حزب الأحرار يرفض لجنة التقصي بالبرلمان المغربي.. هل يتهرب من المحاسبة قبل الانتخابات؟
1 يوليو 2026
أعاد رفض حزب التجمع الوطني للأحرار الانخراط في مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق بشأن الدعم العمومي الموجّه لاستيراد الأغنام والمواشي فتح النقاش حول حدود المساءلة السياسية في المغرب، في وقت لم يتبقَّ سوى أسابيع قليلة على انتهاء الولاية التشريعية الحالية واقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في أيلول/سبتمبر المقبل.
ويكتسي الملف حساسية خاصة، بالنظر إلى أن الحزب يقود الائتلاف الحكومي، كما يشرف على قطاعين معنيين مباشرة بتدبير هذا البرنامج، هما وزارتا الفلاحة والاقتصاد والمالية. وبينما يعتبر الحزب أن تشكيل اللجنة في هذه المرحلة يفتقد إلى الجدوى المؤسساتية، ترى المعارضة وفاعلون مدنيون أن رفضها يثير شكوكًا بشأن الإرادة السياسية في إخضاع واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل للمساءلة البرلمانية.
رفض متوقع لتقصي الحقائق
يرى الفاعل في مجال محاربة الفساد والرشوة، أحمد البرنوصي، أن رفض حزب التجمع الوطني للأحرار تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في قضية دعم استيراد الماشية "أمر عادي"، بالنظر إلى أن الحزب يرأس الحكومة ويتحمل المسؤولية الأولى عن تدبير هذا الملف.
ويقول البرنوصي لموقع "الترا صوت"، إن لجنة التقصي، إذا تشكلت، "ستفضح الاختلالات التي شابت العملية، والتي لم يكن لها أي أثر على تخفيض الأسعار بالنسبة للمواطنين، بل مكّنت بعض الشركات والأشخاص من الاغتناء غير المشروع عبر القرب من دائرة القرار".
برّر الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب رفضه الانخراط في مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق بكونها جاءت في مرحلة متأخرة من الولاية التشريعية، التي لم يعد يفصلها عن نهايتها سوى أسابيع قليلة
ويضيف الفاعل الحقوقي أن الأمر لا يقتصر على الدعم المباشر لاستيراد الأغنام، بل يشمل أيضًا ما يرتبط به من دعم للأعلاف والإعفاءات الجمركية والضريبية، معتبرًا أن "مجموع هذه الامتيازات بلغ نحو 76 مليار درهم خلال الولاية الحكومية الحالية، وأن نتائج أي تحقيق قد تفضي إلى مساءلة المسؤولين عن العملية والمستفيدين منها سياسيًا، وربما قضائيًا".
كلفة الاستيراد وعدد المستفيدين
تشير المعطيات الرسمية إلى أن الدعم المالي المباشر الموجّه لاستيراد الأغنام خلال سنتي 2023 و2024 بلغ ما يناهز 437 مليون درهم، استفاد منه 156 مستوردًا عبر منحة قدرها 500 درهم عن كل رأس غنم مخصص لعيد الأضحى.
وقد مكّن هذا الدعم من استيراد نحو 875 ألف رأس، منها 386 ألف رأس سنة 2023 بكلفة 193 مليون درهم لفائدة 61 مستوردًا، و489 ألف رأس سنة 2024 بكلفة 244 مليون درهم لفائدة 95 مستوردًا.
كما رافق هذا البرنامج تعليق استيفاء الرسوم الجمركية والضريبية على القيمة المضافة بالنسبة للأغنام والأبقار والإبل، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول الكلفة الإجمالية للإعفاءات الضريبية، ومدى انعكاسها الفعلي على أسعار اللحوم في الأسواق المغربية.
الأحرار يبرر رفض اللجنة
برّر الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب رفضه الانخراط في مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق بكونها جاءت في مرحلة متأخرة من الولاية التشريعية، التي لم يعد يفصلها عن نهايتها سوى أسابيع قليلة.
واعتبر الفريق، في بيان له، أن الآجال الدستورية والإجرائية المتبقية لا تسمح بإحداث اللجنة ومباشرة أشغالها واستكمال مهامها في ظروف تضمن النجاعة والجدوى المؤسساتية.
كما رأى أن ملف دعم قطاع المواشي، رغم ما يثيره من نقاش عمومي، لا يدخل ضمن الحالات الاستثنائية التي جرى العمل البرلماني على إخضاعها للجان تقصي الحقائق، والتي ارتبطت، بحسب البيان، بقضايا ذات طابع استعجالي أو أمني أو وطني خاص.
غير أن هذا الموقف لم يحظَ بإجماع داخل الأغلبية، بعدما أعلن كل من حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال استعدادهما لمواصلة التشاور بشأن المبادرة، الأمر الذي وضع حزب الأحرار في موقع يبدو أكثر عزلة داخل التحالف الحكومي.
موقف يوسع أزمة الثقة
يعتبر أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الأول بسطات، عبد الحفيظ اليونسي، أن إعلان حزب التجمع الوطني للأحرار عدم الانخراط في مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق، وهو الحزب الذي يقود الحكومة، "موقف غير سياسي وغير أخلاقي".
ويرى اليونسي أن ذلك يصب في نهاية المطاف في تعميق أزمة الثقة في المؤسسات، وخاصة مؤسسات الوساطة السياسية، وفي مقدمتها الأحزاب.
ويضيف في حديثه لموقع "الترا صوت"، أن هذا الموقف "يدل على أن الحزب يدافع عن أقلية تنمّي ثرواتها من المال العام، ومن خلال السيطرة على مراكز اتخاذ القرار المختلفة تشريعيًا وتنفيذيًا"، معتبرًا أنه "يعطي غطاءً سياسيًا لفساد محتمل، ويضرب في الصميم أحد الأسس الأربعة التي يقوم عليها النظام الدستوري المغربي، وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة".
ويؤكد أستاذ القانون الدستوري بسطات أن لجنة تقصي الحقائق ليست إدانة مسبقة، وإنما آلية دستورية للبحث في اتهامات محتملة، بالاستناد إلى الصلاحيات التي يكفلها الدستور والقانون التنظيمي والنظام الداخلي لمجلس النواب.
وتابع قائلًا: "إذا كان حزب التجمع الوطني للأحرار، كما يدّعي، غير متورط في هذا الفساد المحتمل، فالأحرى به أن ينخرط في هذه المبادرة، لأن ثبوت براءة وزرائه وقياداته كان سيشكل مكسبًا سياسيًا وانتخابيًا قبل أشهر قليلة من الاستحقاقات المقبلة".