حزب الله والتيار الوطني.. تفاهم على إنهاء التفاهم؟

حزب الله والتيار الوطني.. تفاهم على إنهاء التفاهم؟

التفاهم أصبح صعبًا بين حزب الله والتيار الوطني الحر (تويتر)

لم يعد التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحرّ ممكنًا، على الأقل بذات الدرجة التي كان عليها قبل أعوام. ولا يعني ذلك قطعًا أن الفريقين على خلاف، فالنخب الحاكمة في لبنان استطاعت دائمًا أن تتفق مع بعضها البعض طوال الوقت، وأن تختلف بذات الدرجة، أحيانًا في الوقت نفسه. لكن، تلك اللحظة التي دخل فيها حزب الله كنيسة مار مخايل، على "الحدود" بين الشياح وعين الرمانة، ليجتمع برئيس التيار الذي صار لاحقًا رئيس الجمهورية، كانت لحظة مؤسسة في مستقبل البلاد السياسي، على الأقل للعقد الذي تبع الاتفاق.

لم يعد التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحرّ ممكنًا، على الأقل بذات الدرجة التي كان عليها قبل أعوام

 بيد أن كل شيء يمكن أن يتغيّر في لبنان، ويبدو للمتابعين، أن ثمة تباينات واضحة بين الفريقين، تضعضع التفاهم، من دون أن تكون كافية لسقوطه تمامًا حتى اللحظة.

اقرأ/ي أيضًا: مشهد سياسي لبناني جديد.. الترويج للتعاسة

التباين الأول، في مسألة الحلفاء. وكما هو واضح للجميع، باستثناء بعض العونيين على ما يبدو، فإن حزب الله متمسك بتحالفه مع حركة أمل، التي يشكّل معها ما بات يعرف في الاستخدام الصحافي اللبناني اليومي بـ"الثنائي الشيعي". ليس هناك ما يدل إلى أن حزب الله في وارد التخلي عن حليفه، رغم أن العلاقة بين رئيس الحركة والبرلمان، نبيه بري، وبين الرئيس السابق للحكومة سعد الدين الحريري، ليست أفضل من العلاقة بين بري وجبران باسيل وحسب، بل قد تكون "أعمق" من العلاقة بين حركة أمل وحزب الله نفسه. لكن حسابات الحزب المذهبية مختلفة، ويساعده في ذلك تجذر العلاقة على مستوى القواعد الشعبية. وليس غريبًا أن يكون النائب زياد أسود هو أول من أعلن عن بذور الخلاف مع الحزب، خاصةً وأنه يأتي من منطقة جزين، التي عرفت نزاعًا انتخابيًا بين حركة أمل والعونيين، في "عز" التحالف.

التباين الثاني، الطرح الفيدرالي. وهو بالصيغة التي يقدمه فيها بعض العونيين طرح متخيّل، مما يستدعي رفضًا متخيّلًا أيضًا من الآخرين. هذا الطرح، قدمه النائب ناجي حايك، عبر المحطة المتحدثة باسم التيار. وموقع الحزب، عمومًا، معروف من الفيدرالية. لكن ذلك لا يلغي أن لبنان يخضع لفيدرالية "ممسوخة"، على الأقل من النواحي الديموغرافية والأمنية. وما قد يكون غريبًا بالفعل، هو أن تتعارض مواقف الطرفين مع مصادرهما الأيديولوجية. فالتيار الوطني الحر المتمسك دائمًا بشعار رئيس الجمهورية ميشال عون الرافض لتقسيم البلاد، هو نفسه الذي تخرج منه أصوات مؤيدة لشكل هلامي وغير واضح من الفيدرالية. في المقابل، فإن الحزب المنكفئ دائمًا والمكتفي بأقل قدر من الاختلاط الديموغرافي كلما تمكن من ذلك، ناهيك عن تفرده بقرار "الجماعة الأهلية" التي يهمين عليها من الناحية الأمنية، وباحتكار التمثيل الطائفي والمساومة على الشق الثاني منه، هو الحزب الذي يرفض الفيدرالية. هذه المفارقة، يتبعها تباين آخر كبير.

التباين الثالث، حول النائب جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر نفسه. حسب متابعين، فإن الحزب وبعد التجربة، لا يفكّر بالتخلي عن حلفائه. وهذه سمة من سماته الرئيسية. لكنه ليس متحمسًا لمعركة باسيل المقبلة للرئاسة، ويفضّل الالتزام بأسماء أكثر قبولًا من بقية اللبنانيين. فذلك القبول هو بالضبط ما يهم الحزب، في مقابل قبول الرئيس للحزب وأجنداته. في الجهة المقابلة يرفض باسيل أي تغيير حكومي، يضمن عودة الحريري إلى الحكومة، من دون أن يكون هناك اتفاق يضمن حضوره شخصيًا إلى جانب الحريري، تمهيدًا لخوض معركة الرئاسة المقبلة، بغض النظر عن تصريحه الدبلوماسي بعدم التفكير بالرئاسة حاليًا.

اقرأ/ي أيضًا: مركزية في اللامركزية.. تاريخ لبنان وحاضر الانتفاضة

التباين الرابع، الشرق والغرب. بعد تصريح أمين عام حزب الله الشهير، الذي دعا فيه للتوجه شرقًا، كانت المرة الأولى التي يغرّد فيها باسيل معترضًا على خيارات نصر الله. وبالنسبة لكثيرين، بالغ في النقد، لدرجة الإيحاء بأن هذا القرار لا يمكن أن يكون قرارًا اتخذه نصرالله عن دراية. بالنظر إلى المصادر التاريخية، التي تتشكل منها أيديولوجية الحزب كعدو تلقائي للغرب، ونقيضتها التي تشكّل منهلًا للعونية السياسية، من الأصول الليبرالية المؤسسة للكيانية اللبنانية وصولًا إلى "البشيرية" (نسبة إلى بشير الجميّل)، فإن التفاهم حول هذه الأمور، تقريبًا مستحيل، حتى ولو جلس الطرفان في الكنيسة لسنوات طويلة. لكن من الناحية السياسية، فإن انفتاح باسيل على أمريكا قد لا يعجب حزب الله، تحديدًا في مثل هذه الظروف، أما باسيل ومن خلفه تياره، فلن يكون راضيًا باستفحال العداء مع الغرب إلى الدرجة التي يدعو إليها الحزب.

التباين الخامس هو الموقف من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. على عكس ما يعتقد كثيرون، لا يملك حزب الله برنامجًا اقتصاديًا واضحًا. أما العونيين فهم ليبراليون، بالمعنى اللبناني لليبرالية التي تتيح الوكالات الحصرية والاحتكار. تلك الليبرالية التي مسخت بفعل التحولات السياسية إلى سلة لتوزيع المكاسب الطائفية. وإن كان الحزب في خياراته أقرب إلى النيوليبرالية، فإنه يتمسك بالحكومة الحالية لإدارة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، على عكس رغبة "عونية" مفترضة بوجود حكومة "توافقية" بين جميع الطوائف، شرط أن يكون جبران باسيل فيها مع سعد الحريري، تمهيدًا لتقديم "القرض" كإنجاز وطني، يسهم في وصول باسيل إلى الرئاسة من ضمن سلة متكاملة. وهذا ليس حلًا بالطبع، بل الصورة التي يمكن الافتراض أن الأحزاب، أو النخبة الحاكمة، تفترضها حلا لأنه حلّ لمشاكلها، وليس لمشكلة النظام اللبناني بأسره.