حرب السرديات: لبنان في قلب صراع المخيّلات الإقليمية
13 مارس 2026
صار لبنان أحد أكثر الساحات حساسية في الصراع الجاري. فالمواجهات بين إسرائيل وحزب الله لم تعد محكومة بقواعد الاشتباك التي استقرت بعد حرب تموز عام 2006. فالغارات الإسرائيلية اتسعت لتصل إلى الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في البقاع، وحتى أحياء داخل العاصمة، في إشارة إلى أن الحرب لم تعد تستهدف المواقع العسكرية فقط، بل تحاول أن تمسّ البيئة الاجتماعية التي تحيط بها.
كأن المعركة، في أحد أسوأ وجوهها، تسعى إلى نقل شعور الخطر من حدود الجبهة إلى عمق المجتمع نفسه.
يعكس هذا النمط من العمليات ضغطًا مركبًا، كما يحلو للمحللين تسميته، حيث يجري الجمع بين استهداف القدرات العسكرية للخصم وبين رفع الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للحرب على المناطق التي تشكل قاعدته السياسية.
في النهاية، هي محاولة لتوسيع ميدان المعركة إلى أكبر قدر ممكن، بحيث لا يبقى محصورًا في الجغرافيا العسكرية الضيقة.
في المقابل، يحاول حزب الله إعادة تثبيت المعادلة التي تشكلت بعد حرب 2006، مستندًا إلى مزيج من القدرة العسكرية والتأثير النفسي في الخصم. فالمعادلات في مثل هذه المواجهات لا تُبنى بالقوة المادية وحدها، بل كذلك بالصورة التي ترسمها هذه القوة في ذهن الطرف الآخر، وبالرسالة التي مفادها أن تجاوز خطوط معينة لن يمر من دون كلفة.
ما يغيب عن كثير من التحليلات الحالية هو أن هذه المواجهة ليست صراع صواريخ وجيوش، بل هي أيضًا صراع سرديات ومتخيّلات جماعية. فالحروب لا تُخاض في الميدان وحده، بل في الطريقة التي يتخيل فيها كل طرف نفسه ودوره في التاريخ
ومن هنا تأتي محاولاته المتكررة لإطلاق الصواريخ وتنفيذ عمليات ضد مواقع إسرائيلية، في مسعى لإعادة ترميم هذه الصورة وإثبات أن تهديد العمق الإسرائيلي ما زال قائمًا.
كما أن انخراط إيران المباشر في المواجهة مع إسرائيل يمنح الحزب هامشًا أوسع للمناورة، لأن إسرائيل لم تعد تقاتل على جبهة واحدة، بل باتت مضطرة لتوزيع انتباهها العسكري بين مساحات متعددة من الصراع.
في الجهة الأخرى، تنظر الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، إلى الحرب الحالية بوصفها فرصة لإعادة صياغة المعادلة الأمنية في الشمال، لذا تستغلها من أجل تقليص القدرات العسكرية للحزب ودفع قواته بعيدًا عن الحدود، وربما فرض منطقة خالية من الحياة جنوب نهر الليطاني.
توحي بعض المؤشرات العسكرية بأن هذا الاحتمال ليس مجرد تهديد نظري، فالاستدعاء الواسع لجنود الاحتياط، وخرائط إخلاء قرى الجنوب، والتدمير المتدرج للبنية التحتية والجسور في مناطق مختلفة من لبنان؛ كلها إشارات توحي بأن فكرة التقدم البري نحو الليطاني ما تزال حاضرة في المخيلة العسكرية الإسرائيلية منذ نهاية حرب 2006.
وسط هذا التصعيد، تبدو الدولة اللبنانية في موقع شديد الضعف. فالمؤسسات الرسمية تحاول دفع مسار دبلوماسي لوقف الحرب، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها تحت ضغوط متزايدة لدفعها إلى مواجهة حزب الله أو نزع سلاحه. إلا أن القيادة اللبنانية تدرك أن أي صدام داخلي مع الحزب قد يفتح الأبواب أمام فوضى من الصعب تطويقها، وربما يعيد إيقاظ أشباح الحرب الأهلية في بلد لم يخرج بعد من أزماته الاقتصادية والمؤسساتية العميقة.
ما يغيب عن كثير من التحليلات الحالية هو أن هذه المواجهة ليست صراع صواريخ وجيوش، بل هي أيضًا صراع سرديات ومتخيّلات جماعية. فالحروب لا تُخاض في الميدان وحده، بل في الطريقة التي يتخيل فيها كل طرف نفسه ودوره في التاريخ.
في الحالة الإسرائيلية، يقوم هذا الخيال على صورة كيان صغير جغرافيًا وديموغرافيًا، لكنه مصمم على تعويض محدوديته عبر التفوق العسكري الدائم والانضباط الأمني الصارم.
وفي هذا التصور، تبدو إسرائيل أحيانًا أقرب إلى "سبارطة حديثة"، أي مدينة-دولة مسلّحة، تعيش في حالة تعبئة دائمة، وتبني أمنها من خلال قدرتها المستمرة على الضرب والردع.
في المقابل، تتحرك إيران ضمن خيال مختلف تمامًا هو خيال الدولة-الأمة الواسعة. فإيران، بثقلها الجغرافي والبشري والحضاري، ترى نفسها قوة طبيعية في فضاء إقليمي واسع. ومن هذا المنظور، تبدو الجبهات الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان امتدادًا لمجالها الاستراتيجي، لا مجرد ساحات بعيدة.
أما لبنان، فيقف في مكان مختلف تمامًا. فالمشكلة ليست فقط في ضعف الدولة أو في اختلال موازين القوة، بل في غياب خيال جمعي وطني واضح حول معنى الدولة نفسها. فمنذ إنشاء لبنان الكبير عام 1920، نشأ هذا الكيان بوصفه مساحة تلتقي فيها جماعات متعددة أكثر مما تجسد مشروعًا وطنيًا واحدًا. ومع مرور الزمن، لم تتبلور سردية جامعة تستطيع أن توحد هذه المكونات حول تصور مشترك للدولة وموقعها في العالم.
وهكذا، بينما تتحرك القوى المتصارعة وفق تخيلات كبرى عن الذات والدور التاريخي، يبدو لبنان وكأنه يعيش خارج هذه المخيلة. ليس لأنه بلا تاريخ أو هوية، بل لأن رواياته المتعددة لم تنجح يومًا في أن تتلاقى داخل قصة واحدة.
ولعل هذا ما يجعل السؤال الأعمق في هذه الحرب ليس فقط من سيربح المعركة، إنما أي السرديات هي التي ستنجح في البقاء بعد أن يهدأ الغبار. فالحروب تنتهي عادة على خرائط، لكنها تستمر طويلًا في الذاكرة، وفي القصص التي ترويها الشعوب عن نفسها، وعن الآخرين.