حرب إيران تربك مفاوضات أوكرانيا وترفع مكاسب روسيا
15 مارس 2026
تشير تقديرات مسؤولين ودبلوماسيين أوروبيين إلى أن المسار الذي تقوده الولايات المتحدة للتوصل إلى تسوية للحرب في أوكرانيا بدأ يفقد زخمه، في ظل تراجع اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالمفاوضات، بالتوازي مع انشغال واشنطن بالحرب مع إيران، وهو ما خفّف في الوقت نفسه الضغوط المفروضة على روسيا.
ووفق ما أفاد به أربعة دبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي مشاركين في مشاورات مع أوكرانيا لـ"فايننشال تايمز" فإن الصراع في الشرق الأوسط حوّل تركيز واشنطن بعيدًا عن جهود التوصل إلى اتفاق سلام، كما منح موسكو مكاسب غير مباشرة، من بينها ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وتعليق بعض العقوبات الأميركية، إضافة إلى الاستنزاف السريع للذخائر الأميركية التي تحتاجها كييف في الحرب.
ويواصل سعر برميل النفط ارتفاعه متجاوزًا حاجز الـ100$ لليوم الرابع على التوالي، نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أتاح لروسيا فرصة أكبر لزيادة صادراتها النفطية إلى الصين والهند. وإلى دول أخرى بسبب تعليق ترامب العقوبات على النفط الروسي لمدة شهر.
وقال مسؤول أوروبي رفيع إن المفاوضات بين المسؤولين الأوكرانيين والروس، التي تتوسط فيها الولايات المتحدة، باتت "في منطقة الخطر فعليًا".
ومن جهته، أقرّ المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بوجود تباطؤ في المسار التفاوضي، قائلًا: "لقد ظهر بالفعل نوع من التوقف في المحادثات. لدى الأميركيين أولويات أخرى، وهذا أمر مفهوم".
وكانت آخر جولة من المفاوضات الثلاثية قد عُقدت في جنيف يومي 17 و18 شباط/فبراير. أما الجولة التالية، التي كان من المقرر عقدها في 5 آذار/مارس في أبو ظبي، فقد تأجلت بسبب العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، ولم يُعلن حتى الآن عن موعد أو مكان جديدين للجولة المقبلة.
وقال أحد الدبلوماسيين الأوروبيين إن "الشرق الأوسط أعاد توجيه الاهتمام السياسي بشدة بعيدًا عن أوكرانيا"، مضيفًا: "بالنسبة لنا، وبالنسبة لأوكرانيا، فإن هذا يشكل كارثة".
وأشار الدبلوماسيون إلى أن دول الاتحاد الأوروبي أُبلغت بأن شحنات الأسلحة الأميركية، وخصوصًا أنظمة الدفاع الجوي، ستتأخر، بعدما أعطت واشنطن الأولوية لعملائها في الشرق الأوسط، وهو ما قد تكون له تداعيات كبيرة على كييف.
وتنظر أوروبا إلى دعم كييف في مواجهة التوغل الروسي بوصفه جزءًا من استراتيجيتها الأمنية الأوسع، انطلاقًا من اعتقادها بأن الغزو الروسي لن يتوقف عند الحدود الأوكرانية، ما يجعل من الضروري منعه من تجاوزها إلى دول أخرى في القارة.
وفي هذا السياق، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس لصحيفة "فايننشال تايمز": "هذه مشكلة حقيقية لأن هناك منافسة على الموارد العسكرية نفسها، سواء في الشرق الأوسط أو في أوكرانيا". وأضافت: "من الواضح أن اهتمام الولايات المتحدة يتركز حاليًا على الشرق الأوسط".
الصراع في الشرق الأوسط حوّل تركيز واشنطن بعيدًا عن جهود التوصل إلى اتفاق سلام مع أوكرانيا، كما منح موسكو مكاسب غير مباشرة، من بينها ارتفاع أسعار النفط عالميًا، والاستنزاف السريع للذخائر الأميركية التي تحتاجها كييف في الحرب
الحرب مع إيران تمنح موسكو متنفسًا اقتصاديًا
وأدت الحرب التي يخوضها ترامب مع إيران إلى منح روسيا متنفسًا اقتصاديًا غير متوقع، إذ ساهم ارتفاع أسعار الطاقة العالمية في زيادة إيرادات الكرملين بما يصل إلى 150 مليون دولار يوميًا.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن هذه الخطوة الأميركية "لا تساعد بالتأكيد على تحقيق السلام".
وفي المقابل، تجنب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حتى الآن توجيه انتقادات مباشرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الحرب، في ما يرجّح أنه محاولة لتفادي دفع واشنطن إلى الاصطفاف بشكل أكبر إلى جانب أوكرانيا، بحسب أشخاص مطلعين على محادثات غير رسمية جرت خلف الكواليس.
وكان الرئيسان قد تحدثا هاتفيًا يوم الاثنين، حيث اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الاتصال سبلًا يمكن لروسيا من خلالها التوسط لإنهاء الحرب مع إيران، إلا أن ترامب والإيرانيين رفضوا هذا الطرح، بحسب ما نقلته "رويترز".
تشكيك أوروبي في فرص نجاح المفاوضات
لم يُبدِ الكرملين حتى الآن أي استعداد لتقديم تنازلات في المفاوضات مع أوكرانيا، بل أبدى أيضًا قدرًا من الإحباط من المسار التفاوضي. وقال أحد المشاركين في الاتصالات غير الرسمية لإنهاء الحرب إن "المحادثات بدأت تفقد زخمها، وهي بحاجة إلى ضخ حياة جديدة في هذا المسار".
ويُبدي قادة الاتحاد الأوروبي شكوكًا بشأن إمكانية نجاح محادثات السلام من دون زيادة الضغوط على موسكو، غير أنهم يرون في استمرار العملية التفاوضية وسيلة للحفاظ على انخراط الولايات المتحدة في الملف الأوكراني.
ومنذ بدء الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران قبل أسبوعين، حاول القادة الأوروبيون إبقاء قضية أوكرانيا في دائرة الاهتمام الدولي.
وفي هذا الإطار، استضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأوكراني في باريس في محاولة لمواجهة ما وصفه مسؤول في قصر الإليزيه بـ"تأثير الكسوف" الذي تسببه الحرب مع إيران على الاهتمام الدولي بأوكرانيا.
كما زار المستشار الألماني فريدريش ميرتس البيت الأبيض بعد ثلاثة أيام فقط من بدء الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، حيث قدّم خرائط ورسومًا بيانية لمحاولة إقناع الإدارة الأميركية بضرورة زيادة الضغط على موسكو.
غير أن ترامب لم يُبدِ رغبة كبيرة في الخوض في نقاش مفصل حول الموضوع، ولا يزال مقتنعًا بأن روسيا قوية وأن أوكرانيا ضعيفة، وفق ما نقلته مصادر مطلعة على تلك المحادثات. كما لم تظهر أي مؤشرات على استعداد واشنطن لزيادة الضغوط على بوتين.
تقرؤون المزيد في: لماذا تُعدّ روسيا أكبر المستفيدين من إغلاق مضيق هرمز؟