حرب الدولة المصرية على الكتب.. إلى متى سيخنق السيسي معارضيه؟

حرب الدولة المصرية على الكتب.. إلى متى سيخنق السيسي معارضيه؟

تصميم لـ خالد دسوقي/ مصر

هذا المقال المترجم جردة حساب لأبرز ما فعله نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على مستوى قمع الثقافة والمثقفين وحرية الفكر والرأي والنشر. تنتهي السنة الحالية وغول الخوف يكتمل أنفاس الثقافة في مصر، وتلوح تباشير السنة الجديدة مع استمرار تسيّد هذا الغول للمشهد.


كان بإمكان أطفال حي دار السلام الصاخب، بالقاهرة، أن يقضوا بعض الوقت في "مكتبة الكرامة" المقامة بحيّهم. وفّرت لهم المكتبة مهربًا من مشقة حياة العشوائية الملوثة، ومكانًا آمنًا لأداء واجباتهم. إلا أن باب المكتبة الأحمر المتهالك مغلق منذ ما يقارب العام؛ في كانون الأول/ديسمبر الماضي، اقتحمت الشرطة المصرية المكتبة وثلاث مكتبات أخرى بحجة أنها أماكن تحريضية.

في كانون الأول/ديسمبر الماضي، اقتحمت  الشرطة المصرية "مكتبة الكرامة" وثلاث مكتبات أخرى بحجة أنها أماكن تحريضية

يُعتبر هذا الهجوم على المكتبة- غالبًا- ذا صلة بأفعال صاحبها، جمال عيد. جمال عيد هو محام ومدافع عن حقوق الإنسان صاحب صوتٍ عال. بعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011، وضع عيد نقوده الخاصة في مشروع تأسيس المكتبة وخمس فروع أخرى مماثلة وأسماها "الكرامة".

اقرأ/ي أيضًا: مصر الانقلاب.. كوكتيل المنع والفقد

في يوم إغلاق المكتبة منع جمال عيد، وبعض المتطوعين، الأطفالَ الغاضبين من إلقاء الحجارة على الشرطة، وأغلقَ الفروع الثلاثة الأخرى بسبب خوفه من التصعيد المتوقع. ولم يستعِد أو يسترد من الكُتب إلا عددًا قليلًا بعد احتجاز الشرطة لهم.
يمارس جمال عيد نشاطه في الدفاع عن المعتقلين ظلمًا، كواحد من أكثر نشطاء حقوق الإنسان فعالية -وصاحب حساب تويتر قوي يتابعه مليون مستخدم-، ولذلك مُنِعَ من السفر خارج مصر منذ شباط/فبراير الماضي، وتم التحفظ على أمواله. يقول جمال عيد: "إن الدولة معاديةٌ لحقوق الإنسان، وبالتبعية لأي صوت مستقل، ويمكنني تفهُم هذا المنطق، إلا أن ما أحبطني فعلًا هو استهداف المكتبات التي تخدم آلاف الأطفال."
وُطِّد هذا المنطلق من أركان النظام القمعي للرئيس العسكري عبدالفتاح السيسي، الذي أطاح بالرئيس الإسلامي محمد مرسي في 2013. في البداية، وعد السيسي بالاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي، إلا أن هذه الوعود بقيت بلا تفعيل، فيما تشير الشواهد إلى انخفاض شعبيته بنسبه 14% بعد رفعه الدعم وارتفاع نسبة التضخم بشكلٍ غير مسبوق.

وباقتراب الانتخابات الرئاسية في 2018، لجأ السيسي إلى تكميم المعارضة، وتعبئة الأذرع الأمنية ليضمن تمرير الانتخابات دون معارضة. استغل السيسي نفوذ أجهزته الأمنية ليفرض قيودًا صارمةً على المعارضين السياسيين، لا سيما الإخوان المسلمين، ما بقي في السلطة. بينما يرى المحللون أنه ما استمر في التركيز على القمع بدلًا من دفع الاقتصاد فإن مصر ستنفجر أو تنهار حتمًا لا محالة.

ما استمر السيسي في التركيز على القمع بدلًا من دفع الاقتصاد فإن مصر ستنفجر أو تنهار حتمًا لا محالة.

وحتى بمقاييس النظام القمعية، فإن تشرين الثاني/نوفمبر كان شهرًا مستحيلًا غريبًا.

المطربة شيرين عبد الوهاب سوف تمثل أمام المحكمة في كانون الأول/ديسمبر الجاري لإلقائها مزحةً حول تلوث نهر النيل. كما منعت السلطات عرض فيلم "حادثة النايل هيلتون" في مهرجانٍ محلي. الفيلم الحائز على جائزة "صن دانس" يروي حكاية مقتل مطرب بملهىٍ ليلي بفندق النايل هيلتون، ويخوض في فساد النخبة السياسية الحاكمة بالقاهرة. ولم تُعلق إدارة المهرجان حول منع العرض سوى بعبارة "ظروف خارجة عن إرادتنا"،  وقبل أسبوعٍ واحد اقتحم البوليس مسرحًا فنيًا أثناء عرضه للفيلم.

اقرأ/ي أيضًا: نوال السعداوي.. ممنوعة في الخامسة والثمانين!

لكن شيئًا لا يزعج السلطات الحاكمة بقدر الكلمات المكتوبة، فقد  ضمت سلسلة الحظر والإغلاق الأخيرة مئات المواقع الإلكترونية.

يقول خالد فهمي، أستاذ التاريخ البارز بالشرق الأوسط، والمحاضر في جامعة كامبريدج، إن ما حدث يعد إنذارًا وشيكًا بحدوث أزمةٍ، فإن قانون الطوارئ المصري حوّل نشاطًا بسيطًا كالقراءة إلى ممارسة خطيرة. ويضيف:" حرية الصحافة وتداول المعلومات مكون أساسي من أي نظام ديمقراطي. إلا أن الحكومة وقطاع واسع من المجتمع لا يراها على هذا الوجه، بل يصنفها على النقيض تمامًا، ويبررون ذلك بأن الأزمات تقتضي أن نكون يدًا واحدة، أي صوتًا واحدًا". 
في الثالث والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، واجه جمال عبد الحكيم، ناشط سياسي يساري، حكمًا بالسجن خمس سنوات، بموجب قانون مكافحة الإرهاب، لحيازته كتاب كارل ماركس Value, Price and Profit. وقبل أيام، في التاسع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر، هاجمت قوات الشرطة "دار ميريت للنشر والتوزيع" في وسط القاهرة، التي تُمكِّن صِغار الكتاب وتمثل ملجأ للثوار، كما اعتقلت متطوعًا، ووجهت له تهمة حيازة، وبيع كتب غير مرخصة. وكان هذا آخر الحلقات في سلسلة الهجوم على المكتبات ومعارض الكتب في الشهور الآخيرة. وطال الإغلاق مكتبة أخرى ذات توجه يساري في تشرين الثاني/نوفمبر، وهي "مكتبة البلد". وتم التحفظ على سلسلة مكتبات "ألف"، وتجميد أصولها لمزاعم الاشتباه في صاحبها حول صلاتٍ تربطه بالإخوان المسلمين.
قدمت مصر نسخة مستساغة ومحافظةً من الإسلام، تحت حكام مختلفين، يتقبلها العامة. يفضل السيسي الإسلاميين المحافظين الذين يمكنهم التحكم بالمعارضين الدينيين وكذلك العلمانيين -لا سيما الكُتاب- ممن يستطيعون تهديد حكمه. تحالف مع السلفيين لإنجاز أهداف سياسية قصيرة المدى، في نفس الوقت الذي قرع فيه طبول الحرب على المتمردين في سيناء. وفي القلب من تعامل السيسي مع الإسلام تقبع المراقبة الدائمة، فقد اعتقل الآلاف من الشباب والمعارضين خلاف معتقلي الإخوان المسلمين. وأوقعت هجماته الشديدة ما يزيد عن 40 ألف سجين في شِراكها، من مختلف التيارات السياسية. وفي عُرف العقلية الأمنية لنظام السيسي؛ فإن الكتاب والمعارضين يمثلون تهديدًا كبيرًا، كونهم يملكون المقدرة أن يجعلوا السواد الأعظم من الناس يشككون في سياساته.

في عُرف العقلية الأمنية لنظام السيسي؛ فإن الكتاب والمعارضين يمثلون تهديدًا كبيرًا

تقول سهير المصادفة، رئيس مشروع النشر والثقافة في "الهيئة العامة للكتاب":" يجب عليّ التأكد أن الكتب التي أنشرها خالية من الأفكار التي تدعو إلى التشدد". ونفت المصادفة ازدياد الرقابة في مصر، وفي المقابل احتفت بالتراث الأدبي المصري بالمقارنة مع الكُتاب الشباب هذه الأيام. وأضافت: "أنا ضد نشر أي كتب مسؤولة عن اللحظة الحضارية المتداعية التي نشهدها الآن، إن هذه الكتب مكانها الرصيف."

اقرأ/ي أيضًا: بعد عام من السجن.. أحمد ناجي يتحدث

أحمد ناجي، روائي مصري، نشر فصول من روايته "استخدام الحياة" في الجريدة الحكومية التي كان يعمل بها في آب/أغسطس 2014. واعتبرت الرواية إباحية بما يكفي أن تزج به في السجن في 2016، مثيرة ذعرًا أخلاقيًا حول استخدامه المفرط للألفاظ الجنسية. أمضى ناجي عامًا في السجن (بتهمة خدش الحياء العام)؛ لروايته المنتمية لنمط الديستوبيا الإيروتيكي، والتي تنضح بالجنس والسخرية في إطار من عدم المبالاة، ما يشبهه تمامًا. يقول ناجي-ساخرًا- بعد إطلاق سراحه "ربما احتجزوني لأني حثالةٌ إباحية"، يعيش ناجي في إحباط بينما مازال يواجه حكم بالمنع من السفر لمدة عامين.

يرى فهمي-متفائلًا- أن المرحلة القمعية الحالية تخلق مساحات متزايدة من المقاومة والنقد، "تزداد النظرة النقدية الفاحصة  للكتب عن السابق، ربما لم تتسع رقعة القراء العامة لكنها بالفعل قد تعمقت."

اقرأ/ي أيضًا:

جمهورية نوادي الأدب.. تتويج الفشل

الثقافة.. السياسة.. الثورة