حريق القصر الرئاسي.. الإهمال يطارد ذاكرة السودان

حريق القصر الرئاسي.. الإهمال يطارد ذاكرة السودان

قضت النيران على الطابق الثاني من القصر الجمهوري السوداني (صفحة القصر الجمهوري)

شب حريق مفاجئ يوم أمسٍ السبت، في القصر الرئاسي السوداني، استمر لنحو أربع ساعات، فشلت المحاولات الأولية في السيطرة على نيرانه التي تصاعدت ألسنتها في سماء العاصمة الخرطوم، وقضت تقريبًا على الطابق الثاني والأجنحة المجاورة في بناية أثرية قيّمة يبدو أنها تواجه الإهمال الرسمي. 

شب حريق مفاجئ في القصر الرئاسي السوداني استمر لأربع ساعات، حبس أنفاس السودانيين وأثار حالة من الدهشة والغموض والحزن أيضًا

حريق القصر الذي حبس أنفاس السودانيين، أثار حالة من الدهشة والغموض والحزن أيضًا، كون مبنى عمره أكثر من 100 عام، لا تتوفر فيه وسائل السلامة الكافية، وتفتقر إدارته لحساسية التعامل مع المخاطر المحتملة عمومًا .

اقرأ/ي أيضًا: القطاع العام في السودان.. جثّة هامدة

تماسٌّ كهربائي

من جانبها أصدرت رئاسة الجمهورية تصريحًا أشارت فيه إلى أن تماسًّا كهربائيًا وراء الحريق. وقال الأمين العام للرئاسة، محمد صالح، إن قوات الدفاع المدني تمكنت من السيطرة على حريق وصفه بـ"المحدود". وأضاف أن الحريق شب في الطابق الثاني نتيجة هذا التماس الكهربائي. وقال: "معظم مباني القصر القديم غير مستغلة حاليًا لانتقال إداراتها إلى المباني الجديدة للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية".

القصر القديم الذي تعرض للحريق، وُضع حجر أساسه عام 1830، على طراز المباني الأوروبية. وجُلبت حجارة البناء من آثار مدينة سويا جنوب الخرطوم، بواسطة عمال من قبيلة العنج التي قطنت السودان القديم، وكان أفرادها يتمتعون بالقوة والضخامة الجسدية.

رمزية السُلطة

وبدأ القصر يكتسب زخمًا تاريخيًا في نهايات القرن الـ18، أي مع ميلاد الثورة المهدية. وأصبح يعرف بقصر غردون، وهو حاكم السودان البريطاني الذي قتل على يد أنصار الثورة المهدية.

كما شهد القصر أهم لحظات التحرر الوطني، إذ رُفع فيه علم استقلال السودان في الأول من كانون الثاني/يناير 1956، وأصبح بعيد ذلك رمزًا تاريخيًا، تتربع صورته على الطوابع البريدية والعملات النقدية، بجانب رمزيته السلطوية.

وهو بالأساس مبنى الحاكم في عهود الاستعمار والدولة الوطنية، ويطل على ضفاف النيل الأزرق، لكنه وبالرغم من ذلك لا تفتح أبوابه أمام الجمهور، وهذا غالبًا السبب الذي جعله بعيدُا عن الذاكرة الشعبية، وقِبلة خاصة للنخب السياسية .

قصر البشير

وبعد نحو ثلاثة عقود من حكمه، شرع الرئيس عمر البشير في بناء قصر رئاسي جديد، تدلت منه اللوحات والثريات العملاقة. واكتمل في العام 2015 بجهد صيني، لكنه أثار جدلًا وقتها حول أهمية بناء قصر بمبالغ مالية كبيرة، وسط أوضاع اقتصادية طاحنة، وبمفارقة استدعت إلى ذاكرة السودانيين تلك العبارة الشهيرة: "بئرٌ معطلة وقصر مشيد".

فيما بدا حفل افتتاح القصر الجديد الذي اشتهر بـ"قصر البشير"، كما لو أنه قصد به تجاوز التاريخ والبداية من مكان آخر، أراد الحزب الحاكم التمتع فيه بالسُلطة، وشراكاته الصغيرة مع القوى السياسية، أو بالأحرى شراكاته الكبيرة بالاستعانة بالصين، التي جعلت القصر الجديد أشبه بالكرملين، ربما ليطغى على المبنى الأول بسمته البريطاني، وهنا تبدو إشارة سياسية يصعب إغفالها.

وكشفت الدعاية الرسمية أن المبنى القديم المحترق حاليًا، لم يعد يستوعب كم النشاط التنفيذي الهائل، ومع ذلك لم يتحول إلى متحفًا أثريًا مفتوحًا للزوار، وبدا جليًا أن القصر القديم لم يفرغ من محتوياته وكثير من المهام الرئاسية، وإنما اقتسم مع  الجديد أرتال الدستوريين، دون أن يحصل على وسام الخدمة الطويلة الممتازة.

يُشار أيضًا إلى أن الحاجة الخفية لبناء القصر الجديد، وبخلاف الأسباب المعلنة، تمثلت في تناسل مجاميع الدستورين بموجب الشراكات الحزبية، واتساع أعداد المسؤولين في رئاسة الجمهورية، وهي للمفارقة ما حاول أن يحجمها التشكيل الوزاري الأخير، لكنه نفخ فيها لتتشظى بشراهة لا معقولة، حيث ارتفع عدد المستشارين للرئيس في الحكومة الأخيرة إلى سبعة مسشارين بدلًا من أربعة.

رمزية الحريق

تفاعل السودانيون مع حريق القصر بدا لافتًا بين الشماتة والحزن، إذ يرى فريق من الناس أن القصر رمزية لسُلطة البشير وأن احتراقه احتراقًا معنويًا، على الأقل، لهذه الرمزية. لكن فريق آخر ينظر له بمثابة بناية أثرية، تتجلى فيها عهود السودان، وكل ما يصيبها يهدد الذاكرة التاريخية.

فيما تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لشباب على شاطئ النيل الأزرق وهم منهمكون في لحظات رومانسية، دون أن يعني لهم حريق القصر شيئًا، فكتب الروائي عمر فضل الله، إن "حريق القصر يبدو في البعيد، والشعب أصبح لا يهتم"، مشيرًا إلى أنهم "ينظرون إلى النيل، آخر ما تبقى لهم من رموز النبل في البلاد، لعله يأتيهم بخبر جديد أو يحدثهم عن أمل قادم غدًا بعدما  فقدوا الأمل في حاضرهم الغائم الذي لا ينزل غيثًا ولا ينشر ظلًا"، على حد وصفه.

رسالة ناقدة دفع بها الكاتب الصحفي محمد حامد جمعة إلى المنوط به حماية القصر من الكوارث بكل رمزيته، قائلًا: "عيب وفضيحة، حتى بفرض أن الجزء المحترق خالٍ كان لا بد من اتخاذ احتياطات أمان مناسبة، بما في ذلك مواصفات شبكة التوصيلات وتعليمات السلامة المستديمة واحتياطات أعمال الاطفاء التلقائي أو الفنية بسيارة إطفاء جاهزة بقوة تحت الاستعداد".

ولفت الصحفي السوداني في تدوينته على فيسبوك إلى أن "الموقع جزء أصيل من القصر القديم، وغير بعيد عن مكاتب بعض المساعدين، وفي مرمى بصر وشم القصر الجديد الذي من حظ شاغليه أنه يوم الحريق لم يكن يشهد انعقاد مباحثات أو زائر كبير، فكان سيحدث الأمر حرجًا لا يرد".

 يزيد عمر القصر الرئاسي المحروق عن 100 عام، وله رمزية تاريخية كشاهد على العصور التي مر بها السودان الحديث

وقال إن "اعتبار حادث بهذا الحجم قضاء وقدر لتفلت سلك عريان، أو أي كان؛ يفترض به أن يحيل كل المديرين لذلك الجزء إلى بيوتهم حتى يتعلم من يأت خلفهم أن النار إذا شبت بدارك عليك أن تعرف كيف تتصرف".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

إرث النبي موسى والخضر وأصحاب الكهف.. السودان مختلف على تاريخه

انتفاضة السودان تصعد.. الاحتجاج ممارسة شاملة