حرب الإبادات الآتية

حرب الإبادات الآتية

فيروس كورونا متفش ويتمدد (Getty)

في مطلع التسعينات كانت بقع العنف في العالم تتسع. الجميع تقريبًا يعرف سردية فوكوياما، ويعرف أيضًا إعادة إنتاج عدو آخر للحضارة. عندما يرد مصطلح "التسعينات"، فإن أول ما يحضر إلى الذاكرة، نهاية التاريخ، سقوط الجدار، الحرب الباردة، إلخ. قلما من يتذكر ما حلّ بالبوسنة والهرسك، أو مجازر الهوتو والتوتسي في راوندا، أو الانتفاضات الفلسطينية المتكررة. في مطلع الألفية، سيقول الجميع 11 أيلول، ثم "حرب العراق". بالكاد سيتذكر أحد مئات آلاف القتلى في أفغانستان. يندر أيضًا أن يستخدم أحد ما المصطلح الصحيح: غزو أفغانستان، غزو العراق.

كورونا إنذار متأخر للعالم. حتى الآن، وحتى بعد اكتشاف اللقاح، سيبقى الفيروس سلاحًا بيد الشركات المنتجة، التي لا تعمل لوجه الله. ستحتكر وتربح. والفيروس متفشٍ ويتمدد

لا يحتاج المرء لكثير من الجهد ليكتشف أن توقعًا نجا من بين سلسلة توقعات فاشلة عن شكل العالم بعد ثلاثين عامًا على نهاية الحرب البادرة: ازدياد الأسلحة وتفشيها. لم نعد نتحدث عن مدافع محمد الفاتح، التي شكّلت نقطة تحول في التاريخ لقضائها على "مدن الأسوار"، ولا عن الغواصات الألمانية التي غمزت نيويورك من قعر المحيط الهادئ. نتحدث عما هو أفتك. طفرة بيولوجية وكيميائية، وطبعًا نووية. في هذه الظروف، لماذا لا يكون الفيروس سلاحًا علنيًا في يد محتكري اللقاح؟ دعكم من هذا التشاؤم أيها الطيّبون. كورونا أشبه بانفلونزا متطورة (حسب مذيعة محلية على راديو لبناني). لا داعي للهلع.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا في "حمى" نظام الأسد.. إجراءات مسرحية في الوقت الضائع

كورونا إنذار متأخر للعالم. حتى الآن، وحتى بعد اكتشاف اللقاح، سيبقى الفيروس سلاحًا بيد الشركات المنتجة، التي لا تعمل لوجه الله. ستحتكر وتربح. والفيروس متفشٍ ويتمدد. انتقاد شركات الأدوية ليس واردًا، والاعتراض على النظام العالمي الذي يجعل حيوات معظم سكان الكرة الأرضية مرهونة بأرباح الشركات، لن يكون واردًا أيضًا. مثل "الكليشيه" الشهير عن شركات القمح التي ترمي محصولها في بحر، هناك كليشيه أقل شهرة عن شركات الأدوية التي قد تحتكر الدواء في المستودعات. لا تتفاءلوا كثيرًا باللقاح. في منتصف السبعينات، احتجزت 4 شركات أدوية لقاحات مرض إنفلونزا الخنازير، ورفضت بيعه لأقوى دولة في العالم. اضطر الأمريكيون للدفع للشركات. كانت النتيجة كارثية أيضًا، وكان للقاح أعراض جانبية رهيبة. بمعنى ما، الفيروس واللقاح، يشكلان ثنائية متضادة في وعي العاديين.  لكن، بالنسبة للمحتكرين، الفيروس واللقاح، يشكلان معًا سلاحًا متكاملًا. تفشي الأول مشروط باحتكار الثاني.

قد نضيف ردحًا من العرض عن الأخلاق. لكن تذكر "ايبولا" قد يوفر ثقل العرض. يكفي تذكر وفاة الآلاف. هناك فوارق طبية بين كورونا وايبولا، لكن الفارق الأساسي جيوسياسي. ايبولا كان أفريقيًا بالدرجة الأولى. وكان الفيروس خبيثًا كما تردد منظمات الصحة والأطباء، لكنه كان سلاحًا استعماريًا أيضًا. عدوانية الإمبراطورية تجعل استخدام الفيروسات كسلاح أمرًا متوقعًا. وظيفة التوسع هي التوسع. وما ينتجه التوسع هو الموت. وإذا استطاع الغزاة في حروبهم دائمًا إنتاج خطاب مهيمن، استطاع في كثير من الأحيان تصوير الغزو والاحتلال كعمل أخلاقي وإنقاذي، في محاكاة تعود جذورها إلى الروح التبشيرية، فلماذا لا يستطيع استخدام أسلحة فيروسية.

ليس ضروريًا أن تستخدم هذه الأسلحة بالقتل المباشر، بل بالابتزاز والانتقال البطيء، واحتكار اللقاحات. يمكننا تخيّل جيش من المثقفين الكمبرادوريين، الذين سينشطون للدفاع عن "النظام العالمي".  طبقة من زنوج المنازل، التي قد تحظى بوظائف أكثر حساسية، في حرب إبادات، تبدأ مهامهما بانتقاد شعوب الجنوب، ولا تنتهي بالدعوات للاستسلام لأحقر شركة متعددة الجنسيات. في حرب إبادات -متخيّلة حتى الآن- لن يكون النظر مسليًا إلى الذين تقتصر وظيفتهم على تجاهل الحقائق، والترويج لسرديات يحب المركز سماعها. والجميع قد يقع في هذا الخطأ في مرحلة ما من عمره، لقوة "الماينستريم" وشدة تأثيره. أن يعجب بالنظام العالمي، وأن يعجب بفتنة المركز. لكن أن يستمر الأمر إلى مرحلة متقدمة من العمر والتأثير، فهذا ليس أمرًا جيدًا.

على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن ملاحظة هذا الذباب اليوم، هو يحوم حول "كورونا"، منتقدًا وصول الفيروس إلى الغرب، كأن تفشيه في أماكن أخرى لن يلحق ضررًا بالبشرية. بالتأكيد سينشط هؤلاء في حرب إبادات. وهذا ليس سيناريو مستوحى من شريط بائس لكريستوفر نولن، ولا إفراط في الحذر من "البوست كولونيالية"، بقدر ما أنه تصور لا يستطيع العقل المرعوب من تفشي الإبادات حوله إنتاج ما هو أكثر رومنسية منه، من إدلب وصولًا إلى الحدود الأمريكية – المكسيكية.

هؤلاء موجودون في حالات الحرب العادية. تتلخص مهامهم بالترويج للسرديات الغازية، وإقناع الناس بأن قصف بلادهم وتدمير بيوتها هو ضرورة لا مفر منها، وأن الأخلاق تقتضي ذلك. إذا كان هؤلاء موجودين الآن فلماذا لا يكونوا موجودين في حرب "جرثومية". وقد يخرجون بأفكار ليست جرثومية بحد ذاتها بقدر ترويجها لهذا السلاح المقبل، طالما أن حيوات الناس ليست متساوية، والمعايير موجودة تحت ركام منازل الفلسطينيين المهدومة فوق رؤوس أصحابها. قد يقولون "من حق إسرائيل أن تحتكر اللقاح، فهي التي صنعته". الخيال مجاني، والمفارقة أنه في حالتنا، أثر الكولونيالية أكثر خصوبة من الخيال في مجال العنف تحديدًا.

صحيح أن الإمبراطورية ماتت لكن بشكلها القديم بعد الحرب العالمية الثانية. صرف بعض الوقت لشرح تمثيلاتها الجديدة ليس ضروريًا، مثلما أن الإشارة إلى الشمس بالإصبع للاستدلال إلى الضوء فعل مبالغ فيه. هناك أشكال كثيرة من المعرفة والتي أنتجت وتنتج اليوم حول "كورونا"، مثلما أنتجت أشكال أخرى من المعرفة حول "ايبولا" وحول "سارس"، وحول من "يستحق" أن يمرض، ومن "لا يستحق" أن يصيبه المرض. هناك من يقول أيضًا إن "عدد الصينيين كبير"، فيفترض أنه لا مانع من موتهم. وهناك من يستغرب كيف لم يصل الفيروس بعد إلى أفريقيا، حيث يمكن أن يبقى لوقت طويل هناك، فيموت الناس، ويمكن للعالم أن يمارس النكران، ثم ينبح ككلب خلف "المنظمات الإنسانية".

اقرأ/ي أيضًا: فيروس كورونا في لبنان.. أزمة "حكومة مواجهة الأزمات"

لسنا في عالم "طبيعي"، بل هناك شروط وحسابات. حسب المهيمنين، هناك توزيع دائم للحقوق في الحياة، كما أن هناك توزيع لجودة الحياة ونوعيتها. في هذه الأجواء، لماذا لا يتم الترويج لاحقًا، وبصراحة، لأفكار من نوع أن هناك أشخاص "لا يستحقون الحياة"، أو يستحقون نوعية "محددة" من الحياة. ربما خلف قضبان في غزة، أو في خيم كما في إدلب، أو ربما مطاردين في الغابات كما في البرازيل. قد تستخدم ضدّهم نسخ جرعات متطورة من الكورونا. من يعلم ما الذي قد يخطر برأس بولسونارو وهو ينظر بحنق وكراهية إلى غابات الأمازون الوديعة، أو ترامب وهو يشير بعينين جاحظتين إلى فلسطين على الخريطة.

هل يعتقد أحد ما أن بقايا "رابطة الشمال" في إيطاليا ستحزن لتفشي كورونا في نابولي، أم أن القلق على البشرية نابع من كون أن هذه البشرية تبدأ في لومبارديا وتتابع الصعود. العالم يزداد ضيقًا، والتنفس قد يصير مشروطًا أيضًا. لا شيء قد يمنع سلاحًا مثل هذا.

المفرطون في الأمل عليهم بالعودة إلى هيروشيما ذات يوم هادئ.