حرية الإنترنت تتراجع عالميًا للعام الخامس عشر على التوالي
16 نوفمبر 2025
صدر تقرير "حرية الإنترنت" السنوي عن منظمة "فريدوم هاوس"، حاملاً معه تحذيرًا صارخًا: الإنترنت بات أكثر تحكمًا وتلاعبًا من أي وقت مضى.
وللعام الخامس عشر على التوالي، يسجل العالم تراجعًا في مؤشرات حرية الإنترنت، في مشهد يعكس أزمة متفاقمة في الفضاء الرقمي العالمي.
التقرير الذي يغطي الفترة من حزيران/يونيو 2024 إلى أيار/مايو 2025، لا يقتصر في رصده على الدول السلطوية المعروفة بممارساتها القمعية، بل يكشف عن تدهور مقلق في عدد من الديمقراطيات الراسخة، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الحريات الرقمية حتى في أكثر الأنظمة انفتاحًا.
الديمقراطيات ليست بمنأى عن التراجع
من بين 18 دولة مصنفة على أنها "حرة" في استخدام الإنترنت، شهدت نصفها تراجعًا في درجات الحرية الرقمية، بينما تحسنت أو حافظت على مستواها دولتان فقط. جورجيا كانت المثال الأبرز على هذا التراجع، حيث أقدمت الحكومة في آب/أغسطس 2024 على فرض إجراءات وصفت بأنها "قمعية"، استهدفت المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة، مما أدى إلى انخفاض حاد في تصنيف البلاد.
للعام الخامس عشر على التوالي، يسجل العالم تراجعًا في مؤشرات حرية الإنترنت، في مشهد يعكس أزمة متفاقمة في الفضاء الرقمي العالمي
أما ألمانيا، فقد فاجأت المراقبين بانحدارها في التصنيف، بعد أن شرعت الحكومة الجديدة منذ شباط/فبراير في ملاحقة قانونية لأفراد نشروا محتوى ساخرًا (ميمز) عن سياسيين، مستندة إلى قوانين مكافحة الإهانة وخطاب الكراهية. هذا التوجه أدى إلى ارتفاع ملحوظ في مستويات الرقابة الذاتية بين المستخدمين، في بلد طالما اعتُبر نموذجًا للحريات الرقمية.
الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن هذا المسار، إذ سجلت ثالث أكبر تراجع بين الدول المصنفة "حرة". ورغم أن التعديل الأول للدستور الأميركي لا يزال يوفر حماية قوية للتعبير الرقمي، إلا أن التضييق على الفضاء المدني بات يهدد النشاط الرقمي. وقد وثّق التقرير حالات احتجاز لأجانب بعد إلغاء تأشيراتهم بسبب تعبيرهم السلمي عبر الإنترنت، ما يعكس تغيرًا في السياسات تجاه حرية التعبير الرقمية.
سابقة خطيرة في القارة الإفريقية
في حزيران/يونيو الماضي، شهدت كينيا حدثًا غير مسبوق في تاريخها الرقمي، حين أقدمت الحكومة على إغلاق الإنترنت بالكامل خلال حملة قمع عنيفة ضد احتجاجات شعبية. هذا الإجراء، الذي يُعد الأول من نوعه في البلاد، كان مؤشرًا على مدى هشاشة الحريات الرقمية حتى في الدول التي تُصنّف ديمقراطية.
في الطرف الآخر من التصنيف، لا تزال الصين وميانمار تتصدران قائمة الدول الأكثر قمعًا للإنترنت. فإلى جانب الرقابة الصارمة، تواصل هذه الدول تطوير تقنيات جديدة للتحكم بالمعلومات، وتصدير نماذجها إلى دول أخرى. الصين، على سبيل المثال، تساعد باكستان في بناء نظام رقابة مشابه لـ"جدار الحماية العظيم"، بينما تعمل دول مثل إثيوبيا وكازاخستان وكمبوديا وبيلاروسيا على إنشاء بنى تحتية رقمية مشابهة، ما ينذر بانتشار نماذج القمع الرقمي عبر الحدود.
هذا التعاون التقني بين الأنظمة السلطوية لا يقتصر على بناء الجدران الرقمية، بل يمتد إلى حملات منسقة لحجب أدوات التحايل مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، التي باتت ملاذًا للمواطنين الساعين لحماية خصوصيتهم والوصول إلى المعلومات بحرية.
وسط هذا المشهد القاتم، تظل آيسلندا في صدارة الدول الأكثر حرية في استخدام الإنترنت، تليها إستونيا، ما يعكس إمكانية الحفاظ على فضاء رقمي مفتوح وآمن في ظل سياسات شفافة وحماية قانونية قوية.