حركة ياسر رزق

حركة ياسر رزق

السيسي في كاريكاتير لـ خالد البيه/ السودان

عندما ألقى الفريق أول عبد الفتاح السيسي بيان الثالث من يوليو عام 2013، اعتبره البعض انقلابًا عسكريًا على ديمقراطية وليدة، واعتبره آخرون تدخلًا محمودًا من المؤسسة العسكرية لتصحيح المسار والتصدي للانقسام الذي كان يهدد الدولة المصرية، لكن أحدًا مؤيدًا أو معارضًا لم يكن يتوقع أن يأتي يوم تُختزل فيه الدولة المصرية العريقة في هذا اليوم، فهو المرجعية الوحيدة للحكم الحالي، ويتم تطويع الدستور والتلاعب بالمؤسسات لجعله المرجعية الوحيدة لأي نظام حكم قائم، ثم وصلنا إلى الرغبة في جعله مرجعية الشعب أيضًا ولو رُغما عنه.

يقول السيد ياسر رزق إن تدشين حركة 3 يوليو يعوضنا عن تصحر الحياة العامة وتحجر السياسة

وبدلًا من أن يكون الهدف الأول للتدخل وفق إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة نفسه هو حماية المجتمع من الانقسام الحاد، وصلنا إلى يوم يقترح فيه كاتب صحفي قريب من السلطة مشروعًا لتكريس الانقسام الشعبي وتحويل مصر إلى فسطاطين عبر خطة معلنة وخطوات ممنهجة، بعد أن مهدت ممارسات السنوات الماضية الأرض لذلك فعلًا.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. أبرز فضائح إعلام السيسي

"المهم في هذا الاقتراح، أو لعله الأهم في إنشاء حركة 3 يوليو، هو إكساب الدولة القدرة على الحشد عن طريق ربط المجموعات النوعية والأذرع والمكونات الإقليمية وعلى المستوى القومي بشبكة اتصال عن طريق الفضاء الإلكتروني والتواصل الاجتماعي وتطبيقات التيلفون المحمول، وتنظيم حركة مجموعات الشباب للتوعية العامة أو التعبئة ضد أي مخاطر على الأرض إن لزم الأمر".

هكذا كتب ياسر رزق في مقاله الكاشف "حركة 3 يوليو"، هذا مشروع فوضى، مشروع تقسيم طائفي عبر خلق طائفة ولاؤها لـ3 يوليو وليس للوطن، يتم الإعلان تصريحًا لا تلميحًا أن المنتمين لهذا الكيان الوليد سيتم استدعاؤهم وحشدهم عبر التطبيقات والفضاء الإلكتروني لتعبئتهم إلى الشوارع لمواجهة أي مخاطر، وكأن مؤسسات الدولة الأمنية كالقوات المسلحة والشرطة لا تكفي لفعل ذلك فيجب استدعاء الظهير الشعبي لـ3 يوليو لمواجهة الأخطار التي قد تواجهه، أو ربما لتواجه مؤسسات الدولة نفسها!

سيناريو مخيف، يزيد قبحه فرضُه على تلاميذ الابتدائي ومراحل التعليم الأولى ليشربوا الولاء لمشروع 3 يوليو، الذي لا نعرف أصلًا ما هو، قبل الولاء للوطن، ثم يستمر معهم في الجامعات ليكون النشاط الطلابي الوحيد المسموح له بممارسة العمل السياسي، وبعدها يصبح الانضمام للحركة هو الوسيلة الوحيدة للترقي وتولي المناصب الحكومية والمقاعد النيابية فيما بعد، وفي سبيل ذلك كله تُستغل مرافق الدولة العامة كالنوادي ومراكز الشباب والمكتبات كأذرع لهذا المشروع الذي يسحب سطرًا من تاريخ مصر الطويل اسمه 3 يوليو، ليكون هو التاريخ والجغرافيا والثقافة والفن والسياسة.

يقول السيد ياسر رزق إن تدشين هذه الحركة يعوضنا عن تصحر الحياة العامة وتحجر السياسة وخواء الشارع الحزبي، ولم يسأل نفسه من المسؤول أضل عن هذا التصحر والتحجر والخواء؟

في زنزانة مظلمة يقبع الآن زياد العليمي، البرلماني السابق والقيادي الحزبي، ممنوعًا حتى من حقه في تلقي العلاج، لأنه سعى وزميله حسام مؤنس تشكيل تحالف لخوض انتخابات المقبلة باسم "تحالف الأمل" بناء على تكليف من الحركة المدنية الديمقراطية، التي يقبع على مقربة منهما متحدثها الرسمي يحيى حسين عبد الهادي، وكثير من أعضائها وكوادر وقواعد من أحزاب الدستور والتحالف الشعبي والمصري الديمقراطي والكرامة وباقي الأحزاب المدنية التي كانت معظمها شريكة في تحالف 3 يوليو التي يتحدث عنه رزق.

لا يُسمح لقيادات الأحزاب بالتواجد في وسائل الإعلام التي صارت جميعها مملوكة لدولة 3 يوليو، بل تقوم هذه الوسائل وعلى رأسها جريدة أخبار اليوم التي يرأسها السيد رزق بتشويه وتخوين ومحاربة الأحزاب السياسية والطعن في نواياها وتبرير الإجراءات القمعية ضدها، ولا تجرؤ على تنظيم فعالية واحدة في الشارع أو النزول ببرامجها إلى الناس، وإذا تجاوزوا كل ذلك وترشحوا في أي انتخابات تمزق دعايتهم ويُعتقل مناصروهم.

لا يعاني الشارع السياسي من التصحر لأنه كسول أو لأنه لا يريد، بل لأن نظام 3 يوليو الذي يقلق السيد رزق كثيرًا على مصيره بعد 2030 يمنعه ويخنقه ويضيق عليه، وإذا كف النظام عن ذلك سنحظى بتجربة سياسية غنية ومتنوعة ووطنية تغنينا عن تحويل المدارس والجامعات إلى مفارخ لتخريج نسخ مكررة وممسوخة من المصريين، أو نقل تجربة ثبت فشلها في كل البلاد التي سبق وطبقتها وأودت بهذه البلاد إلى هزائم ساحقة.

السؤال الأكبر في مصر الآن: هل كانت 3 يوليو في خدمة الوطن أم الوطن في خدمة 3 يوليو؟

الأكيد أن ما كتبه رزق إن لم قد وصله مكتوبًا فهو على الأقل عُرض على جهات في الدولة قبل نشره، خصوصا أن كاتبه سبق وبشرنا بالتعديلات الدستورية وبترشيح السيسي وبكثير من الإجراءات قبل إعلانها رسميًا، هذا يعني أن هناك داخل الدولة من يرى هذا النموذج قابلًا للتطبيق، هذا يعني أن هناك على مقاعد السلطة من لم يستوعب بعد أن كثيرًا أزمات مصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية سببها غياب التعدد والحجر على الأصوات ومصادرة كل مساحات الحركة والتنفس، بل ويرغب في فرض المزيد من القيود.

اقرأ/ي أيضًا: اللوبي الإسرائيلي في الإعلام العربي

المشكلة معروفة والحل أيضًا معروف، لكن بعد الإجابة على سؤال: هل كانت 3 يوليو في خدمة الوطن أم الوطن في خدمة 3 يوليو؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

بدع الجنرال.. عسكر السيسي ينقلب على المؤسسة العسكرية!

نتنياهو زار القاهرة سرًا.. وشارك السيسي مائدة رمضان!