حرب العملة الباردة.. لعبة دونالد ترامب الخطرة

حرب العملة الباردة.. لعبة دونالد ترامب الخطرة

صارت سياسة "إفقار الجار" عقيدة لدى إدارة ترامب (درو أنجرير/Getty)

على الرغم من ازدهار الاقتصاد الأمريكي، يدعو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إضعاف قيمة الدولار، وهي خطوة تهدد بتقويض النمو الاقتصادي الهش في أوروبا. إذ أن لا إمكانيات واسعة للبنك المركزي الأوروبي يمكن القيام بها لصد خطوة ترامب الخطرة. تفاصيل أكثر عن ذلك في هذا التقرير المترجم عن موقع المجلة الأسبوعية الألمانية دير شبيغل.


على مدى 15 عامًا الماضية، صنع رولف فيليب "عظام الطائرات" في بلدة أوبيرزي، التي تقع على بحيرة شيميسي في ولاية بافاريا. هذا هو اللفظ (عظام) الذي يطلقه المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة فيليب لصناعة قطع غيار الطائرات على قطع الغيار المُصنعة من الألومنيوم والتيتانيوم التي تنتجها شركته لخدمة صناعة الطيران. تضم شركته 250 موظفًا في ولاية بافاريا وفي مصنع ألماني آخر في مدينة كارلسروه، وتسير الأعمال بشكلٍ جيدٍ، إذ حققت المؤسسة المملوكة للأسرة إيرادات تزيد عن 60 مليون يورو في العام الماضي.

من المتوقع أن تتضرر عديد الشركات الأوروبية من إضعاف قيمة الدولار الأمريكي وهي اللعبة الخطرة التي يراهن عليها دونالد ترامب

إلا أن التطورات في خارج البلاد جعلت الحياة أكثر صعوبة على فيليب في الآونة الأخيرة. خلال الأشهر الثمانية الماضية، فقد الدولار الأمريكي أكثر من 10 % من قيمته ووصل سعر الصرف إلى 1.24 دولار لليورو. وقبل عامٍ واحدٍ فقط، وجدت شركة فيليب لصناعة قطع غيار الطائرات نفسها تحقق أرباحًا من سعر صرف أقل من 1.10 دولار لليورو.

تبيع شركتا إيرباص وبوينغ وهما من كبار عملاء شركة فيليب معظم طائراتهم بالدولار، وتسمح لهم قوتهم المطلقة في السوق باجتياز مخاطر سعر صرف العملة عن طريق دفع الموردين بالدولار أيضًا. وعلى ذلك إذا فقد الدولار قيمته مقابل اليورو، سيؤدي ذلك إلى انخفاض أرباح شركة فيليب أيضًا، لأن تكاليف الشركة تُحسب إلى حد كبير باليورو.

قال فيليب "لدينا ميزة تكنولوجية في ألمانيا، إلا أن ذلك لا يساعد كثيرًا عندما يسقط الدولار مثل المطرقة". كما يقول إنه إذا ارتفع سعر صرف اليورو إلى 1.35 دولار أو أعلى من ذلك على مدى فترة طويلة من الوقت، فإنه سيصبح جذابًا بشكلٍ متزايدٍ للعملاء لإجراء عمليات الشراء من أماكن أخرى.

من حيث المبدأ، بطبيعة الحال، يُعد ارتفاع اليورو، الذي بدأ منذ حوالي عام، خبرًا جيدًا. لأن ذلك يدل على مدى انتعاش الاقتصاد في القارة بعد سنوات من الضعف. وقد تعزز هذا التطور من خلال الرغبة المتزايدة للتعاون بين بلدان الاتحاد الأوروبي الأساسية التي أصبحت واضحة منذ التصويت على انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، ويُعزى ذلك أساسًا إلى الرئيس الفرنسي الجديد. إذ قال الخبير الاقتصادي في البنك الألماني (دويتشه بنك) ديفيد فولكيرتس-لانداو "لقد اختفت الشكوك حول أوروبا مُنذ انتخاب إيمانويل ماكرون". وأضاف أن "كبار المستثمرين قد عادوا إلى أوروبا لأنهم يرون أن الأمور عادت للعمل مجددًا".

اقرأ/ي أيضًا:  الاقتصاد العالمي يتعافى من جديد.. لكن ليس لفترة طويلة!

توليفة دونالد ترامب المثيرة للجدل

تُمثل التطورات الأوروبية التي عززت اليورو جانبًا من الصورة، إذ يُعد الجانب الآخر هو سياسات "أمريكا أولًا" التي رفعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب والتي تنطوي على: اهتمامه الصريح بإضعاف الدولار، والخليط المثير للجدل من سياسات العرض والطلب، وخفض الضرائب، ودحر اللوائح وإعادة الثروة التي كانت في الخارج. يدل كل ذلك على أن سياسات الرئيس مُحملة بمخاطر هائلة.

على الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي قد بدأ ينمو بقوة منذ سنوات، ووصل معدل البطالة إلى 4.1% فقط، مما يعني أنه قد أوشك على توفير فرص العمل للجميع، استمر ترامب في تحفيز النمو، ويمكن أن يؤدي هذا التركيز إلى التسارع المفرط لنمو الاقتصاد، والذي من شأنه أن يُمثل خطرًا على الاقتصاد العالمي بأسره.

ظاهريًا، يبدو أن كل شيء في حالة جيدة. إذ تقوم أمريكا وأوروبا وآسيا على حد سواء بإنتاج واستهلاك واستثمار المزيد، وقد أصدر صندوق النقد الدولي مؤخرًا تعديلًا تصاعديًا لتوقعاته بشأن النمو الاقتصادي العالمي إلى 3.9% لعامي 2018 و2019.

ولكن السرعة التي يُمكن من خلالها أن تتحول النشوة إلى حالة من الذعر ظهرت بالكامل منذ أسبوعين، عندما بدأ الخوف فجأة بالانتشار في الأسواق نتيجة العجز الحكومي المُفرط، والتضخم، وزيادة أسعار الفائدة، ما أدى إلى أكبر خسارة في تاريخ وول ستريت.

حتى وإن كانت الشريحة المئوية في الأسواق أقل حدة، فإنه لا يزال من المُحتمل أنها أزعجت إدارة ترامب بقدرٍ كبيرٍ. ولكن عندما يتعلق الأمر بإضعاف الدولار، فإن إدارته قد تحدثت عن ذلك بالفعل. إذ يرغب ترامب في إضعاف العملة لتعزيز الصادرات، والحد من الواردات وتقليل العجز في الحسابات الجارية في بلاده، وهو أحد التعهدات الأساسية التي قدمها خلال الحملة الانتخابية.

كما قال ستيفن منوشن، وزير الخزانة الأمريكي في "المنتدى الاقتصادي العالمي" الذي عقد في مدينة دافوس، إن ضعف الدولار كان جيدًا للاقتصاد الأمريكي. وعلى الرغم من أن ترامب نفسه ربما بدا أكثر تصالحية في وقت لاحق، ولكن الجنّي قد خرج من زجاجة بالفعل -أي أن الأمر قد تم بالفعل ولا يُمكن القضاء عليه أو التراجع عنه الآن-، والتصريح اللفظي الذي ذكره منوشن كان له تأثير بالفعل. وانخفضت قيمة الدولار سريعًا، وبدأ فجأة سماع مصطلح "حرب العملة" السيئ في أروقة دافوس.

يركز ترامب على مزيد تحفيز نمو الاقتصاد الأمريكي ويمكن أن يؤدي هذا التركيز إلى التسارع المفرط لنمو الاقتصاد والذي من شأنه أن يُمثل خطرًا على الاقتصاد العالمي بأسره

غاضبة ولكن عاجزة نسبيًا

قال الخبير الاقتصادي في شركة الاستثمار العملاقة "بيمكو" للصناديق المشتركة، واكيم فيلس، "لم يعد هناك شك في أن الحكومة الأمريكية لا تشن حربًا على العملة فحسب، بل هي أيضًا في طريقها إلى الفوز بها". كما تُمثل سياسات ترامب تهديدًا للانتعاش الاقتصادي في أوروبا، الوضع الذي أزعج البنك المركزي الأوروبي. إلا أنه لا يستطيع فعل الكثير حيال هذا الأمر".

أعاد ترامب النظر في تقليد أمريكي قديم من خلال اتباع السياسات الاقتصادية التي تتجاهل احتياجات الشركاء التجاريين للولايات المتحدة - وهو نهج يشير إليه الاقتصاديون بمصطلح "سياسات إفقار الجيران". في أوائل السبعينيات، أثار وزير الخزانة آنذاك جون كونالي احتمال حدوث عجز في الميزانية بمقدار 40 مليار دولار - وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت - وقد برر ذلك بوصفه "تنشيطًا اقتصاديًا". وردًا على المخاوف التي أعرب عنها نظراؤه الأوروبيون، الذين انتابهم القلق من إضعاف الدولار، أجاب بقوله الأسطوري أن "الدولار عملتنا واعتبارًا من اليوم فإنه مشكلتكم".

وقد أبلغ لويد بنتسن، وزير الخزانة الأمريكي الأسبق في إدارة الرئيس بيل كلينتون، اليابانيين في عام 1993 أنه يرغب في تقوية الين على وجه السرعة من أجل كبح الفائض الكبير في صادرات الشريك التجاري الآسيوي.

وفي ظل مفهوم "أمريكا أولًا"، رفع ترامب في الوقت الراهن من وتيرة سياسة "إفقار الجار" إلى أن أصبحت عقيدة تنتهجها إدارته.

يتضمن الجزء الأول من أجندة السياسة الاقتصادية لترامب، تحفيز الاقتصاد من خلال تخفيض الضرائب، واستثمارات البنية التحتية العامة. وهو ما قد يصب في مصلحة الشركات الأمريكية، بالإضافة إلى باقي دول العالم التي ستستفيد بشكل أساسي أيضًا إذا نما اقتصاد الولايات المتحدة بشكل أسرع، كما أن الشركات الأوروبية والآسيوية سوف تحصل على مزيد من طلبات العمل.

إلا أن الجزء الثاني من برنامج ترامب هو ما يُظهر التوجه الحقيقي لاستراتيجيته. إذ يهدف الجمع بين ضعف الدولار والإجراءات الحمائية إلى خلق ميزة تنافسية للشركات الأمريكية في مواجهة منافسيها من شتى أنحاء العالم.

يقول باري إيشنغرين، أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا، في بيركلي "تريد الحكومة بكل وضوح ضعف الدولار في الوقت الراهن، لأن معدل التضخم معتدل، أي أن ضعف الدولار سوف يجعل نمو القطاع الصناعي أمرًا أكثر سهولة".

إن اتباع سياسة مالية فضفاضة، يخلق في واقع الأمر ضغطًا هبوطيًا على العملة. فإذا خُفضت الضرائب، ورفعت الحكومة من إنفاقها، سوف يظهر حينئذ لدى الأسر فائض من الأموال تحت تصرفها. ويؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على السلع من الخارج، ما يؤدي إلى ضعف عملتهم الخاصة. أما محليًا، فإن ارتفاع الطلب يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، خاصةً في ظل خضوع السلع الرخيصة المستوردة للتعريفة الجمركية، وهو ما يقلل القوة الشرائية للدولار.

يرغب ترامب في إضعاف العملة لتعزيز الصادرات والحد من الواردات وتقليل العجز في الحسابات الجارية في بلاده وهو أحد التعهدات الأساسية التي قدمها خلال حملته الانتخابية

اقرأ/ي أيضًا: فك الارتباط بين النمو الاقتصادي وانخفاض سعر النفط

اللعب بالنار

ما لم يتدخل نظام الاحتياط الفيدرالي بطبيعة الحال لاتخاذ خطوات لمواجهة هذه التطورات برفع معدلات الفائدة. فقد يؤدي ذلك إلى جذب المستثمرين الأجانب الذين يبحثون عن فرص ربحية أفضل، وستزداد قوة الدولار، إلا أن هذه الانتعاشة قد تكون عرضة كبيرة للخطر. إن الوضع على المستوى الاقتصادي، وفي الأسواق المالية شديد التوتر في الوقت الراهن، فسياسات ترامب بمثابة اللعب بالنار.

تلك السياسات التي ينتهجها ترامب قادرة على تضييع سنوات من الإدارة الدقيقة للأزمات من جانب البنوك المركزية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، ما قد يجبرهم على إحداث تغيير حاد غير متوقع بطبيعة الحال. يقول أحد رؤساء البنوك المركزية الأكثر قوةً في العالم "ليس هذا هو الوقت المناسب لهذا النوع من برامج السياسة المالية".

إن التحسينات الاقتصادية القليلة السابقة، كانت تعتمد بشكل كامل على سياسات معدلات الفائدة المنخفضة التي طُبقت في أعقاب الأزمة المالية العالمية قبل عقد من الزمان. وبالإضافة إلى إعادة وضعها للاقتصاد على المسار الصحيح مرة أخرى، فقد أدت أيضًا إلى زيادة أسعار الأوراق المالية والعقارات. فقد بدأت الأسعار الفلكية التي تُدفع للاستحواذ على الشركات في الظهور مرة أخرى على أرض الواقع -تلك النوعية من الأسعار التي شوهدت قبل ذلك عام 2007.

كشف الانخفاض الحاد في أسعار الأوراق المالية في الخامس من شباط/فبراير أيضًا أن البنوك والصناديق تلعب مرة أخرى برهانات محفوفة بالخطر في الأسواق المالية، وهو ما قد يزيد من حجم الاضطرابات إذا ما أُصيبت الأسواق بالقلق. قُدرت تعاملات ما تُسمى بالأوراق المالية المتداولة ETN بالمليارات في ظل ظروف سوق مستقر، وحد أدنى من التغيرات في الأسعار، إلا أنها فقدت قيمتها فجأةً في اضطرابات مؤخرًا، كما ساهمت في حدة الاتجاه الهبوطي للسوق.

وينتشر في الأنحاء الآن خوف عارم من أن أفضل ما يمكن تصوره من عوالم للشركات والحكومات والمستثمرين، قد تنتهي قريبًا -عالم معدلات الفائدة الصفرية، ما يجعل الديون تقريبًا غير مشكوك فيها بالكامل، والاستثمارات رخيصة بشكل لا يُصدق، والاستثمارات المالية من كافة الأنواع تكاد تكون دون خطر يُذكر.

في ظل مفهوم "أمريكا أولًا"، رفع ترامب في الوقت الراهن من وتيرة سياسة "إفقار الجار" إلى أن أصبحت عقيدة تنتهجها إدارته

مهمة مستحيلة

حوّل ذلك الوضع المتقلب، جيروم باول إلى أحد أكثر المعينين المثيرين للاهتمام في واشنطن في الوقت الراهن. فقد ورث عن سلفه جانيت يلين مهمة تكاد تكون مستحيلة، للرئيس الجديد لمجلس الاحتياط الفيدرالي.

ربما شعر باول بما هو مقبل عليه في يوم عمله الأول بالمقر الرئيسي مجلس الاحتياط الفيدرالي الضخم، في شارع الدستور، على بعد أربع بنايات فقط من البيت الأبيض. وفي بداية استلام مهام منصبه الجديد مباشرةً، انهارت الأسواق المالية العالمية. من المحتمل أن يواجه محافظ البنك المركزي نفس التحديات التي واجهها أسلافه آلان غرينسبان، وبن بيرنانك، عندما عُينا في هذا المنصب. إذ لم يمضى بالكاد شهرين على غرينسبان في منصبه عام 1987، عندما كان عليه التعامل مع أكبر انهيار للأسواق منذ أزمة عام 1929. وفي عام 2007، وبعد عام واحد فقط من تعيينه، كُلف بيرنانك بإنقاذ البلاد من العواقب المترتبة على أزمة الرهن العقاري، وفترة الركود الاقتصادي التي أعقبتها.

من المقرر أن يتخذ مجلس الاحتياط الفيدرالي أول قرار له بمعدل الفائدة تحت قيادة باول في آذار/مارس، ومن الممكن أن يكون مُضطرًا إلى إبلاغ الأسواق إذا كان يتوقع زيادة معدلات الفائدة بمقدار أعلى بثلاثة مرات مما كان متوقعًا لعام 2018.

يقول فولكرتس لانداو، الذي يعتبر باول مفكرًا مستقلًا "إن خطر التضخم في الولايات المتحدة آخذ في الازدياد، إذ أن معدلات الفائدة في سوق السندات منخفضة للغاية". ويضيف قائلًا "إنه عملي جدًا، ولا يُتوقع أن يُنفذ ما يمليه عليه الآخرون فحسب".

بالنظر إلى ارتفاع مستوى الديون السيادية، من المُستبعد أن يريد ترامب إما زيادة معدلات الفائدة، أو دولار أكثر قوة. ويرى الخبراء أن خطة ترامب الضريبية قد تزيد من عجز الميزانية خلال السنوات العشر القادمة بقيمة 1.5 تريليون دولار إضافية.

أما السؤال عن تغليب ترامب لرأيه، أو قدرة باول على تمثيل تحد قوي أمام الرئيس، فيمثل أهمية كبيرة لأوروبا. فإذا ظلت معدلات الفائدة منخفضة، واستطاع ترامب المضي قدمًا في سياسة الدولار الضعيف، سوف يكون لدى الأوروبيين مشكلة حقيقية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مستقبل الديمقراطية والرأسمالية.. بربرية التضليل

لماذا يجب أن يقلق العالم من ازدياد قوة الدولار؟