حرب إيران تستنزف القوة الأميركية.. هل تستطيع واشنطن مواجهة بكين؟
9 مارس 2026
تواجه الولايات المتحدة معضلة استراتيجية متزايدة التعقيد مع استمرار عدوانها على إيران، إذ يكشف هذا الصراع عن التحدي الأكبر الذي يواجه الجيش الأميركي، والمتمثل بكيفية خوض حروب في الشرق الأوسط مع الحفاظ على الجاهزية لمواجهة القوة العسكرية المتصاعدة للصين في آسيا.
فبينما ترى واشنطن أن الصين هي التهديد العسكري الأكبر على المدى الطويل، فإن العمليات العسكرية ضد إيران تستنزف الموارد العسكرية الأميركية وتستهلك مخزونًا مهمًا من الأسلحة المتطورة، ما يثير تساؤلات داخل المؤسسات الدفاعية حول قدرة الولايات المتحدة على إدارة صراعين كبيرين في آن واحد.
نقل منظومات الدفاع من آسيا إلى الشرق الأوسط
وحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، بدأت هذه المعضلة بالظهور بوضوح في عام 2024 عندما تلقت وحدات الدفاع الجوي الأميركية المتمركزة في اليابان أمرًا عاجلًا بالانتقال إلى الشرق الأوسط لمواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية القادمة من إيران وحلفائها. وكانت تلك المرة الأولى التي يتم فيها نقل بطارية صواريخ "باتريوت" من قيادة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، حيث بقيت هناك لمدة خمسة أشهر.
إن قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في خوض حروب في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على القدرة الكاملة لردع الصين، ستكون محل شك أكثر مما يعتقده الكثيرون
وفي العام التالي توسعت العملية بشكل كبير، إذ تم نقل بطاريات إضافية ومئات الجنود إلى المنطقة عبر 73 رحلة جوية بطائرات النقل العسكرية من طراز C-17. ووجدت أطقم عسكرية كانت تتدرب في كوريا الجنوبية واليابان على مواجهة الصين وكوريا الشمالية نفسها تقاتل في قطر، حيث أطلقت عددًا كبيرًا من صواريخ الاعتراض في أكبر عملية استخدام لمنظومة باتريوت في تاريخ الجيش الأميركي.
استهلاك هائل للذخائر خلال الحرب
مع تصاعد الحرب ضد إيران، اضطرت القوات الأميركية إلى استخدام كميات ضخمة من الذخائر. فخلال أول 100 ساعة فقط من الحرب أطلقت القوات الأميركية أكثر من 2000 ذخيرة ضد عدد مماثل تقريبًا من الأهداف، وفقًا للقيادة المركزية الأميركية.
وشملت هذه الذخائر:
قنابل تقليدية يسهل تعويضها
صواريخ عالية التقنية يصعب إنتاجها بسرعة
صواريخ دفاع جوي لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية
صواريخ "توماهوك" بعيدة المدى التي يمكنها ضرب أهداف على بعد أكثر من 1600 كيلومتر
ويحذر خبراء الدفاع من أن هذا الاستهلاك المكثف قد يضعف قدرة الردع الأميركية في آسيا، حيث يقول الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، توم كاراكو، إن نمطًا متكررًا يظهر في الحروب الأميركية، حيث تستخدم القيادة المركزية في الشرق الأوسط صواريخ بعيدة المدى تحتاجها القيادة الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ في حال نشوب صراع مع الصين.
وأضاف الباحث في تصريحه لوول ستريت جورنال: "لدينا ما يكفي من الذخائر لهزيمة إيران، لكن المشكلة أن ذلك يبدأ في استنزاف قدراتنا اللازمة لردع الصين".
التحدي العسكري الأكبر
يمثل الجيش الصيني تهديدًا مختلفًا تمامًا مقارنة بإيران. فالصين تمتلك أحد أكبر ترسانات الصواريخ في العالم، إلى جانب أسطول بحري ضخم وقدرات صناعية هائلة. وتسعى بكين إلى ضم تايوان، ولم تستبعد استخدام القوة لتحقيق ذلك.
وفي حال قررت الصين شن هجوم على الجزيرة ودخلت الولايات المتحدة الحرب دفاعًا عنها، فإن القوات الأميركية ستحتاج إلى كميات هائلة من الذخائر لضرب السفن الصينية في مضيق تايوان واعتراض موجات الصواريخ الصينية. ويقول المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية، مايكل هوروفيتز، إن قدرات الصين "أكثر تعقيدًا بكثير" من إيران.
وأوضح أن الصين تمتلك كل ما لدى إيران من قدرات في المستوى الأدنى، إضافة إلى كميات ضخمة من الأسلحة المتطورة التي تتطلب أنظمة دفاع جوي أكثر قوة لاعتراضها.
مخزونات الأسلحة الأميركية تحت الضغط
تعاني مخزونات الأسلحة الأميركية بالفعل من ضغط شديد نتيجة الحروب والصراعات الأخيرة، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا والعمليات العسكرية في الشرق الأوسط.
وفي عام 2024 حذر قائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، صمويل بابارو، من أن استخدام الصواريخ المتطورة في صراعات أخرى يقلص قدرة الولايات المتحدة على الاستجابة للأزمات في آسيا. ووصف منطقة المحيطين الهندي والهادئ بأنها "أكثر مسارح العمليات ضغطًا" بالنسبة للجيش الأميركي.
لكن رغم هذه التحذيرات، لم تتمكن الولايات المتحدة حتى الآن من إعادة بناء مخزوناتها بالسرعة المطلوبة، بل استمرت في استهلاك الصواريخ بوتيرة تفوق أحيانًا معدلات إنتاجها.
وخلال حرب استمرت 12 يومًا مع إيران العام الماضي، نقلت واشنطن منظومتين من نظام الدفاع الجوي "ثاد" إلى إسرائيل، وأطلقت أكثر من 150 صاروخ اعتراض لإسقاط الصواريخ الباليستية الإيرانية، وهو ما يمثل نحو ربع إجمالي الصواريخ التي اشترتها وزارة الدفاع الأميركية من هذا النوع.
سباق لزيادة الإنتاج العسكري
لمواجهة هذا النقص، تسارع وزارة الدفاع الأميركية إلى زيادة الإنتاج العسكري. ففي كانون الثاني/يناير، وقع البنتاغون اتفاقيات مع شركة لوكهيد مارتن لزيادة إنتاج صواريخ الاعتراض بشكل كبير، حيث من المتوقع رفع الإنتاج السنوي على النحو التالي:
من 96 إلى 400 صاروخ لمنظومة "ثاد"
من 600 إلى 2000 صاروخ لمنظومة "باتريوت"
لكن الوصول إلى هذه القدرة الإنتاجية قد يستغرق سبع سنوات. وفي الوقت نفسه بدأت اليابان، عبر شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، بتصدير جزء من إنتاجها من صواريخ باتريوت إلى الولايات المتحدة للمساعدة في إعادة بناء المخزون الأميركي.
الضغط يمتد إلى الأسطول البحري
لا يقتصر الضغط على الذخائر فحسب، بل يمتد أيضًا إلى انتشار القوات البحرية الأميركية حول العالم، فمع تصاعد التوتر مع إيران تم إرسال حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط. كما جرى نقل حاملة الطائرات USS Carl Vinson من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط خلال الأزمة السابقة مع إيران.
أما أكبر سفينة حربية أميركية، USS Gerald R. Ford، فقد شهدت تمديد انتشارها عدة مرات وانتقلت بين مناطق عمليات مختلفة، من البحر المتوسط إلى الكاريبي ثم عادت إلى الشرق ال أوسط لدعم العمليات ضد إيران.
مخاوف من "الإرهاق العسكري"
يحذر خبراء عسكريون من أن هذا الانتشار المتكرر قد يؤدي إلى إرهاق متزايد في الأسطول البحري الأميركي. فأحواض بناء السفن الأميركية تعاني بالفعل من ضغط كبير، كما أن صيانة السفن الحربية تواجه تحديات متزايدة.
ويقول الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد، توماس شوغارت، إن الضغط المستمر على البحرية الأميركية سيؤدي إلى "تآكل في الجاهزية العسكرية" يصعب تعويضه بسرعة.
تكشف الحرب ضد إيران عن مشكلة أعمق في الاستراتيجية الأميركية، فالانتشار العسكري العالمي الواسع تقابله الموارد المحدودة، وبينما تؤكد واشنطن أن آسيا هي الأولوية الاستراتيجية، فإن الأزمات المتكررة في الشرق الأوسط ما زالت تستنزف قواتها ومواردها، ما يشير إلى أن قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في خوض حروب في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على القدرة الكاملة لردع الصين، ستكون محل شك أكثر مما يعتقده الكثيرون.