حرب التكنولوجيا الباردة

حرب التكنولوجيا الباردة

الحرب طويلة (دافيد ماكنيو/Getty)

تلوح في الأفق بوادر لنشوب حرب أمريكية روسية. فالتصريحات الأمريكية المتلاحقة التي تبدي تخوفًا من انتشار الغواصات الحربية الروسية في البحار والمحيطات القريبة من كابلات الاتصالات العالمية (الواقعة في المحيط الأطلسي)، وارتباط هذه التصريحات بنوايا أمريكية بنشر سفنها الحربية في المنطقة لا تبدو مجرد تخوفات وتهيؤات ذات نوايا سلمية.  وفي حين تدعي أمريكا أنها تريد أن تنشر قواعد لها في سورية لأغراض لا عسكرية، بل بغية ضمان الحل السياسي السلمي في المنطقة بعد القضاء على البعبع الإرهابي الجديد "داعش"، فإن أمريكا لا تستطيع الإدعاء أن القواعد البحرية التي تسعى لإنشائها في حوض المتوسط بأنها قواعد تحمل صبغة "اللا عسكرية" أيضًا، ويبدو أنها تتذرع بحجة اقتراب القواعد الروسية من كابلات الاتصالات والنفوذ الأمريكي التقني الذي يحقق الرخاء والرفاهية للعالم لبسط نفوذ عسكري لها في المنطقة، بالتزامن مع إنشاء قواعد سلمية لها في سورية (حيث تعهد أوباما بعدم تدخل القوات الأمريكية بالنزاع العسكري).

هل أمريكا حقًا تتخوف من فقدانها لسيطرتها التقنية على العالم؟

ولكن انتشار القواعد الأمريكية على الأرض وفي البحر ضمن نطاق المتوسط، وبالتزامن مع الانتشار العسكري الروسي في المنطقة يشير إلى أن المنطقة قد تتحول في المستقبل القريب لساحة نزاع روسي أمريكي. قد يجد البعض أن هذه التحليلات سابقة لأوانها، وبأن التخوف المتأصل في اللا شعور الجمعي من نشوب حرب عالمية ثالثة هو ما يدفعنا لتهويل الوقائع. ولمَ لا نؤمن بشرعية دفاع أمريكا عن قواعدها التقنية التي تتحكم من خلالها بالعالم في تكوينه الجديد.

ما الذي صرحت به أمريكا؟ صرح الكوماندوز "وليام ماركس" المتحدث باسم البحرية الامريكية أن الأخبار الواردة عن عبث بعض الدول بكابلات الاتصالات أمر مثير للخوف والقلق. ولكن بسبب سرية عمليات غوص الغواصات فإنه يجدر بنا عدم الخوض في نقاش بعض الأمور! بالإضافة إلى أنه وبحسب تقارير أمريكية كشفت عن قرب سفن تجسس روسية مزودة بغواصات ذاتية الدفع. ومن جهتها نفت المتحدثة باسم الخارجية الروسية زاخاروفا وجود أي نشاط عدائي تمارسه روسية تجاه كابلات الاتصالات، وردت بسخرية على المخاوف الأمريكية من خلال حسابها على موقع الفيسبوك الأمريكي!

وكثرت بعدها الأقاويل والتكهنات حول الموضوع هنا وهناك.

وهنا لا بد لنا من طرح التساؤل التالي: هل أمريكا حقًا تتخوف من فقدانها لسيطرتها التقنية على العالم؟ وهل روسيا فعلًا تسعى لاحتلال مكانة أمريكا التقنية في عالم الاتصالات؟ وهل من الممكن أن تكون الكابلات الأمريكية مستهدفة حقًا؟

إقرأ/ي أيضًا: اقتصاد الشركات يتجاوز اقتصادات الدول

لا يمكن فهم هذه المسألة دون إدراك أبعادها الاقتصادية، فالأرباح التي تجنيها المواقع الأمريكية سنويًا تفسر هذه التخوفات، فموقع فيس بوك وحده قُدرت أرباحه في عام 2014 بـ 2,9 مليار دولار أمريكي، عداك عن الإنستغرام وتويتر واليوتيوب وإلى ما ذلك من المواقع التي تحقق أرباحًا خيالية كل عام. إن هذه الأرقام تجعل من تخوفات أمريكا من تموضع الغواصات الروسية بالقرب من كابلات الإنترنت أمرًا طبيعيًا، ولاسيما أن روسيا تتربع عرش الدول المقاطعة للهيمنة الأمريكية في عالم الاتصال التقني، فموقع فيكانتاكت الشبيه للفيسبوك والمنافس له هو موقع روسي، ودعم روسيا لهذه الموقع وغيره (كموقع أدنا كلاسنيك) يدل بشكل واضح على طموح روسيا ببسط نفوذها التقني، وليس بعيدًا عن المنطق أن تتداخل المطامع الاقتصادية بالحروب السياسية والعسكرية. وخصوصًا أن الأرباح التي تجنيها المواقع الإلكترونية تتزايد كل عام، وقد تصبح هذه المواقع مصدرًا للأموال أهم من البترول بعد حين!

هل روسيا فعلًا تسعى لاحتلال مكانة أمريكا التقنية في عالم الاتصالات؟

وحتى وإن بدت القراءة الاقتصادية للوقائع مقنعة وقادرة على تبرير المخاوف الأمريكية، ولكن يبقى التخوف الأمريكي من انهيار العالم الافتراضي الذي تحكمه غير منطقي، فارتباط البشر بهذه المواقع اجتماعيًا وعاطفيًا وحتى لغويًا يجعل من السخرية الروسية في محلها أيضًا. ولا يبدو جائزًا أن ينهار العالم الافتراضي الذي نعيشه فجأة، وحتى إن توقفت بعض هذه المواقع بسبب أعطال تقنية، فمن غير الجائز أن ينحو العالم نحو البدائل الروسية!

وإذا ما أردنا أن نتجاهل وجهتي النظر (الأمريكية والروسية) وحاولنا قراءة الواقع قراءة موضوعية، فإن اللافت للنظر في هذه الحادثة حقًا هو المكانة التي باتت تحتلها العوالم الافتراضية والتقنية سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا. والنزاع الروسي – الأمريكي ليس جديدًا ولا غريبًا عن الساحة الإعلامية، ولكن الغريب أن تحاول القوى العظمى في العالم وضع حدود للعالم الافتراضي!

إقرأ/ي أيضًا: التقدم التكنولوجي يقتل المنتجات في سن مبكرة