"حرب" الجولاني وحراس الدين في الشمال السوري.. تفكيك القاعدة أم إعادة إنتاجها؟!

مقاتلون من هيئة تحرير الشام خلال تدريبات (Getty)

لا تبدو العلاقة اليوم بين تنظيم "هيئة تحرير الشام"، جبهة النصرة سابقًا، وتنظيم "حرّاس الدين"، المنشق عن التنظيم الأوّل، كما كانت عليه في الفترة السابقة، أي تلك التي أعلنت قيادة الأخير عن ولادته كفرعٍ للقاعدة في الشمال السوريّ.

لا يتعدّى الاتفاق بين "هيئة تحرير الشام" و"حرّاس الدين"  كونه اتفاقًا شكليًا كتلك الاتفاقات التي كانت توقّع بين الهيئة وفصائل الجيش الحر

إذ يسود العلاقة بين الطرفين توتّر غير مسبوق نتيجة ذهاب تحرير الشام في مشروعٍ مُغاير عن ذلك التي تبنّته سابقًا، والتقرّب من الجانب التركيّ، والتخفف من الأيديولوجية الجهادية وتبنّي خطاب قريب من الخطاب المدني، ولو في الظاهر فقط.

في هذا الوقت، يحاول البعض ممن يملك علاقة طيّبة مع الطرفين احتواء التوتر الحاصل، والتخفيف من حدّة نبرة الخطاب بينهما، وإقامة صلحٍ طويل الأمد يضمن عدم ذهاب التنظيمين إلى إحداث المزيد من الانشقاقات في التيار السلفي الجهادي.

اقرأ/ي أيضًا: إمارة الجولاني بتوقيت إدلب

وقعت المواجهة العسكرية الأولى بين الطرفين بداية شهر شباط/فبراير المنصرم، بعد حربٍ إعلامية وتبادل للاتّهامات بين الطرفين بالانحراف عن المشروع الإسلامي الجهادي، وتخريبه، والحدّ أو منع الجهاديين من العمل للأهداف التي جاؤوا لأجل تنفيذها، قبل أن يتمّ التوصّل إلى اتفاقٍ سريعٍ بين قيادة التنظيمين، مُنع "حرّاس الدين" بموجبه من القيام بأي عملٍ دون الرجوع إلى وزارة العدل في حكومة الإنقاذ، أي الحصول على الموافقة من الجولاني نفسه أوّلًا.

جدير بالذكر في هذا السياق أنّ "حرّاس الدين" الذي كان من بادر بالمواجهة العسكرية، كان أيضًا السبّاق إلى التهدئة بعد أن استشعر خطر الدخول في مواجهةٍ عسكرية كبيرة مع تحرير الشام، قد تخرج بنتائج غير محمودة العواقب.

 قد لا يتعدّى الاتفاق بين الطرفين كونه اتفاقًا شكليًا كتلك التي كانت توقّع بين الهيئة وفصائل الجيش الحر، قبل أن تنقلب الأولى عليها في الوقت المناسب لها. ولذلك، يتحرّك "حرّاس الدين" اليوم بحذر، محاولًا رصّ الصفوف أكثر من أي وقتٍ مضى، وجذب المزيد من المقاتلين الأجانب الذين سقطوا من أجندة الجولاني ولم يعد لبقائهم في صف تنظيمه أي فائدةٍ، بل تحوّلوا إلى عبءٍ يثقل كاهل الأخير. هكذا، يكون اندلاع معركة بين الطرفين، قريبًا، احتمالًا وارد الحدوث، وإن بدا الواقع عكس ذلك.

"حرّاس الدين" وتجديد روح القاعدة

وقع تنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري في مأزقٍ كبير وضع مكانته في المشهد الجهادي العالميّ على المحك بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، والذي تفوّق عليه رغم هزيمته مؤخّرًا. وكذلك بعد الاقتتال بين جبهة النصرة وتنظيم الدولة، وانقسام التيار السلفي الجهادي إثر ذلك إلى عدّة معسكرات توزّعت بين الظواهري والبغدادي. وإن رجحت الكفة للأوّل لجهة وقوف غالبية منظّري التيار في صفّه ضدّ داعش، إلّا أن الأخير تمكّن من تجاوز ذلك عبر السيطرة على مساحاتٍ واسعة من سوريا والعراق، وجذب المقاتلين الأجانب، وأخذ البيعات في مصر وليبيا وغيرها من الدول العربية والغربية.

مثّل ظهور تنظيم الدولة بقيادة البغدادي إذًا الضربة الأولى للقاعدة، والتي حاولت تجاوز الأمر من خلال التركيز أكثر على المشهد السوريّ بعد أن حصلت على تمثيلٍ أكثر واقعية فيه مما سبق، من خلال النصرة والجولاني الذي بايع القاعدة والظواهري بيعةً عامة، وأخذ على عاتقه محاربة البغدادي، قائده السابق. ولكنّ الأمر لم يدم طويلًا، إذ وجه الجولاني فيما بعد الضربة الثانية للقاعدة بإعلانه فكّ الارتباط بها بشكلٍ كامل ونهائي، مُعلنًا بذلك نهاية أي وجودٍ لها في الساحة السورية، الأمر الذي أعاد خلط الأوراق في صف التنظيم الجهادي الأكثر انتشارًا عالميًا.


أبو محمد الجولاني (أ ب)

حمل إعلان الجولاني إلى جانب فك الارتباط بالقاعدة رسائل أخرى، تمثّلت في استمراره في إحداث الانقسامات والانشقاقات في صفّ القاعدة والتيار الجهادي بشكلٍ عام، وطرح تنظيمه، سوريًّا، بديلٍا عنها وإن بصورةٍ أقل تشدّدًا كما يروّج.

أدركت القيادة المركزية للقاعدة في أفغانستان خطورة الموقف، ونتائج انزوائها إلى الظل أمام فصائل وتنظيمات خرجت من رحمها، فكان لا بدّ من إعادة ترتيب أوراقها من جديد، أقلّ ما في الأمر لحفظ ماء وجهها، مستندةً في ذلك إلى الانشقاقات التي عصفت لمدّة قصيرة بتنظيم الجولاني بعد فكّه رسميًا الارتباط بالقاعدة.

حمل إعلان الجولاني فكه الارتباط بالقاعدة رسائل أخرى، تمثّلت في استمراره في إحداث الانقسامات والانشقاقات في صفّ القاعدة والتيار الجهادي

بعد مشاورات وأخذ وردّ بين القياديين المنشقّين عن النصرة وقيادة القاعدة، تقرّر الإعلان عن تشكيل فرعٍ جديد لها في سوريا أواخر شهر شباط/فبراير من العام المنصرم، تحت اسم "حرّاس الدين"، بقيادة سمير حجازي الملقّب بأبو همّام الشامي، ومجلس شورى مكوّن من أبو جليبيب الأردني "إياد الطوباسي"، وبلال خريسات "أبو خديجة الأردني"، والشرعي السابق للنصرة سامي العريدي "أبو محمود الشامي"، وخالد العاروري "أبو القسام الأردني".

اقرأ/ي أيضًا: هل سيخلع الجولاني العمامة حقًّا؟

حدّدت قيادة الفرع الجديد للقاعدة في الشمال السوريّ المحرّر أهدافها بمواصلة الجهاد ضدّ النظام دون الالتفات إلى الاتفاقات بين القوى الإقليمية، تركيا تحديدًا. وأعلنت رفضها لكلّ من اتفاق أستانة ومن بعد ذلك اتفاق سوتشي الذي رفضت العمل به أو تطبيق بنوده. وأكّدت القيادة مواصلة عمل التنظيم على استهداف العدو القريب والبعيد في آن معًا. بذلك، ضمن التنظيم شرعية جهادية من معظم منظّري التيار السلفي الجهادي، وحظي بدعمٍ وتمويل مباشرٍ من القاعدة، واستقطب عددًا كبيرًا من المقاتلين الأجانب الذي يعمل الجولاني على التخلّص منهم، بالقتل أو الاعتقال.

الجولاني ولعبة الاستفادة من "حرّاس الدين"

يعرف أبو محمد الجولاني أنّ تنظيم حرّاس الدين لن يصل إلى نقطةٍ تتجاوز اعتباره تجمّعًا ومركزًا للجهاديين الموالين والمبايعين لتنظيم القاعدة وزعيمها في الشمال السوريّ المحرّر. يبعثُ اعتقاد كهذا الطمأنينة في نفس الرجل الذي يسعى لابتلاع كلّ ما يُمكن ابتلاعه في المناطق الشمالية الخارجة عن سيطرة النظام. ومن الممكن القول إنّ جزءًا من هذه الطمأنينة تأتي من إدراك الجولاني المُسبق بأنّ قوّة حرّاس الدين، مهما نَمَت وتوسّعت، فإنّ ذلك لن يعود عليها بأيّ فائدة، بقدر ما يُلحق بها الضرر، في الوقت الذي لن يستفيد من تنامي قوّة التنظيم هذه أي أحد سواه، أي الجولاني وتنظيمه فقط، دون الآخرين.

قيادة "حرّاس الدين" كانت قد وضعت، منذ الإعلان عن ولادة التنظيم، استراتيجيات سياسية وعسكرية من المؤكّد أنّها باتت، في الوقت الراهن، بعيدةً كلّ البعد عن استراتيجيات تنظيم "هيئة تحرير الشام". جزء من هذه الاستراتيجيات أو السياسات الجديدة ليست إلّا إعادة تطبيق للسياسات الكلاسيكية لتنظيم القاعدة. ومن المؤكّد أنّ أهمّ ما ورد فيها بالنسبة للجولاني، هو إعادة تفعيل "حرّاس الدين" لسياسات قتال العدوَّيَن في الآن ذاته، أي البعيد المتمثّل في الغرب، والقريب المحلّي. ومما لا شكّ فيه أنّ الدور الذي تسعى قيادة الحرّاس لأن تلعبهُ في الشمال المحرّر الواقع تحت سيطرة النفوذ التركيّ، هو أن تتحوّل إلى صداعٍ أمنيّ يؤرّق الأتراك ويزعزع استقرار المنطقة من خلال عملياتٍ استفزازية لن يكون أقلّها القيام بتفجيرات وهجمات انتحارية.


عناصر من جبهة النصرة (رويترز)

في البحث عن المستفيد من زعزعة استقرار مناطق خفض التصعيد، عدا عن النظام طبعًا، لن نجد أحدًا باستثناء الجولاني مرّةً أخرى، آخذين بعين الاعتبار أنّ أهداف ومخطّطات "حرّاس الدين" الجديدة تصبّ دون شك في مصلحة مشروعه الجديد للشمال السوري، بين تمكين حكومة الإنقاذ كإدارة مدنية، وإنشاء جسم عسكري يجمعه بما تبقّى من فصائل معتدلة منهكة على الصعيدين العسكري والمادّي. وبدا أنّ الجولاني يعوّل مؤخّرًا على فكرة أنّ "حرّاس الدين" سيكون هدفًا للدول الضامنة لمناطق خفض التصعيد، وأنّ من بين الفصائل المتواجدة في إدلب، لن يكون هناك أي فصيلٍ قادرٍ على إنهاء الحرّاس وكلّ تنظيمات القاعدة الصغيرة إلّا تنظيمه، أي "هيئة تحرير الشام".

في البحث عن المستفيد من زعزعة استقرار مناطق خفض التصعيد، عدا عن النظام طبعًا، لن نجد أحدًا باستثناء الجولاني مرّةً أخرى

إنهاء الجولاني لـ "حرّاس الدين" إن لزم الأمر، وفي حساباته المعقّدة دائمًا، سيقرّبه من الأتراك بفعل المساهمة في حفظ استقرار المنطقة، وقطع الطريق على أي تدخّلاتٍ محتملة من قبل النظام والروس إن تمادى وتمرّد التنظيم المرتبط بالقاعدة. ولا يُمكن، من جانبٍ آخر، وصف إنهاء الجولاني لتنظيم "حرّاس الدين" بمجرّد إبعاد فصيلٍ منافسٍ له من المشهد. للأمر دون شك رمزية يسعى مبعوث البغدادي السابق لأن يحقّقها، وتتمثّل في فكرة أنّ إنهاء التنظيم الإرهابي هو، في واقع الأمر، إنهاء صريح للتواجد العسكري للقاعدة في المناطق المحرّرة. أي إنهاء تواجد التنظيم الذي كان الجولاني يُحسب عليه قبلًا، قبل أن يفكّ ارتباطه به، وينقلب عليه سعيًا لأن ينفي تهمة تمثيله في المشهد السوريّ أمام القوى الإقليمية، ومن أجل تسيّد المشهد في الشمال. وبما أنّ الجميع يشير إلى مواجهاتٍ عسكرية قريبة بين التنظيمين، من المؤكّد أنّ المعركة ستكون إعادة تكرار لنموذج اقتتال داعش – النصرة قبل عدّة سنوات.

يترك أبو محمد الجولاني تنظيم "حرّاس الدين" يعمل وينشط دون مضايقات أو تقييدات، وبهذا الحجم من الحرية، لهذه الأسباب إذًا، أي المذكورة أعلاه. وبانتظار نضوج ما يعدّه التنظيم، يبدو الجولاني منهمكًا لا في ترتيب بيته الداخلي كما جرت العادة بعد كلّ انشقاق يحدث في صفوف تنظيمه بفعل تقلّب مواقف الأخير وتبديل جلده، أو في احتواء ما يظهر من تناقضاتٍ تهدِّد تماسكه بعد التحوّل من حالٍ إلى أخرى، وإنّما في تطهير دوائر "تحرير الشام" من الوجوه المتشدّدة، ممن يخالفونه الرأي، ويقفون حجر عثرة في طريق مشاريعه. ويعرف الجولاني جيدًا أن لا وجهة لمن يخرج عن تنظيمه سوى "حرّاس الدين"، باعتباره لا البديل الوحيد فقط، وإنّما التنظيم الذي يشتغل على ما بات محظورًا في "تحرير الشام". وبالتالي، من الممكن القول إنّ "حرّاس الدين" سهّل على الجولاني التخلّص من معارضيه دون شك، وذلك من خلال توفيره بيئةً من المؤكّد أنّها الأكثر قربًا من توجّهاتهم وتطلعاتهم لمشهد الجهاد، ما يجعل الجولاني أكثر تخفّفًا من إرث وفكر القاعدة، في الوقت الذي تتكرّس فيه مقولات أنّ من يمثّل الأخيرة اليوم في المشهد السوريّ هو "حرّاس الدين"، وليس الجولاني وتحرير الشام.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجولاني ينفصل عن القاعدة: إلى أين؟

"جبهة النصرة"... داخل تنظيم "القاعدة" أم خارجه؟