حزمة أوامر العاهل السعودي.. خطة محمد بن سلمان للسيطرة على كل شيء

حزمة أوامر العاهل السعودي.. خطة محمد بن سلمان للسيطرة على كل شيء

محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي (نيكولاس عصفوري/ Getty)

لا يزال يحافظ العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز على سنّته في إجراء تعديلات في هياكل الدولة على شكل حزمة أوامر ملكية متزامنة، إذ أصدر مساء السبت 22 نيسان/أبريل 2017 دفعةً ثالثة من هذه التعديلات، وذلك بعد دفعة أولى في كانون الثاني/يناير 2015، جاءت بعد أسبوع واحد من مبايعته ملكًا حينها، وبعد دفعة ثانية في نيسان/أبريل من نفس السنة، التي شملت المناصب السيادية في الدولة.

وشملت الحزمة الأخيرة زهاء 40 أمرًا ملكيًا، لتكون الأكثر شمولًا من سابقاتها، إذ شملت تغييرات في الهياكل العسكرية والأمنية والوزارية والمناطقية والخدماتية، إضافة لقرارات أخرى لعلّ أهمّها إعادة الامتيازات المالية للموظفين الحكوميين.

إعادة الامتيازات المالية.. منّة ملكية أم ضرورة اقتصادية؟

تصدّر الأمر المتعلق بإعادة جميع البدلات والمكافآت والمزايا المالية لموظفي الدولة، قائمة الأوامر الملكية التي نشرتها تباعًا وكالة الأنباء الرسمية، ليستأثر باهتمام السعوديين في مواقع التواصل الاجتماعي. وقد أُرجع قرار إعادة الامتيازات المالية، التي سبق وأن أُلغيت في أيلول/سبتمبر الماضي، إلى "تحسن إيرادات الدولة وتقلص العجز في الموازنة العامة في ضوء رؤية المملكة 2030"، ليظلّ السؤال حول مدى صحة هذا التأسيس لقرار إعادة الامتيازات، بخاصة وأنه لم يمرّ إلا 7 أشهر فقط منذ إلغائها.

استبعدت تقارير اقتصادية استمرار التضخم السلبي في السعودية حتى نهاية العام الجاري

بالنهاية، لم تنته السّنة المالية بعد، ويصعب الظنّ بأنه كان من المقرّر إعادة الامتيازات بعد بضعة أشهر من إلغائها، فيما قد يكشف -ظاهرًا على الأقل- عن غياب الاستشراف، ليحوم السؤال حول السبب الدّافع لإعادة امتيازات يُقدّر بأنها تمثّل ثلث الرواتب الحكومية.

وفي عودة للمؤشرات المالية، يظهر تسجيل الاقتصاد السعودي لنسبة تضخّم سلبية طيلة الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الجارية، ما يعني مؤشرًا لانكماش الاقتصاد، حيث حذر راشد الفوزان، وهو محلّل اقتصادي سعودي حاصل على جائزة "رواد التواصل الاجتماعي العرب الأكثر تأثيرًا بالاقتصاد"، من استمرار التضخم السلبي الذي وصفه بأنه "ركود وبطالة وعدم جاذبية الاقتصاد"، وغرّد على تويتر بداية الشهر الماضي قائلًا إنه "يجب ألا يطول التضخم السلبي عن ستة أشهر وإلا سيكون الوضع أصعب بكثير".

بالتوازي مع ذلك، استبعدت تقارير اقتصادية استمرار التضخم السلبي في السعودية حتى نهاية العام الجاري، لعوامل أهمها الإنفاق الحكومي المرتفع في موازنة السنة الحالية، مع استشراف تعافي الطلب المحلي في الفترة المقبلة، لعدة إجراءات منها رفع الرسوم الجمركية لبعض السلع الغذائية.

إلا أن هذه التوقعات ربما كان يلزمها دفع بتحفيز الاستهلاك، وهو أحد محركات النمو الاقتصادي، بما يفترض رفع القدرة الشرائية للمواطنين الذين يخشون مزيد تحملهم لأعباء الأزمة الاقتصادية. فقبل أسابيع، تلقى الشارع السعودي بكثير من الريبة الحديث حول خصخصة جزء من شركة "أرامكو" النفطية، فيما اعتبره العديد تفريطا في "البيضة الذهبية" للمملكة.

اقرأ/ي أيضًا: النفط والبطالة: وجهان لدولة آل سعود

ولعل استقرار أسعار النفاط قد مثّل عنصرًا غير مانع لإعادة الامتيازات المالية لزهاء 3.3 مليون موظف حكومي في القطاعين المدني والعسكري. وعليه ربما لم تكن هذه الإعادة إلا ضرورة لتحفيز الاقتصاد الذي بدت عليه مؤشرات الانكماش في الأشهر الماضية، وبما قد لا ينفي في نفس الوقت بأن قرار الإلغاء قبل أشهر، لم يكن إلا نتاج سوء تقدير. فهل تحقيق رؤية السعودية 2030، كان يفرض إلغاء للامتيازات المالية للموظفين لمدة 7 أشهر فقط؟ قد يصعب القول بذلك.

ولعلّ عنصر عدم التخطيط يبِين وضوحًا في أمر ملكي آخر، يوجّه بإنهاء الامتحانات في المدارس والجامعات قبل شهر رمضان، وذلك في خطوة يسعى من خلالها العاهل السعودي إلى تعزيز شعبيته في الشارع السعودي، وتحديدًا بين التلاميذ والطلبة والعاملين في التعليم، بيد أن هذه الخطوة تكشف في النهاية عما يُمكن الإشارة إليه كطابع ارتجالي في التسيير.

تعديلات في الجيش والأمن.. اسأل عن اليمن وابن نايف

وشملت القرارات الملكية تعديلات طالت الجيش والأمن، ومعهما جهاز الاستخبارات العامة، فيما تكشف في جانب أول عن إعادة ترتيب الأوراق في الحرب في اليمن، وتعكس في جانب آخر سعي ولي ولي العهد محمد بن سلمان، من بوابة والده، في تعزيز نفوذه في مواجهة ولي العهد ووزير الداخلية محمد بن نايف الذي يقف أمام حلمه لصعود العرش.

في البداية وبخصوص الجيش الذي يترأس قيادته العليا الملك سلمان، ويقود وزارته، أي وزارة الدفاع، نجله محمد، فقد عُيّن اللواء فهد بن تركي قائدًا للقوات البرية بدل اللواء عيد بن عواض الشلوي، الذي عُيّن مستشارًا لوزير الدفاع. ويبدو أن التعيين الجديد لا يخرج عن دائرة التطورات الميدانية في الحرب التي تقودها السعودية في اليمن، بخاصة وأن فهد بن تركي عمل قائدًا للعمليات الخاصة في اليمن، وقد التقى مؤخرًا بالرئيس اليمني وبولي عهد أبو ظبي، لمناقشة التطورات الميدانية الأخيرة. وعليه، قد يؤشر تعيين فهد بن تركي على مرحلة جديدة من الحرب، بإعادة ترتيب المملكة العربية السعودية لأوراقها. 

وفي هذا السياق، تضمنت حزمة الأوامر الأخيرة صرف راتب شهرين مكافأة للمشاركين الفعليين في الحرب، في خطوة أخرى من الملك لإظهار سخائه تجاه المشاركين في حرب مكلفة لم تُحسم بعد.

وشملت الأوامر كذلك أحد قيادات العملية العسكرية في اليمن، وهو أحمد العسيري، المتحدث باسم "التحالف العربي"، إذ عُيّن نائبًا لرئيس جهاز الاستخبارات العامّة. وهذا الجهاز، الذي يمثل العصب المعلوماتي للأمن في السعودية، شملته حزمة الأوامر التي أعلنها العاهل السعودي بعد أسبوع من صعوده للعرش قبل سنتين، إذ عيّن حينها شخصية من خارج الأسرة الحاكمة لرئاسته، وذلك لأوّل مرة بعد 40 عامًا.

اقرأ/ي أيضًا: 8 عجائب من الحرب اليمنية

وقد لا يكون تعيين العسيري حاليًا كنائب للجهاز إلا انعكاسًا لسعي العاهل السعودي إلى إحكام سيطرته ورؤيته على هذا الجهاز الأمني السيادي، بما لا يخرج بالتوازي عن الصراع الخفي بين نجله محمد من جهة وولي العهد ووزير الداخلية محمد بن نايف، بل ربما هذا البعد يبدو بيّنا بالنظر لخلفية المُقال والمعيّن، فنائب رئيس الجهاز المُقال هو يوسف الإدريسي الذي سبق وترأس الجهاز لبضعة أشهر عام 2014، بعد إقالة بندر بن سلطان، كما يكشف سجّله بأنه تحصل على ثلاث ترقيات من الملك الراحل عبدالله في فترة وجيزة جدًا حينها، وبالتالي لم يحن حاليًا إلا زمن إعفائه. أما المعيّن بدله فهو أحمد العسيري مستشار محمد بن سلمان، وأحد أكثر الشخصيات قربًا منه.

يعد العسيري من الشخصيات المقربة جدًا من محمد بن سلمان (فايز نور الدين/ Getty)

ولا يقف سعي محمد بن سلمان على إحكام السيطرة على المؤسسات الأمنية عند ذلك، حيث تمّ بموجب أمر ملكي إنشاء مركز للأمن الوطني، مع إلحاقه مباشرة بالديوان الملكي، فيما قد يكشف عن نقطة جديدة يسجّلها بن سلمان على حساب وليّ العهد بن نايف، فهذا الجهاز الجديد من المفترض أن يصبح الوعاء النهائي للمعلومات المتلقاة من مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية في البلاد. بهذا يُصبح بن سلمان، من بوابة والده، ممسكًا بيده الوعاء الحامل للمعلومة في المملكة.

وقد كشف مجتهد، الذي دائمًا ما ينقل كواليس الحكم في السعودية عبر تويتر، بأن الجهاز الجديد ستُلحق به "كل فروع وزارة الداخلية الحساسة"، ولا تقف "مضايقة" بن نايف عند هذا الحد، حيث تم تعيين محمد بن صالح الغفيلي رئيسًا لهذا الجهاز ومستشارًا للملك للأمن الوطني، ولكن الأهم أنه تم تعيينه كذلك عضوًا في مجلس الشؤون السياسية والأمنية، وأمينًا له. من يرأس هذا المجلس؟ هو محمد بن نايف الذي ربما قد جاءه ضيف ثقيل الظل مبعوث من محمد بن سلمان!

ابن وزير دولة للطاقة وآخر سفير في واشنطن

عيّن الملك سلمان نجله عبد العزيز وزير دولة لشؤون الطاقة، فيما قد يعني تمهيدًا لتصعيده في وقت لاحق لقيادة وزارة الطاقة والصناعة، وهي وزارة سيادية في بلد يقوم على اقتصاد ريعي نفطي، والتي تقودها حاليًا شخصية تكنوقراطية. ويكشف هذا التعيين عن سعي دائم للملك سلمان لتعزيز نفوذ أبنائه من داخل قيادة الجهاز التنفيذي، بخاصة في وزارات حيوية كوزارة الطاقة والصناعة حاليًا.

كما شملت حزمة الأوامر تعيين ابن آخر للملك في منصب حسّاس، وهو سفير السعودية في واشنطن، إذ أُعفيَ عبدالله بن فيصل بن تركي، وعيّن خالد بن سلمان، فيما لا يعني فقط مزيدًا من تعزيز نفوذ أبناء الملك، وإنما أيضًا يكشف عن سعي لتأمين القناة الرئيسية في التواصل مع إدارة ترامب خلال الفترة القادمة، في ظلّ التقارب بين واشنطن والرياض مؤخرًا. وفي هذا الجانب، وصف مجتهد هذا التعيين بأنّه "جزء من ترتيبات محمد بن سلمان لضمان علاقة مغلقة مع ترامب دون وسيط".

ولعلّ رائحة الصراع مع بن نايف دائمًا ما تكون مكشوفة، فولي العهد الحالي دائمًا ما يوصف بأنه "مقرّب" من الولايات المتحدة، وربّما بن سلمان يسعى حاليًا لاستغلال صعود ترامب لفرض نفسه كـ"صديق وفيّ" بشكل يحقق اختراقًا على حساب بن نايف، الذي كرّمته الاستخبارات الأمريكية قبل شهرين لمجهوده في الحرب على الإرهاب.

تصعيد للأمراء الشباب

إعفاء عدد من الأمراء وتعيين آخرين، هو عنوان عدد من حزمة الأوامر الأخيرة التي شملت مناطق حائل والباحة والحدود الشمالية، على مستوى منصب أمير المنطقة، ومناطق المدينة المنورة ونجران والمنطقة الشرقية وعسير وجازان، على مستوى منصب نائب أمير المنطقة.

والمُلاحَظ عمومًا هو أن التعيينات الخمسة في مناصب نواب أمراء المناطق، تعود لأمراء شباب، فيما قد لا تخفى مجددًا بصمة محمد بن سلمان، في ظلّ سعيه لتعزيز تحالفاته مع أبناء عمومته الشباب من جهة والترويج لـ"القيادة الشابّة" في الدولة، وهو الأمير الشّاب السّاعي لخلافة والده في قصر اليمامة من جهة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: هيئة البيعة السعودية.. أداة الصراع الملكي

وفي هذا الإطار، عيّن الملك حفيده الثلاثيني أحمد بن فهد بن سلمان، نائبًا لأمير المنطقة الشرقية، فيما قد يبدو تمهيدًا لتصعيد الحفيد لقيادة الإمارة، بدلًا عن أميرها الحالي سعود بن نايف، وهو شقيق ولي العهد محمد بن نايف ومساعده السابق، فخفايا صراع النفوذ بين بن سلمان وبن نايف دائمًا ما تكون بيّنة كما يتضح.

ولعلّ ما يثير الانتباه في هذه الأوامر هو تعيين فيصل بن خالد بن سلطان أميرًا لمنطقة الحدود الشمالية، ذلك أن والده هو واحد من أكبر المتضرّرين من صعود عمّه الملك سلمان قبل سنتين، ومن أبرز ضحايا بن سلمان، إذ كان خالد بن سلطان رجل الظل في وزارة الدفاع زمن والده ولي العهد الراحل سلطان بن عبد العزيز، ثم تولّى منصب نائب وزير الدفاع، وحينها تولى الملك سلمان قيادة الوزارة، قبل أن يستطيع لاحقًا بن سلمان -الذي كان حينها مديرًا لمكتب والده- بالدفع للإطاحة بابن عمه، ليصبح من وقتها أبناء سلطان خارج وزارتهم التاريخية التي تولاها والدهم لقرابة 50 سنة. وبهذا التعيين الجديد، يبدو أن الملك سلمان لم يقطع نهائيًا مع نسل شقيقه الراحل سلطان.

يسعى بن سلمان بتعيين أمراء شباب إلى تعزيز تحالفاته مع أبناء عمومته والترويج لـ"القيادة الشابة" في السعودية

تعديلات وزارية والتحقيق مع وزير

أرجى الملك سلمان جملة من التعديلات الحكومية شملت تعيين وزراء جدد في حقائب الاتصالات والخدمة المدنية والثقافة والإعلام والتي تولاها عواد العواد سفير المملكة في برلين، كما عُيّنت شخصيات من خارج الأسرة الحاكمة كذلك في مناصب نواب وزراء التعليم والتجارة والنقل والبيئة والشؤون البلدية والقروية.

وشملت التعيينات رئاسة الهيئات والمؤسسات العامة للرياضة والثقافة والاستثمار وتحلية المياه والأرصاد، إذ أعفي من الهيئة الأولى عبد الله بن مساعد بن عبد العزيز، ليخلفه محمد بن عبد الملك، وهو عضو المجلس الاقتصادي الذي يرأسه بن سلمان، كما عُيّنت شخصيات من خارج الأسرة الحاكمة كذلك في بقية الهيئات الأربع، ما لا يدع مجالًا للشك بأن تعيين قيادة جديدة لهيئة الاستثمار يأتي ضمن تنفيذ الخطة الاقتصادية التي يقودها بن سلمان، الذي تبدو بصمته دائمًا في القرارات الملكية.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا تراجعت السعودية عن سياستها النفطية

ولعلّ أهم ما ورد في الأوامر الملكية وله علاقة بالتشكيل الحكومي، هو إعفاء وزير الخدمة المدنية خالد العرج، وإحالته للتحقيق في شبهة فساد تتعلّق بتعيين ابنه بطريقة مشبوهة، وهو ما كشفته شكاية تقدّم بها مواطن للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وتعكس هذه الخطوة عن سعي دائم للترويج لالتزام الملك بمكافحة الفساد وفرض الحوكمة الرشيدة، بخاصة في ظلّ أزمة اقتصادية واعتماد سياسات تقشفية، ولكن يظل السؤال: لو كان الوزير من الأمراء، هل كانت ستتمّ إحالته على التحقيق؟

وفي الوقت الذي يُتهم فيه الوزير المعفي بتعيين ابنه براتب 21 ألف ريال، يتمتّع في نفس الوقت الأمراء بامتيازات نقدية وعينية من المال العام، بعيدًا عن أعين الرقابة والتتبع، فيما قد لا يجرؤ المواطنون على تتّبعهم أو حتى التساؤل حول شرعية تمتعهم بهذه الامتيازات، وذلك خشية الزجّ بهم في السّجن، إذ رغم قرار تتبع وزير بتهمة فساد، يصعب جدّا على قيادة المملكة إقناع الرأي العامّ بجديّتها في مكافحة الفساد، إلا إن كانت تحصر ذلك في المسؤولين من غير الأمراء الذين يتمتعون بالحصانة، وبالتالي بالنهاية فالقانون ليس فوق الجميع تمامًا.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

آل سعود.. فروط الحرب على إيران من "تيران"

السعودية.. الدولة في مواجهة الثقافة