"حروق الشمس" تقود العلماء إلى ثورة جديدة في تخزين الطاقة
20 مايو 2026
بدأت قصة علمية غريبة في مختبرات الكيمياء بولاية كاليفورنيا الأميركية، وذلك من ملاحظة يومية بسيطة: حروق الشمس. لكن تلك الملاحظة قادت باحثين إلى تطوير نظام جديد قد يغير مستقبل تخزين الطاقة الحرارية في العالم، وربما يفتح الباب أمام بديل نظيف للوقود الأحفوري.
وبحسب تقرير لشبكة "بي بي سي" البريطانية، فإن الباحثة غريس هان، أستاذة الكيمياء في جامعة كاليفورنيا، لاحظت بعد انتقالها من بوسطن إلى جنوب كاليفورنيا أن بشرتها تتأثر سريعًا بأشعة الشمس القوية. وبينما كانت تقرأ أبحاثًا عن التفاعلات الكيميائية الضوئية للحمض النووي، أدركت أن الجزيئات التي تتشوه داخل الجلد نتيجة الأشعة فوق البنفسجية قد تحمل سرًا علميًا مهمًا، ويتمثل بالقدرة على تخزين الطاقة.
جزيئات تتصرف كمصيدة طاقة
تعتمد الفكرة على جزيئات قادرة على تغيير شكلها عند تعرضها للضوء، ما يسمح لها بتخزين الطاقة داخل بنيتها الكيميائية. وعندما تُحفَّز لاحقًا للعودة إلى شكلها الأصلي، فإنها تطلق تلك الطاقة على هيئة حرارة. ويشبه العلماء هذه العملية بإعداد "مصيدة فئران" تُخزن الطاقة الميكانيكية حتى لحظة تشغيلها.
قد يحمل هذا المجال مستقبلًا مختلفًا للطاقة، مستقبلًا قد تبدأ شرارته من شيء بسيط للغاية.. مثل حروق الشمس
هذا النوع من التقنيات يُعرف باسم "تخزين الطاقة الحرارية الشمسية الجزيئية" أو أنظمة "Most"، وهو مجال بحثي يحاول منذ عقود إيجاد وسيلة رخيصة وخالية من الانبعاثات لتخزين الحرارة لفترات طويلة، قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات. لكن المشكلة الكبرى كانت دائمًا في كفاءة الجزيئات المستخدمة وقدرتها على تخزين كميات كبيرة من الطاقة دون أن تتحلل أو تفقد استقرارها.
الطبيعة تقدم الحل
ما جذب انتباه هان هو أن الكائنات الحية طورت بالفعل آليات طبيعية للتعامل مع الجزيئات المشوهة بفعل الشمس. فبعض النباتات والحيوانات تستخدم إنزيمًا يُعرف باسم "فوتولياز" لإصلاح الضرر الناتج عن الأشعة فوق البنفسجية. ومن هنا جاءت الفكرة: إذا كانت الطبيعة نجحت في تطوير جزيئات قادرة على التحول والتخزين ثم العودة لحالتها الطبيعية، فلماذا لا تُستخدم هذه الخاصية لتخزين الطاقة؟
وتقول هان إن هذه الجزيئات "صغيرة للغاية لكنها قادرة على تخزين كمية ضخمة من الطاقة مقارنة بكتلتها"، وهو ما جعلها مرشحة مثالية لتطوير نظام جديد أكثر كفاءة.
نتائج فاقت بطاريات الليثيوم
في دراسة نُشرت في مجلة "ساينس" العلمية خلال شباط/فبراير الماضي، أعلن فريق الباحثين تطوير واحد من أقوى أنظمة "Most" حتى الآن من حيث كثافة الطاقة. وسجل النظام قدرة تخزين بلغت 1.65 ميغاجول لكل كيلوغرام، وهي كثافة طاقة تفوق بطاريات الليثيوم-أيون المستخدمة حاليًا في الهواتف والسيارات الكهربائية.
ولإثبات فعالية النظام، تمكن الباحثون من استخدام الطاقة المخزنة لغلي كمية صغيرة من الماء بسرعة داخل قارورة مخبرية صغيرة، في تجربة وصفتها هان بأنها "مذهلة" عندما شاهدت سرعة غليان المحلول بالكامل. كما لعبت النماذج الحاسوبية التي طورها فريق الباحثين دورًا حاسمًا في توقع أداء الجزيئات قبل اختبارها عمليًا.
عقبات أمام التقنية الجديدة
ورغم النتائج اللافتة، لا تزال التقنية تواجه تحديات كبيرة قبل أن تتحول إلى منتج قابل للاستخدام الواسع. إحدى أبرز المشكلات أن الجزيئات المستخدمة تحتاج إلى أشعة فوق بنفسجية قوية بطول موجي يبلغ 300 نانومتر لتغيير شكلها، وهي أشعة لا تصل من الشمس إلى سطح الأرض إلا بكميات محدودة. كذلك استخدم الباحثون حمض الهيدروكلوريك لتحفيز إطلاق الطاقة المخزنة، وهي مادة شديدة التآكل يصعب الاعتماد عليها في تطبيقات تجارية مستقبلية.
ويرى الباحث جون غريفين من جامعة لانستر أن هذه العقبات تجعل التقنية ما تزال في مرحلة البحث الأساسي، رغم أن نتائجها "مثيرة جدًا علميًا". أما الباحث هاري هوستر من جامعة إيسن فيشير إلى مشكلة إضافية تتعلق بضرورة توزيع الجزيئات بطبقات رقيقة جدًا حتى تتمكن أشعة الضوء من اختراقها، إضافة إلى تعقيدات نقل السوائل داخل النظام وما يرافقها من تكاليف ومخاطر أعطال.
هل تصبح النوافذ مصدرًا للحرارة؟
ورغم هذه التحديات، يعمل الباحثون على تطوير نسخ صلبة من التقنية يمكن استخدامها في المستقبل كطلاءات شفافة للنوافذ. الفكرة تقوم على تخزين الطاقة الشمسية داخل طبقات شفافة ثم إطلاقها لاحقًا لتدفئة الغرف أو منع تكاثف البخار على الزجاج، ما قد يحول المباني نفسها إلى أنظمة ذكية لتخزين الحرارة. كما قد تُستخدم هذه التكنولوجيا في تدفئة مكونات حساسة داخل الأقمار الصناعية والطائرات، حيث يصعب الاعتماد على حلول التدفئة التقليدية.
سباق عالمي للتخلص من الوقود الأحفوري
تأتي هذه الأبحاث في وقت يسعى فيه العالم إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خصوصًا في قطاع التدفئة الذي لا يزال من أكثر القطاعات إنتاجًا للانبعاثات الكربونية.
ويؤكد الباحث كاسبر موث بولسن من جامعة برشلونة أن تقنية "Most" تختلف جذريًا عن الوقود التقليدي لأنها "تعمل دون حرق أي شيء".
كما يلفت إلى أن هذه الأنظمة قد توفر ميزة استراتيجية مهمة، إذ يمكن استخدامها في أي مكان بالعالم دون الحاجة إلى الاعتماد على مناطق إنتاج النفط والغاز، وهو ما يخفف من تأثير الأزمات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة، مثل الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز.
ورغم الاهتمام المتزايد بهذه التقنية، فإن مجتمع الباحثين العاملين عليها لا يزال محدودًا للغاية. ويكشف جون غريفين أن مؤتمرًا متخصصًا في تقنيات "Most" عقد العام الماضي لم يضم سوى نحو 70 باحثًا فقط، مضيفًا: "كان ذلك تقريبًا كل المجتمع العلمي العامل على هذه التكنولوجيا في العالم". لكن بالنسبة للعلماء، فإن هذا المجال الناشئ قد يحمل مستقبلًا مختلفًا للطاقة، مستقبلًا قد تبدأ شرارته من شيء بسيط للغاية.. مثل حروق الشمس.