حرب السودان.. غياب العقيدة الشاملة للدولة
2 يونيو 2026
بقدر قتامة الحرب الدائرة الآن، والنفق المظلم الذي أُدخلت فيه البلاد، والأوضاع الكارثية التي أفرزتها تداعياتها، إلا أنها أضاءت جوانب مهمة على المستويين السياسي والاجتماعي والعسكري ظلت دائمًا منسية أو يتم تجاهلها، في الزاوية الميتة أو النقطة العمياء أثناء قيادة مسيرة الدولة السودانية الوطنية ما بعد الاستعمار.
لعل أبرز القضايا التي أضاءتها هذه الحرب، بل وأشملها، هي الخلل الكبير في مفاهيم وتراتبية العقيدة الشاملة للدولة والعقيدة العسكرية لجيش الدولة. ومن أهم أسباب هذا الخلل الحرب التي لازمت البلاد منذ عشية الاستقلال، وكذلك الحكم باسم المؤسسة العسكرية الذي استمر لأكثر من 60 عامًا منذ الاستقلال، ولم تخلُ سنوات ما عُرف بـ"الديمقراطية الأولى والثانية والثالثة"، على قلة سنوات حكمها، من تأثيرات الحرب وتداعياتها على استمرارها ومسيرتها المتعثرة.
مثّلت الحرب الدائرة الآن أبرز تجليات هذا الخلل، خاصة وأنها كشفت تمامًا ظهر الدولة وعرّت هشاشتها، وكشفت ضعف بنيتها وبنيانها. وأول ما كشفته هو فقدان الدولة الناشئة لعقيدة شاملة جامعة تقوم عليها مؤسساتها وتمثل المنصة الصلبة التي تنطلق منها لتحقيق أهدافها وتطلعات شعبها. وتمثل العقيدة الشاملة للدولة مجموعة القيم والتعاليم والمبادئ العليا المتوارثة عبر التاريخ، وتلك التي صاغتها التجارب وصقلتها المنعطفات التاريخية على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، بما يجعلها محل اتفاق عام.
لعل أبرز القضايا التي أضاءتها هذه الحرب، بل وأشملها، هي الخلل الكبير في مفاهيم وتراتبية العقيدة الشاملة للدولة والعقيدة العسكرية لجيش الدولة
الحديث عن دولة سودانية يستوجب البحث في ما وراء المظهر العام للوقوف على هذا الضعف في بنيتها وبنيانها الذي يحول دون تشكل عقيدتها الشاملة، أولًا من أجل كشف أسباب التنازع والحروب التي ظلت سمتها الأصل بدلًا من الاستقرار، وثانيًا استكشاف مواطن القوة والمشتركات التي يمكن البناء عليها. يبدأ ذلك بطرح السؤال: هل السودان دولة أم أنه مجرد أكذوبة صدقناها وندفع الثمن الآن؟ وهنا لا نبحث عن إجابة قطعية، وإنما هو سؤال نسترشد به إلى معرفة طبيعة الدولة وأسس تشكّلها واحتمالات استمرارها. والأهم أن يقودنا هذا الطريق إلى البحث عن صياغة عقد اجتماعي ظل مفقودًا، يضبط إيقاع نظامنا الاجتماعي الكلي الذي ننشده، ويكون مستوعبًا لتعدد شعوب السودان وتنوعهم، وقادرًا على خلق آليات إدارته وفقًا لمبادئ التعايش السلمي.
وفقًا لتعريفات العلوم السياسية الحديثة، فإن السودان دولة مكتملة الأركان. فالشعب الذي يعيش في إطار الدولة بحدودها الدولية المعروفة موجود، والأرض التي تُمارس عليها السلطة موجودة، والحكومة التي تدير شؤون الدولة، لا يهم هنا كيف تديرها، موجودة، وكذلك الاعتراف الدولي بسيادتها قائم، ولا يهم هنا أيضًا طبيعة هذا الاعتراف ولا قدرة الدولة على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية دون تدخل خارجي. المهم هنا: هل الدولة القائمة الآن تشكلت وتوحدت بناءً على مجموعة قيم ومبادئ سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية وعلمية، طوعًا، أم إن شعبها، أو بالأحرى شعوبها، وجدت نفسها داخل هذه "الرقعة من الأرض" قسرًا، ولا يد لها ولا رأي في هذا الأمر؟
دون الخوض في التاريخ البعيد ولا تفاصيل التاريخ الحديث، فإن الكثيرين يحيلون تشكّل الدولة السودانية الحديثة بصيغتها الراهنة، أو بطبيعتها الحالية، إلى بداية الاستعمار التركي في 1821. وهو قول لا يجافي الحقيقة، ولكنه يقف شاهدًا على الطبيعة القسرية لتوحيد شعوب السودان بما يحقق أهداف المستعمر التوسعية، وليس بما يحقق رغبات تلك الشعوب في الوحدة الطوعية.
ما قبل هذا التاريخ سجّلت مضابط التاريخ حجم الصراعات التي خاضتها الممالك الموجودة على هذه "الرقعة من الأرض"، والتي تشي بتباينات مقدّرة ما يصعّب الحديث عن قدرتها على صياغة عقيدة شاملة لدولة موحدة مستقبلًا دون الوصول إلى صيغة تعايش بالتراضي بينها. وربما أجّلت القدرات القهرية للمستعمر وأبطلت مفعول تلك الصراعات بالقوة الجبرية، لكنها لم تُلغِها، إذ لم يكن من اهتمامات المستعمر البحث في أسبابها ومعالجة جذورها، بقدر ما كان اهتمامه مركزًا على تحقيق أهدافه التي دعته للتوسع جنوبًا، وتحقيق هذه الأهداف كان يتطلب أعلى درجات الاستقرار الأمني والسيطرة.
أحدثت الثورة المهدية تحولًا مهمًا في تاريخ بناء الدولة السودانية الحديثة، فالمهدية خاضت معاركها العسكرية انطلاقًا من الأرض التي وضع المستعمر شعوب السودان "الراهن" داخل حدودها. وبالتالي كان مهمًا جدًا بالنسبة للمهدية حشد تأييد تلك الشعوب لمناصرتها لتشكّل القوة العسكرية الضاربة لمواجهة المستعمر. وكان يمكن للمهدية أن تمثل انطلاقة بناء الدولة السودانية الحديثة وتؤسس لعقيدتها الشاملة لو أنها كسبت تأييد الشعوب السودانية ووحّدتهم بناءً على عقد اجتماعي طوعي، لكنها فشلت في ذلك لأسباب موضوعية تمثلت في عدم استمرارها بعد عودة الاستعمار وانهيار دولتها قبل أن تكمل عقدها الثاني، وكذلك لأسباب ذاتية لعدم قدرتها على كسب كل الشعوب السودانية لصفها ومحاولاتها فرض ذلك بالقوة الجبرية أيضًا.
بطبيعة الحال، جاء المستعمر الإنجليزي ليبسط سيطرته على ذات "الرقعة من الأرض" بالقوة، فيما ظلت الصراعات بين الشعوب "السودانية" في حالة سبات "قهري" مؤجل، بل وضاعف المستعمر هذه المرة من أسباب هذه الصراعات بمحاولاته دق إسفين أعمق بين تلك الشعوب، سعيًا لتحقيق استراتيجياته وأهدافه على المستويين القريب والبعيد. وتوسعت رقعة الاستعمار الإنجليزي ليرسم حدود السودان الدولية الحالية، وتجد تلك الشعوب نفسها وقد اعترف بها العالم في أعلى منظماته الدولية كدولة واحدة ذات سيادة وعلم يمثلها، دون أن يكون هناك مشروع لعقد اجتماعي توحّدت حوله، وبالتالي دولة بلا عقيدة شاملة.