حرب داخل الحرب.. حين تتقاتل "القاعدة" و"داعش" على رمال الساحل الإفريقي
12 سبتمبر 2026
في الساحل الإفريقي، لم تعد الحرب تدور فقط بين الجيوش والجماعات المسلحة، ولا بين الحكومات والانقلابيين، ولا حتى بين النفوذ الروسي المتصاعد والحضور الغربي المتراجع. ثمة حرب أخرى، أقل ظهورًا في نشرات الأخبار، لكنها ربما تكون أشد قسوة وأبعد أثرًا: حرب بين تنظيمين خرجا من رحم السلفية الجهادية نفسها، ثم تحوّلا إلى عدوّين يتنازعان الأرض والرجال والموارد.
في مالي، خصوصًا، تتقاطع خريطتان: خريطة "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، المرتبطة بتنظيم القاعدة، وخريطة "تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل"، المعروف تاريخيًا باسم "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" (ISGS).
إنها ليست حربًا عقائدية مجردة، بل صراع على من يحكم الفراغ الذي تركته الدولة، ومن يفرض الضرائب، ومن يجند الشباب، ومن يتحكم في طرق التجارة والرعي والتهريب، ومن يستطيع في النهاية أن يقدم نفسه بوصفه القوة التي لا يمكن تجاوزها في مستقبل الساحل.
من رحم واحد.. إلى عدوّين
تعود جذور الصراع إلى الانقسام الكبير الذي ضرب الحركة الجهادية العالمية مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية وإعلان أبي بكر البغدادي "الخلافة" عام 2014، متحديًا سلطة القاعدة وقيادتها.
وصل الصدع سريعًا إلى إفريقيا.
في آذار/مارس 2017، اجتمعت أبرز الفصائل المرتبطة بالقاعدة في مالي والساحل تحت مظلة "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، بقيادة الطوارقي المالي إياد أغ غالي، أحد أكثر الشخصيات غموضًا وقدرة على البقاء في المشهد المالي المتقلب.
إنها ليست حربًا عقائدية مجردة، بل صراع على من يحكم الفراغ الذي تركته الدولة، ومن يفرض الضرائب، ومن يجند الشباب، ومن يتحكم في طرق التجارة والرعي والتهريب، ومن يستطيع في النهاية أن يقدم نفسه بوصفه القوة التي لا يمكن تجاوزها في مستقبل الساحل
وفي الجهة المقابلة، أخذ تنظيم الدولة يبني فرعه الصحراوي، مستفيدًا من هشاشة الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، خصوصًا في فضاء ليبتاكو-غورما.
وبين 2015 و2019، أمكن للتنظيمين أن يتعايشا نسبيًا في بعض المناطق، لكن ذلك التعايش لم يصمد.
وتشير بيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، وهو مشروع دولي متخصص في رصد وتحليل أحداث العنف السياسي والنزاعات، إلى أن اندلاع القتال المفتوح بينهما منذ منتصف 2019 أدى، خلال السنوات الأولى فقط، إلى نحو 200 مواجهة ومقتل أكثر من 1100 مقاتل من الطرفين.
وفي 2022، شن تنظيم الدولة هجومًا واسعًا في منطقتي ميناكا وغاو، أعاد من خلاله تشكيل موازين القوى في شرق مالي.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت ميناكا أكثر من مجرد منطقة نائية في الصحراء؛ صارت إحدى أهم ساحات اختبار القوة بين "القاعدة" و"داعش".
ميناكا.. الإمارة التي عجزت "القاعدة" عن انتزاعها
تكشف الخريطة الحالية مفارقة مهمة: "نصرة الإسلام والمسلمين" هي التنظيم الجهادي الأقوى والأوسع انتشارًا في الساحل عمومًا، لكن تنظيم الدولة نجح في الاحتفاظ بمعقل بالغ الأهمية على الحدود المالية-النيجرية.
وبحسب مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، ارتبطت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بنحو 76% من الوفيات المرتبطة بالجماعات الإسلامية المسلحة في الساحل خلال الفترة الأخيرة، مقابل نحو 19% لتنظيم الدولة في الصحراء الكبرى. ومع ذلك ظل الأخير ممسكًا بميناكا رغم محاولات الجيش المالي وخصمه الجهادي انتزاعها منه.
وهذه نقطة مهمة لفهم الحرب.
فالقاعدة، رغم اتساع رقعة نفوذها، لم تتمكن من القضاء على منافسها. وتنقل دراسة حديثة عن الباحث والصحفي المتخصص في الحركات الجهادية وسيم نصر قوله إن "نصرة الإسلام والمسلمين بذلت جهدًا حقيقيًا لطرد تنظيم الدولة من ميناكا، لكنها فشلت، واضطرت في النهاية إلى استيعاب الخسارة وإعادة توجيه قدراتها نحو قتال الحكومة المالية".
وبهذا تحولت ميناكا إلى ما يشبه الجيب الداعشي داخل فضاء تتقدم فيه القاعدة على جبهات أخرى.
عدوان يتشابهان في الهدف ويختلفان في الطريق
ربما يكون الفرق الأهم بين التنظيمين في طريقة التعامل مع المجتمع.
تنظيم الدولة يميل إلى نموذج أكثر صرامة وعنفًا في إخضاع التجمعات السكانية. وتشير بيانات مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى أن المدنيين يمثلون نحو 36% من الوفيات المرتبطة بعمليات التنظيم في المنطقة، وهي من أعلى النسب بين الجماعات المسلحة في القارة.
أما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، من دون أن يعني ذلك أنها أقل مسؤولية عن الانتهاكات والعنف ضد المدنيين، فقد طوّرت مقاربة أكثر براغماتية: تفاوض زعماء محليين، وتعقد اتفاقات، وتفرض ضرائب، وتستفيد من النزاعات القبلية، وتقدم نفسها أحيانًا بوصفها سلطة موازية قادرة على توفير قدر من الأمن والقضاء حيث تغيب الدولة.
والفارق يظهر أيضًا في أدوات الحرب. فبحسب مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، يميل تنظيم الدولة إلى الكمائن والهجمات الكثيفة بالدراجات النارية والسيارات المسلحة، بينما تستخدم "نصرة الإسلام والمسلمين" بدرجة أكبر العبوات الناسفة والقصف غير المباشر والمدفعية والهاون.
إنهما، باختصار، مشروعان للسيطرة على المجتمع نفسه، لكن بأدوات مختلفة.
هدنة لم تعمّر طويلًا
المثير أن الخصمين استطاعا تخفيف مواجهاتهما لفترة خلال 2025، في ما وصفه تقرير أممي بـ"التهدئة" بينهما.
لكنها انتهت.
فبحسب تقرير لفريق الرصد التابع للأمم المتحدة، تجددت المواجهات بين تنظيم الدولة و"نصرة الإسلام والمسلمين" في ميناكا وتيلابيري ومحافظة ياغا في بوركينا فاسو، منهية فترة من التهدئة بين الطرفين. ويشير التقرير إلى أن الصراع يدور، في جوهره، حول الهيمنة على الأرض ومناطق النفوذ.
وهنا يصبح الصراع أكثر خطورة، لأن التنظيمين لا يتنافسان في فراغ، بل وسط دول تعاني أصلًا من إنهاك عسكري واقتصادي ومؤسسي.
كل قرية تنسحب منها الدولة قد تصبح موضع تنافس بينهما، وكل طريق تجاري موردًا ماليًا، وكل مظلمة محلية فرصة للتجنيد.
إياد أغ غالي.. من الصحراء إلى أبواب باماكو
في قلب الصعود القاعدي يقف إياد أغ غالي.
الرجل الذي بدأ حياته قائدًا في تمرد الطوارق، تحوّل عبر رحلة سياسية وعسكرية طويلة إلى أبرز قادة القاعدة في الساحل. وفي السبعينيات من عمره، ما يزال واحدًا من أكثر المطلوبين قدرة على الإفلات من المطاردة.
لكن أهمية أغ غالي لا تكمن في بقائه حيًا فحسب، بل في تحوله من قائد حرب عصابات إلى لاعب يحاول التأثير في مستقبل الدولة المالية نفسها.
فـ"نصرة الإسلام والمسلمين" لم تعد تكتفي بمهاجمة الثكنات. توسعت عملياتها إلى الطرق والمناجم والمنشآت الاقتصادية، واستخدمت الحصار والضغط على خطوط الإمداد باعتبارهما سلاحًا سياسيًا واقتصاديًا.
وتقول الأمم المتحدة إن الجماعة أظهرت قدرة على شن هجمات كبيرة ومتزامنة على جبهات متعددة، مع توسيع نشاطها إلى غرب مالي.
وبعبارة أخرى، لم يعد السؤال فقط: كم جنديًا تستطيع الجماعة قتلهم؟ بل: إلى أي مدى تستطيع جعل الدولة نفسها غير قابلة للحياة؟
حرب يستفيد فيها الطرفان من أخطاء الدولة
لكن قصة تمدد القاعدة وداعش لا يمكن اختزالها في القوة العسكرية للتنظيمين.
هناك دولة تنكمش في المقابل.
فقد جاءت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر رافعة شعار استعادة الأمن والسيادة. خرجت القوات الفرنسية، وانحسر الوجود الغربي، وانتهت مهمة الأمم المتحدة في مالي، ودخل الروس بقوة إلى المعادلة.
لكن العنف لم ينحسر.
يشير مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى تسجيل نحو 9900 وفاة مرتبطة بالجماعات الإسلامية المسلحة في الساحل خلال عام واحد، وهي الحصيلة الأعلى بين مناطق إفريقيا. ومنذ 2022 اقترب عدد الوفيات المرتبطة بالعنف المتطرف في الساحل من 49 ألفًا.
بل إن انتهاكات القوات الحكومية وحلفائها أصبحت نفسها، وفق المركز، مادة تستثمر فيها الجماعات المسلحة للتجنيد واستقطاب السكان الناقمين.
وهكذا تنشأ دائرة مفرغة: هجوم جهادي يستدعي حملة عسكرية؛ الحملة توقع ضحايا أو تخلق مظالم؛ المظالم تدفع بعض الشباب نحو الجماعات؛ ثم تبدأ جولة جديدة من الدم.
الضحية التي لا تظهر على الخرائط
خلف أسماء التنظيمات والاختصارات الأجنبية والخرائط الملونة، ثمة قصة أخرى لا تظهر كثيرًا: قصة الإنسان الذي يعيش بين سلطات متنافسة لا يملك رفاهية اختيار أي منها.
راعي ماشية في ميناكا قد يدفع "الزكاة" لتنظيم الدولة كي يبقى حيًا، ثم يجد نفسه متهمًا من خصومه بالتعاون معه. قرية تتوصل إلى اتفاق مع جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" قد تصبح هدفًا لخصومها. وسائق شاحنة على طريق بعيد قد يتحول في لحظة من ناقل بضائع إلى رقم جديد في إحصائية حرب لا يعرف لماذا بدأت ولا متى تنتهي.
وهنا تكمن مأساة الساحل الحقيقية.
فـ"القاعدة" و"داعش" لا يتصارعان فقط على قطعة من الصحراء؛ إنهما يتصارعان على من يملأ الفراغ الذي تركته الدولة.
وقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من احتمال وقوع "تأثير دومينو كارثي" في غرب إفريقيا، في ظل توسع الجماعات المسلحة في الساحل واستفادتها من الفقر وضعف المؤسسات وهشاشة الدول.
لذلك قد يكون السؤال الخطأ: من سينتصر، "القاعدة" أم "داعش"؟
السؤال الأهم: ماذا يتبقى من الدولة والمجتمع حين تنتهي معركتهما؟
ففي حرب كهذه، قد يخسر أحد التنظيمين مدينة أو قرية، وقد يُقتل قائد ويصعد آخر، لكن الخاسر الثابت يظل الإنسان العالق في المنتصف؛ بين بندقية الدولة وبندقية "القاعدة" وبندقية "داعش"، يبحث عن شيء كان يفترض أن يكون أبسط حقوقه: طريق آمن إلى السوق، ومدرسة مفتوحة لأطفاله، ومساء لا يسمع فيه صوت الرصاص.