ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

حرب بلا أهداف ونهاية تحت الضغط

9 ابريل 2026
واشنطن
مظاهرة ضد الحرب في العاصمة واشنطن (Getty)
محسن القيشاوي محسن القيشاوي

انطلقت الحرب على إيران وسط تأييد واسع من المحافظين المتشددين واللوبي الإسرائيلي، الذي اعتبر دونالد ترامب المرشح المثالي لضرب طهران. لكن المشهد الأميركي تغيّر بسرعة: بعد ستة أسابيع فقط، أظهرت الاستطلاعات أن أكثر من 60% من الأميركيين يعارضون الحرب، فيما انحدرت شعبية ترامب وسط الضغوط الاقتصادية وتصاعد الاحتجاجات الشعبية. 

ارتفعت أسعار البنزين وضغطت على الناخب العادي أكثر من أي أيديولوجيا، وبدأ الجمهوريون في الكونغرس يتحدثون عن انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. أرعبت المظاهرات الإدارة وأعادت إلى الأذهان حرب فيتنام: القوة العسكرية في الخارج مقابل الضغط الشعبي في الداخل. هذا التقاطع بين الكلفة الاقتصادية والرفض الشعبي والحسابات الانتخابية هو ما أجبر ترامب على الانسحاب بسرعة أكبر مما دخل، وبأقل مما وعد.

الدول الغربية والعالم استقبل الهدنة بارتياح بالغ، إذ قفز مؤشر داو جونز 1325 نقطة، وارتفع إس آند بي 500 بنسبة 2.5%، وتراجع النفط دون 95 دولارًا بعد أن كان قد قارب مستويات قياسية. لكن هذا الارتياح المالي لا يخفي حقيقة أن واشنطن خرجت من الحرب بأقل بكثير مما دخلت إليه تطالب به.

كانت الخطة الأميركية تشترط عدم امتلاك إيران للأسلحة النووية، وتسليم يورانيومها المخصب، وقيودًا على قدراتها الدفاعية، وإنهاء الجماعات الوكيلة الإقليمية، وإعادة فتح مضيق هرمز. لم يتحقق أيٌّ من هذه الشروط بصورة كاملة. ما تحقق هو وقف للنار ووعد بمفاوضات، وهذا ما كان متاحًا قبل الحرب أيضًا.

خرجت إيران من الحرب مثقلة بالخسائر العسكرية، لكنها عززت موقعها السياسي، أما الولايات المتحدة، فخرجت بأقل مما كانت تأمل

الداخل الإيراني: حرس ثوري أكثر تشددًا وشارع يحتفل

وحّدت الحرب المجتمع الإيراني خلف النظام بدلًا من أن تفككه. استدعى الشعور بالوجود تحت الحصار نزعة وطنية لم تكن تناصر النظام بالضرورة، لكنها كانت ترفض العدوان الأجنبي.

الأهم في هذا السياق، خروج الحرس الثوري من هذه المعركة بمزيد من التمكين الداخلي. جيل أصغر من المتشددين يقود المرحلة القادمة بعد مقتل القيادة القديمة. تيارات الإصلاح والاعتدال التي كانت واشنطن تراهن عليها في مفاوضات سابقة لم تعد تجلس على الطاولة. لهذا فإن الاتفاق الذي أُبرم يحمل في بنيته تناقضًا مؤسسيًا عميقًا: الجانب الأميركي يتحدث عن إعادة الإعمار والانفراج، بينما حذّر المجلس الأعلى الإيراني من أن "أي خطأ سيُقابل بقوة كاملة". طرفان يتفاوضان بلغتين مختلفتين وهما يجلسان على الطاولة نفسها.

مضيق هرمز هو العنصر الأكثر أهمية لمكانة إيران ما بعد الحرب. إيران وعُمان تخططان لفرض رسوم عبور على السفن المارّة في المضيق خلال فترة الهدنة.

بدوره، ذهب ترامب إلى حد اقتراح "مشروع مشترك" مع إيران لإدارة المضيق وتقاسم عائداته، قائلًا "نفكر في عمله كمشروع مشترك، إنها طريقة لتأمينه".

هذا ليس مجرد تصريح. إنه اعتراف بأن إيران نقلت مضيق هرمز من مسألة أمنية تحلها القوة العسكرية إلى مسألة سيادية وسياسية تتطلب التفاوض والاعتراف.

إسرائيل بين فائض النار وعجز السياسة

وجدت إسرائيل نفسها في مأزق مع إعلان الهدنة، إذ نفى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شمول لبنان بالاتفاق، مؤكدًا استعداد بلاده للعودة إلى القتال في أي لحظة. وفي الوقت نفسه، ضغطت إسرائيل على إدارة ترامب لمنع التوصل إلى أي اتفاق شامل مع إيران، مشددة على أن الهدنة لا تلزم بإنهاء الحرب أو تقديم أي تعويضات لطهران.

على الرغم من النبرة العالية والصاخبة، يضمر هذا الموقف اعترافًا ضمنيًا بالمأزق. فإذا كانت الهدنة مع إيران قد عُقدت وفق شروط طهران الأساسية، فإن إسرائيل، التي سعت إلى تفكيك إيران كدولة، لم تحقق غايتها. بل تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيدًا مما سبق الحرب: إيران مستنزفة لكنها لم تُكسر، وحزب الله في طور إعادة بناء قوته، فيما يتحول لبنان تدريجيًا إلى ساحة لإدارة الأزمات، لا إلى مسرح لانتصارٍ محسوم.

وفي سياق موازي، وضمن سعيها لفصل الساحات، شنت إسرائيل أعنف هجماتها على لبنان في التاريخ الحديث، حيث شنت مئة غارة خلال عشر دقائق على بيروت والجنوب والبقاع في اليوم الأول من الهدنة، ما أسفر عن أكثر من 250 شهيدًا و1160 جريحًا. هذا التصعيد الاستثنائي يتجاوز الرد التقليدي على حزب الله، ليحمل رسالة سياسية واضحة: إسرائيل لن تقبل هدنة لا تشمل لبنان بشروطها، وهي مستعدة لتفجير أي تسوية إقليمية إذا جاءت على حساب أهدافها الاستراتيجية.

في هذا الإطار، صرح نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، بأن انهيار الهدنة بسبب لبنان يمثل "خيار إيران"، مؤكدًا أن لبنان "لا علاقة له بإيران"، ما يعكس التباين في قراءة الأطراف الدولية للهدنة ومدى التزامها.

على الجانب الاقتصادي، يضيف الاقتصاد الإسرائيلي طبقة إضافية من القلق. فميزانية 2026 تواجه عجزًا يقارب 5%، بينما أبقت وكالات التصنيف على نظرة سلبية، مع تراجع توقعات النمو نتيجة الحرب على عدة جبهات. 

كما كشفت أزمة التجنيد عن الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي: فبينما يسعى المجتمع الاستيطاني للتوسع، فإنه لا يوفّر للجيش العدد الكافي من المقاتلين. كل هذه المؤشرات تدل على أن إسرائيل دخلت الحرب بموارد مالية وبنية مجتمعية قوية، لكنها على الأرجح ستخرج منها أضعف من حيث المال والقدرة على التعبئة الداخلية.، ما يزيد من تعقيد أي تسوية مستقبلية ويضاعف كلفة استمرار الصراع.

الخليج العربي.. إعادة الحسابات

خاضت دول الخليج هذه الحرب بوصفها تجربة صادمة، مختلفة عمّا عرفته في كل المواجهات السابقة. لم تعد المسافة الجغرافية تحميها، ولا التحالفات كافية لردع الخطر. في اليوم الأول فقط من الهدنة، تعرّضت الكويت لـ28 هجومًا بطائرات مسيّرة، والإمارات لـ35 هجومًا، فيما تضرر مجمع حبشان للغاز في أبوظبي، واستُهدف خط أنابيب سعودي حيوي. لم تعد الحرب حدثًا بعيدًا، بل واقعًا مباشرًا يلامس البنية التحتية والاقتصاد والأمن اليومي.

في هذا السياق، يشير تحليل سنام فكيل في "تشاتام هاوس" إلى أن الخليج يجد نفسه أمام ثلاثة مسارات صعبة: تعزيز التعاون الأمني الداخلي، وهو خيار تصطدم به تناقضات وتنافسات مزمنة؛ أو الانخراط في تحالف أوسع مع إسرائيل، وهو مسار تدفع نحوه بعض الدول كالإمارات بينما تتحفظ عليه أخرى كقطر؛ أو تعميق الشراكة مع أوروبا التي تعلن التزامها لكنها تفتقر إلى أدوات حاسمة.

غير أن أيًا من هذه الخيارات لا يبدو مكتملًا أو قابلًا للتنفيذ بسلاسة، وهو ما يكشف أن المشكلة ليست في البدائل، بل في غياب صيغة مستقرة للأمن ذاته. 

هدنة بلا حل ونظام إقليمي بلا شكل

يتفكك الإقليم أمام أعين الجميع، من دون أن يظهر في الأفق أي بديل قادر على إعادة تركيبه. خرجت إيران من الحرب مثقلة بالخسائر العسكرية، لكنها عززت موقعها السياسي واستبقت أي محاولات لإضعاف نفوذها الإقليمي. أما الولايات المتحدة، فخرجت بأقل مما كانت تأمل، ومع شبكة تحالفات أضعف وأكثر هشاشة، ما يحد من قدرتها على إدارة الأزمات المستقبلية في المنطقة. وبالنسبة لإسرائيل، أنهت جولة القتال دون أي تسوية سياسية يمكن تسويقها داخليًا أو تثبيتها خارجيًا، وسط تصعيد واضح في لبنان وإصرار على استثنائه من أي هدنة، ما يجعل لبنان ساحة اختبار مباشر لأي اتفاق إقليمي جديد. وفي المقابل، وجدت دول الخليج نفسها أمام أسئلة غير مسبوقة حول نموذجها الأمني وحدوده.

لكن السؤال الحاسم لن يُحسم في إسلام آباد، ولا في جولات التفاوض القريبة: من يملك الجرأة على التنازل عن جزء من شروطه، مقابل استقرار إقليمي لا يمكن أن يتشكل إذا تمسك كل طرف بكل ما يريد؟

إلى أن يُطرح هذا السؤال بوصفه ضرورة لا خيارًا، ستبقى الهدنة مجرد تعليق مؤقت لصراع لا نهاية له. حرب توقفت في ظاهرها، لكنها مستمرة في أسبابها، مفتوحة على جولات أخرى لم يُحسم توقيتها بعد.

كلمات مفتاحية
أوكرانيا

مع انتهاء الهدنة.. أكثر من 200 طائرة مسيّرة روسية تضرب أوكرانيا

تكثف روسيا هجماتها بمئات المسيّرات على أوكرانيا بعد انتهاء الهدنة القصيرة

غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية الحلوسية جنوب لبنان

عشية الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة.. إسرائيل تحاول توسيع احتلالها في لبنان

إسرائيل تصعّد عملياتها جنوب لبنان عشية جولة تفاوض جديدة وسط خلافات لبنانية داخلية وضغوط ميدانية متزايدة

جنوب أفريقيا

دعوات لعزل رئيس جنوب أفريقيا بسبب أموال في الأريكة.. ما القصة؟

قضية "فالا فالا" تعود للواجهة في جنوب أفريقيا مع تصاعد دعوات المعارضة لعزل الرئيس سيريل رامافوزا بسبب أموال عُثر عليها داخل مزرعته

فوق رأسي سحابة
أدب

"فوق رأسي سحابة": حين يصبح الألم لغةً عالمية

تقدّم الكاتبة دعاء إبراهيم نصًا نفسيًا قاسيًا وعميقًا يلاحق أسرار النفس البشرية عبر رحلة إنسانية محطاتها الاساسية تبدأ بمصر ومنها إلى اليابان

كأس العالم 2026
رياضة

موجات الحر والمونديال يربكان التقويم الدراسي في المكسيك

تراجعت الحكومة المكسيكية عن قرار أثار جدلًا واسعًا بإنهاء العام الدراسي قبل موعده المعتاد بنحو ستة أسابيع، بعدما واجهت الخطة انتقادات حادة من الأهالي والنقابات التعليمية

أنتا
أعمال

من 600 حذاء إلى إمبراطورية رياضية.. قصة صعود "أنتا" الصينية

أصبحت شركته "أنتا" الصينية تنافس عمالقة الملابس الرياضية العالميين مثل نايكي وأديداس، فكيف حدث ذلك؟

صورة تعبيرية
مجتمع

فيروس "هانتا" يربك العالم.. منظمة الصحة تحذر من موجة إصابات جديدة

حذّرت منظمة الصحة العالمية من احتمال ظهور المزيد من الإصابات بفيروس "هانتا"، بعد تحوّل سفينة الرحلات البحرية "إم في هونديوس" إلى بؤرة تفشٍ دولية