كما عهدناه، كما أنه مخرج لكليب مقطوعته الجديدة: "حصار". يبدأ مع عذابة صوت الدودوك، ثم ينتقل مع البيانو نحو التفرد في فضاء عريض أقرب للمسرح، يقدم فيه مجموعة من الراقصين مشهدَ رقص تعبيريًا، في تفاعل مع الموسيقى، لنكون منخرطين في محاولة للخوض في مفهوم الحصار من خلال انفعالات الجسد، وتكوينه التجريدي في الصوت الموسيقي. وبهذا يسجّل حسام بصمته الأكثر أهمية بخصوص مشروعه، بكونها ثالث أعماله، لكن الأهم. إنها ميلاد لأول مقطوعاته الموسيقية الشرقية الذي قام بتألفها ثم أدائها كعادته.

 

ربما كان ظرف غياب الموسيقيين في المحيط هو المحفّز لنحظى بعمل مختلف في أدائه ومناخه، وطريقة إنتاجه أيضًا، ولكي نلتقي بمشروع ينطلق من الخاص إلى العام، من خلال تناغم الأصوات والخيارات الفنية، عبر موسيقي واحد يتألق في تفاعله مع الآلات، مكونًا مشروعه هويته الفنية المشتهاة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عرض "البرزخ".. رحلة في عوالم الذهن البشري

صلاح ابن البادية.. رحيل ذاكرة الغناء والسينما السودانية