حزب الله.. وداعًا لسيارة

حزب الله.. وداعًا لسيارة "الفولفو"

تدفقت المساعدات على حزب الله بعد حرب تموز (Getty)

نظرًا لطبيعته الشعبوية، لا ينتبه كثيرون إلى وظائف حزب الله الطبقية. وإن كان جزء وافر من خصوم الحزب وأعدائهِ أصحاب طبيعة ليبرالية، فلا يتعاملون مع الجوانب الاقتصادية في وظائف الحزب وأدواره بهذا الإطار إلا بوصفها ترفًا يضاف إلى مأزق الأيديولوجيا، فإن ثمة ظواهر في مسيرة الحزب، استوقفت كثيرين، لحدة تناقضها مع صورة الحزب "الطليعي"، أو على الأقل، ما شاع عن صورة الحزب المتقشفة.

بعد حرب تموز 2006 تدفقت المساعدات يمينًا ويسارًا ففاضت طبقة حديثي النعمة على سطح طبقات حزب الله ومجتمعه من "المستضعفين"

لطالما كانت الأضواء خافتة في المؤتمرات الصحفية التي يعقدها مسؤولو حزب الله. ويشمل هذا بالطبع، المؤتمرات التي يعقدها الأمين العام للحزب، السيد حسن نصر الله، قبل حرب تموز 2006. حتى إطلالة الأمين العام، على شاشة عملاقة، هي إطلالة خافتة. في أية حال، لم تكن الشاشة بجميع المناسبات كبيرة على ذلك النحو الذي يجيز تسميتها بالعملاقة. لكن الإعلام اللبناني يحلو له وصفها هكذا، ربما كتعاطف رمزي مع الجالسين لساعات طويلة خلف شاشة، مضطرين إلى رفع رؤوسهم بين الفينة والأخرى، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى ضرورة التصفيق لشاشة، من دون أي شعورٍ بالإهانة، ولا حتى بالملل. لذلك، يستحسن أن تكون الشاشة عملاقة تعويضًا عما ذُكِر، ذلك أن الإضاءة المنبعثة منها، خافتة أيضًا. والحديث هنا عن الإضاءة والديكور على نحوٍ محدد تمامًا.

لا بهرجة في "مجمع سيد الشهداء" بالضاحية الجنوبية لبيروت. لقد صمم المكان بلا تكلف، كما لو أنه مُعدّ لحماية أكبر كمية ممكنة من الأشخاص من جولات المطر. لم يكن مكانًا احتفاليًا في حياته. حتى رفع القبضات، في الأيام العادية، ليس مظهرًا احتفاليًا، بقدر ما هو تكرار روتيني لانفعالات أيديولوجية. وعندما أعيد بناء المجمّع، بعدما دمّره الإسرائيليون خلال الحرب، أعيد كما كان. واللافت، أن القياديين في الحزب، الذين ينوبون عن أمينه العام، منذ وقف إطلاق النار، في الحديث عن مواقف الحزب السياسية، المعلنة منها طبعًا، وفي تمييع الوقت بالحوارات المحلّوية عديمة الفائدة، يظهرون دائمًا، في مكاتب بإضاءة خافتة بدورهم. استوديوهات قناة المنار العصرية بحق، خافتة الإضاءة أيضًا.

لا يحبَ الحزب البهرجة. وصحيح أن مسألة اللباس هي مسألة خاصة، ولكن يلفت الناظر إلى الحاج محمد رعد، أو إلى الحاج عمار الموسوي، وبقية المجموعة، أنهم يرتدون ثيابًا باهتة جميعًا، تقتصر على جاكيت غالبًا بلونٍ داكن، وقمصان بياقات مغلقة تكاد تصل إلى حافة ذقن مرتديها. والذي لا يعرف هذه الشخصيات معرفةً وافية، قد يظن اللباس موحدًا، نوع من "كوستوم"، كذلك الذي تفرضه الشركات الخاصة على موظفيها، وهذا وصف لطيف، تحاشيًا لوصف الحزب بالعسكر، لا سمح الله.

هذه الصورة هي تظهير تاريخيّ لعدة نيغاتيفات، ما انفك الحزب يقدّم نفسه عبرها مرجعًا للفقراء، ومنبعًا للزهد، وإن كان يمثّل فقراء طائفة واحدة، مهمته هي تحويلها إلى مجموعات متطابقة عن بعضها، نسخة طبق الأصل، في الشكلِ وفي المضمون. وجد الحزب نفسه فجأة، في لبنان، وفي مكان منشأه بإيران، وارثًا غير شرعي لإرث ماركسي طويل، بحكم تحولات تاريخية، فتخبط في الموقف الوظيفي من الطبقات. وفي الحقيقة لا موقف إسلامي من الطبقات الاجتماعية، إلا ذلك الذي يرنو إلى الرأسمالية أكثر من اقترابه إلى الاشتراكية.

رغم كل شيء، بدا الحزب امتدادًا صريحًا، في شكلهِ الخارجي على الأقل، للاشتراكية الواقعية السوفييتية، وللاشتراكيات العربية الهزيلة المنبثقة عنها، من دون أن يكون أي من ذلك ماركسيًا على الإطلاق. فإن مختلف المناحي التي تتخذها التفاسير الماركسية لظواهر الأحزاب، تدور حول مسألة الصراع الطبقي بشكلٍ أو بآخر. بحيث لا يمكن اختراع تأويلات خارج هذا الوعي، وتاليًا، فإن السياسة وأحزابها، ما هي إلا تمثيل لمصالح طبقية بالمعنى الوظيفي للكلمة، وتعود نشأتها إلى طبيعة البنية الاقتصادية للمجتمع. ذلك وحسب هو سبب ولادتها وتطورها، ومن هذا السبب تنبثق قدرتها على الاستقطاب في البداية، وفي الوجود لاحقًا. وفي حالة حزب الله، بعد حرب تموز، أصبح تحليل الحزب على المنهج الماركسي فرضيةً أكثر إلحاحًا، خاصةً وأن المصالح الطبقية لا تعني طبقة واحدة بالضرورة، أو أن الحزب يمثل طبقة محددة من الطبقات، إنما يستطيع العمل بين عدة طبقات، وتمثيل هذه المصالح بأسرها.

لم يعد التنكر بالزي السوفيتي الاشتراكي ممكنًا وانكشفت طبيعة حزب الله الرأسمالية

بعد الحرب، وبسبب تدفق المساعدات يمينًا ويسارًا، وبسبب رغبة الحزب نفسه في ضخ الروح بالمجتمع الخارج من ستالينغرادهِ، فاضت طبقة إضافية على سطح طبقات الحزب ومجتمعهِ، وهي طبقة من حديثي النعمة. عُرف هؤلاء بصفةٍ أساسية في المجتمع الأهلي الحاضن للحزب: "جماعة الرانجات". هذا الوصف الثقيل، والدقيق في آنٍ معًا، دفع نصر الله نفسه للاعتراض على ظهور المصالح الطبقية الناشئة. ذلك لأن الأمر تجاوز استعادة الروح، بل مثل انقلابًا على تاريخ الحزب، وسيرته النضالية مع سيارة "الفولفو" الشهيرة، كما هو شائع في بيئته ومحبيه.

كانت تلك هي سيارة عناصر الحزب والمنتمين إليه المفضلة، لأسباب غير مفهومة تمامًا، أو لأنها كانت الأكثر شبهًا بالآلات العسكرية، على ما يقول أحد الحزبيين. منذ نشأته تراود الحزب رغبات عسكرّية لم يستطع مقاومتها، وهذا يفسّر، ربما، إقبال مناصريه الكثيف إلى صرف أموال المساعدات الإيرانية والقطرية والسعودية، وغيرها، على شراء سيارات رباعية الدفع الضخمة، كما لو أنهم يعترفون ببقائهم ضمن منظومة الحزب، وعدم وجود أي رغبةٍ منهم بتغييرها.

كما هي حال الإضاءة، الإكسسوارت كانت جاهزة دائمًا، صور القائد، خطاباته في المسجّل. ولكنها إكسسوارات شكلية اتخذ الحديث عنها سابقًا حيزًا وافرًا، لم يعد موضوعيًا بقدر ما أنه فولكلوري، إذ إن الموضوع الأخطر، يتمثل في أن الإكسسوار الأعمق، هو اختراق للحزب للطبقات الاجتماعية للطائفة التي يدّعي تمثيل مصالحها. الطبقات هي إكسسوار الحزب، بعد فشل صورة "اللباس الواحد"، تجنبًا للوصول إلى نتيجة كتلك التي وصل إليها الألمان في الشق الشرقي من برلين، ذات خريفٍ بشمسٍ ساطعة. بعد حرب تموز، لم يعد التنكر بالزيّ السوفييتي الاشتراكي ممكنًا، لقد انكشفت طبيعة الحزب الرأسمالية إلى حدٍ يصعب إخفاؤه.

أما القول بأن الحزب، يمثل طبقةً من الفقراء والمهمشين، أو المستضعفين باللغةِ الخمينية التي يستخدمها الحزب مستلهمًا شعارات الثورة الإيرانية أواخر السبعينيات، فهو حديث ينطوي على جانبٍ كبيرٍ من الخفة. لم يعد مقبولًا حتى من الناحية السمعية، في ظل وجود طفرة "نوفوريشية" في مدنِ الحزب وحوله، ناهيك عن الطبيعة الرأسمالية التي افتضح أمرها في أكثر من مناسبة. وحزب الله ليس الحزب اللبناني الوحيد الذي تناصره أعداد وافرة من الفقراء، بل جميع أقرانه كذلك، ابتداءً من محاوره وحليفه الأكبر في "التحالف الرباعي"، "تيار المستقبل"، وصولًا إلى أصغر زعيم لبناني، ترك له والده قصرًا وأراضٍ، فشكّل حزبًا، وراقته فكرة تمثيل المصالح الطبقية!

اقرأ/ي أيضًا:

 الشهداء، زوجاتهم، وإخوتهم.. الموروث والذكورية

 العملة الوطنية اللبنانية في الميزان

  متلازمة "الجيب" الفلسطينية