حرية التعبير في مصر.. خطوات نحو تشريع الانتهاكات وتقنين القمع!

حرية التعبير في مصر.. خطوات نحو تشريع الانتهاكات وتقنين القمع!

تعرف مصر تدهورًا غير مسبوق في حرية التعبير (خالد ديسوقي/ أ.ف.ب)

أصدرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير -وهي منظمة حقوقية مصرية مستقلة- تقريرها الربع سنوي الثاني لحالة حرية التعبير في مصر، والذي يرصد الفترة ما بين الأول من نيسان/أبريل وحتى 25 حزيران/يونيو من العام الجاري. ويستعرض التقرير رصدًا موضوعيًا للانتهاكات التي حدثت خلال هذا الربع من عام 2017، في الملفات السبع التي تعمل عليها المؤسسة، وهي: حرية الصحافة والإعلام والحقوق الرقمية وحرية تداول المعلومات وحرية الإبداع والحقوق والحريات الطلابية والحرية الأكاديمية والحق في الخصوصية.

شهد عام 2016 أكبر الانتهاكات ضد الصحفيين المصريين، متمثلًا في اقتحام قوات الأمن لنقابة الصحفيين للمرة الأولى في تاريخها

وتناول التقرير أيضًا تقييمًا عامًا لسياسات الدولة المصرية تجاه ملفات حرية الفكر والتعبير، وكذا المساعي التشريعية لإقرار قوانين لها "مواقف شديدة العداء تجاه حرية التعبير"، بتعبير التقرير، إضافةً إلى التدخلات الأمنية الرقابية الصارخة على كافة وسائل التعبير، بداية من وسائل الإعلام والصحافة التقليدية، مرورًا بالمواقع الإلكترونية وحتى مواقع التواصل الاجتماعي. وأخيرًا أشار التقرير إلى عدد من الحالات التي قدمت لها المؤسسة الدعم القانوني أمام الهيئات القضائية.

هيئات جديدة لمراقبة الأخلاق والآداب العامة

أشار التقرير سريعًا إلى العام الماضي الذي شهد أكبر الانتهاكات ضد الصحفيين المصريين متمثلًا في اقتحام قوات الأمن لنقابة الصحفيين للمرة الأولى في تاريخها، على خلفية الاحتجاجات على اتفاقية تيران وصنافير. ومنذ ذلك الحين، تصاعد قمع السلطة وممارساتها السلطوية على المشهد الإعلامي والصحفي في مصر، وظهر ذلك جليًا في مصادرة أعداد من الصحف، والضغوط الأمنية على بعض القنوات لوقف عرض بعض البرامج التي تحمل ما بين الحين والآخر نبرة معارضة للنظام، فضلًا عن اعتقال عدد من الصحفيين.

اقرأ/ي أيضًا: طريق الإعلام في مصر.. "آخره لحن حزين"

ويمكن تصنيف الانتهاكات التي مورست ضد حرية الصحافة والإعلام في الربع الثاني من 2017، على أنها انتهاكات تشريعية أكثر منها انتهاكات فردية ضد الصحفيين والإعلاميين، إذ تسعى السلطات المصرية إلى شرعنة القيود وفرض الرقابة عن طريق حزمة من القرارات التي أصدرها عبدالفتاح السيسي، ونُشرت في الصحيفة الرسمية بتاريخ 11 نيسان/أبريل 2017، بحيث نظّم القرار رقم 158 لسنة 2017 تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهو مجلس مختص بإدارة شؤون الإعلام الرسمي والخاص.

ويتكون هذا المجلس من 12 عضوًا بالتعيين المباشر من رئيس الجمهورية، ويرأسهم الصحفي مكرم محمد أحمد، نقيب الصحفيين الأسبق، والمعروف بولائه سواءً للنظام الحالي أو النظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، وعداواته مع فئة كبيرة من الصحفيين، سواءً مستقلين أو أعضاء في النقابة، وقد سبق أن طُرد من النقابة في حادثة سابقة، بعد مشادات مع محتجين داخل النقابة.

هذا وجاء القرار التالي رقم 159 لسنة 2017، بتشكيل الهيئة الوطنية للصحافة، وهي هيئة مختصة بإدارة الصحافة المملوكة للدولة، ويرأسها الصحفي كرم جبر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة روزاليوسف السابق، والذي يتردد توجيهه وكتاباته من قبل جهات سيادية داخل الدولية. يُضاف إلى ذلك القرار رقم 160 لسنة 2017، بتشكيل مجلس إدارة الهيئة الوطنية للإعلام، لإدارة الإعلام المملوك للدولة.

وبعد يومين فقط من حزمة القرارات السابقة، بدأ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في ممارساته المُقيّدة لحرية الصحافة والإعلام، كفرض غرامات مالية على القنوات الفضائية التي تعرض أعمالًا يرى المجلس أنها تحمل ألفاظًا "بذيئة"، وكذا وقف استطلاعات الرأي حول نسب المشاهدة والانتشار للبرامج، بدعوى أنها لا تعتمد على معايير موضوعية، وأنها تصب في مصلحة بعض الأعمال على حساب الأخرى.

وكان لنقابة الإعلاميين (تحت التأسيس) نصيبًا من تلك الانتهاكات أيضًا، وصلت حد تأييد حجب بعض المواقع الصحفية، ومهاجمة الأعمال الدرامية الرمضانية التي ترى النقابة أنها "تحض على العنف والكراهية" أو "تتنافى مع القيم والأخلاق والأعراف الاجتماعية"، دون أن تضع النقابة تعريفًا واضحًا أو معايير محددة تحكم ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي، لكنها نصّبت نفسها حارسًا جديدًا للفضيلة والأخلاق، وهو ما يهدد بمنع العديد من الأعمال الإبداعية في المستقبل، بناءً على معايير "الفضيلة" غير محددة الملامح.

وإجمالًا، فقد تضمن الربع السنوي الثاني من العام الجاري، 108 انتهاكًا ضد حرية الصحافة والإعلام في مصر، بينها 10 انتهاكات فردية ضد صحفيين، وانتهاكين ضد إعلاميين، وثلاث انتهاكات ضد قنوات تلفزيونية، وثلاث انتهاكات ضد صحف، و75 انتهاكًا ضد مواقع إلكترونية صحفية، وفقًا لما رصدته مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

الحقوق الرقمية.. "مجزرة المواقع" خير شاهد ودليل

رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تقريرها، 56 حالة انتهاك لأشخاص على خلفية استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، بينها حالة واحدة تعرضت للتحقيق الإداري و55 حالة تعرضوا للملاحقة الأمنية بسبب نشاطهم الرقمي. وتعتبر شبكات التواصل الاجتماعي هي المنفذ الأخير لحرية التعبير الرقمي في مصر، بعد أن قامت السلطات بحجب عدد كبير من المواقع أغلبها مواقع صحفية معارضة.

بلغت عدد المواقع المحجوبة في مصر 124 موقعًا، وإلى الآن لم توضح السلطات المختصة الدوافع الرسمية وراء الحجب

ووفقًا لما رصدته المؤسسة، فقد ارتفعت أعداد المواقع المحجوبة في مصر إلى 124 موقعًا، دون أي توضيح رسمي من السلطات المختصة عن أسباب الحجب.

اقرأ/ي أيضًا: حجب المواقع في مصر.. البروكسي في مواجهة النظام

ولم تنجُ الحريات الرقمية من التشريعات التي تسعى لتقييدها، فمشاريع قوانين الجرائم الإلكترونية التي نُشرت بالجرائد، لا تسعى لمكافحة الجريمة الإلكترونية بقدر ما تسعى للسيطرة على مستخدمي الشبكة العنكبوتية، وتقييد حرياتهم وفرض الرقابة عليهم عن طريق العقوبات الصارمة، التي تصل لسلب الحرية على ممارسات اعتيادية، يمارسها أغلب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي، فصنّفت الجرائم تحت مصطلحات فضفاضة المعنى مثل "الإخلال بالنظام العام"، و"الإضرار بالوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي"، و"تعريض سلامة المجتمع للخطر"، و"ازدراء الأديان السماوية"، وجميعها مصطلحات يمكن تطويعها بالشكل الذي تريده السلطة.

منع المعلومة حمايةً للأمن القومي!

أشار التقرير إلى أنّ السلطات المصرية تمنع وصول المعلومات إلى المواطنين تحت ذريعة حماية الأمن القومي، وعليه يُصبح الحجب هو الأصل، وتداول المعلومة استثناءً. أمّا على الجانب التشريعي فلم يُصدر البرلمان المصري حتى الآن تشريعًا يضمن الحق في تداول المعلومات كما نص الدستور المصري، إضافةً إلى أن القرارات الحكومية يُفاجَأ بها المواطن المصري دون أن تُترك له أو للمؤسسات المدنية حق الاطلاع عليها ونقدها والمفاضلة بين الخيارات المتاحة. 

نفس الأمر مع جلسات البرلمان الممنوع بثها بشكل مباشر، وتجاهُل المجلس إعلان أجندته التشريعية للشعب المصري. وتمثل تلك الممارسات قيودًا للجهات الرقابية في ممارسة عملها على المؤسسات والهيئات الحكومية.

ومن هذه النقاط التي ذكرها التقرير، يمكن الإشارة إلى قضيتين هامتين تعامل معهما النظام بالمنطق نفسه، القضية الأولى هي محاولة هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، كشف الفساد المؤسسي الذي يصل إلى 600 مليار جنيه سنويًا حسب تصريحاته التي أقاله السيسي من مركزه بسببها، ووجهت إليه اتهامات ترويج الإشاعات وتكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بمصلحة الدولة. أما القضية الأخرى فهي قضية جزيرتي تيران وصنافير، والتي تعامل النظام معها بنفس مبدأ منع حق تداول المعلومة، الأمر الذي جعل السيسي يقول على الهواء: "أرجو إن الموضوع ده ما نتكلمش فيه تاني"!

الأخلاق كمعيار للعمل الإبداعي

رصد تقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 15 حالة انتهاك لحرية الإبداع لأسباب دينية، و12 حالة انتهاك لأسباب متعلقة بالأخلاق والآداب العامة، وثماني حالات أخرى بسبب عدم الحصول على تصريح، كما رصد 24 قرارًا قضائيًا ضد مبدعين، ومنع أو مصادرة 11 عملًا إبداعيًا، والحذف أوالتعديل في 11 عملًا آخر.

وفي هذا الصدد، نبّه التقرير إلى التناقض بين المادة 67 من الدستور المصري التي يفترض أنها تحمي حرية الإبداع، وبين القوانين المقيّدة لتلك الحرية، مثل قانون التظاهر الذي لا يفرّق بين التظاهرات والحفلات الفنية في الأماكن العامة، وقانون المصنفات الفنية الذي أجبر مرور الأعمال الفنية على لجنة رقابية قبل طرحها في الأسواق، وقانون العقوبات الذي ينص على معاقبة المبدعين إذا "خدشوا الحياء العام"، ولا يعرف أحد ما هو تحديدًا هذا الحياء العام.

وعلى ذكر تلك القوانين السابقة، كان الروائي الشاب أحمد ناجي، قد تعرض للسجن بتهمة "خدش الحياء العام"، بسبب روايته "استخدام الحياة" التي استخدم فيها ألفاظًا صريحة ودارجة في الشارع المصري. كذلك مُنعت في مصر فعاليات "الفن ميدان"، وهو إحدى الفعاليات الثقافية والفنية التي كان يُقدمها فنانون مستقلون لجمهور الشارع، في ميدان عابدين بوسط القاهرة.

واستمرت التضييقات الأمنية تتصاعد، وصولًا إلى الأعمال الدرامية التلفزيونية، إذ تسبب مشهد في إحدى المسلسات، ظهرت في خلفيته جدارية "السيسي خائن" إلى حذف الحلقة كاملة من على الإنترنت، قبل إعادة مونتاجها لحذف الجدارية التي صُوّرت من الشارع دون قصد. ومُؤخرًا، منعت الرقابة طرح ألبوم غنائي لفرقة "كايروكي"، اعتراضًا على أربع أغنيات تحت دعوى "احتوائها عبارات ثورية محرضة". 

لا سياسة داخل جدران الجامعة

تشهد الجامعات المصرية ركودًا في الأنشطة والفعاليات الجامعية منذ عام 2013، الذي عرف آخر اتحاد طلابي في الجامعات المصرية. ومؤخرًا برزت مشاكل اللائحة الطلابية المقترحة، بما تتضمنه من قيود على ممارسة العمل السياسي داخل الجامعة، والتعنت ضد الطلاب الفاعلين في المجال السياسي. وقد وصف طلاب اللائحة المقترحة بأنها عودة إلى زمن "لوائح أمن الدولة"، في إطار السياق العام لمحاولات النظام السيطرة على كل شيء.

تكشف اللائحة الطلابية الجديدة عن عودة جهاز أمن الدولة للعمل داخل الجامعات بصورته سيئة السمعة

وقال تقرير "حرية الفكر والتعبير"، إن النسخة المسربة من اللائحة الطلابية الجديدة، حافظت على قيود الترشح لاتحاد الطلاب، بنصّها على "ألا يكون المرشح منتميًا إلى أي تنظيم أو جماعة إرهابية يجرّمها القانون، وألا يكون قد وقع عليه أي جزاءات تأديبية أو جنائية طوال فترة دراسته بالجامعة، ما لم يُرد اعتباره"، وبهذه النص يُصبح محظورًا الترشح لاتحاد الطلاب، على العديد من الطلاب الناشطين سياسيًا من ذي قبل، والذين وقعت ضدهم جزاءات تأديبية خلال السنوات الماضية بسبب نشاطهم السياسي على غير هوى النظام.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. السلطة تواصل مصادرة المجال العام 

وبعدم تحديد اللائحة لكيفية تقرير الجامعة لانتماء أحد الطلاب إلى ما أسمته بـ"الجماعات الإرهابية" من عدمه، يُصبح واضحًا أنّ ذلك سيعتمد على تقارير جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقًا)، وهو ما يُؤكد عودة الجهاز للعمل بصورته سيئة السمعة.

انتهاك خصوصيات المواطنين

ليس جديدًا على السلطات المصرية انتهاك خصوصيات المواطنين، وحياتهم السرية، إذ شهدت السنوات السابقة عددًا من البرامج التلفزيونية المعتمدة على بث تسريبات ومكالمات شخصية لعدد من الرموز السياسية بغرض تشوييهم، هذا فضلًا عن التجسس الإلكتروني على الهواتف النقالة وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي هذا السياق، يُشار إلى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في حزيران/يونيو الماضي، يكشف سعي أجهزة أمنية مصري للحصول على بيانات مستخدمي شركات النقل الخاصة (أوبر وكريم)، والولوج إلى البرامج الداخلية في هذه الشركات، التي توفر بيانات حية لتحركات العملاء، وذلك بالطبع تحت دعاوى الأمن القومي!

 

اقرأ/ي أيضًا:

ضغوط أمنية على أوبر وكريم في مصر.. إما بيانات العملاء وإما الحظر

مصر والإمارات وغيرهما.. أنظمة عربية تحاصر الإنترنت بأنظمة تجسس أجنبية