ultracheck
  1. قول

حرب إيران.. إقليم قيد التحول

3 مارس 2026
طهران
آثار القصف على طهران (Getty)
رائد وحش رائد وحش

بقدر ما تهدف هذه الحرب إلى تقليص القدرات الإيرانية، فإنها تحمل في جوهرها قابلية للانفجار نحو الإقليم والاقتصاد العالمي معًا. إذ جرى، طوال عقود، احتواء إيران ضمن معادلة دقيقة تقوم على العقوبات والضربات الموضعية والتفاوض المتقطع، من أجل إبقاء التهديد قائمًا دون تحوله إلى صدام شامل.

ظل الهدف دومًا هو ضبط النظام الإيراني وليس إسقاطه، بالنسبة للولايات المتحدة، فهي تحتاجه من أجل تبرير صفقات التسليح الضخمة مع دول الخليج، ولتعزيز اعتماد هذه الدول على المظلة الأمنية الأميركية، ولدفع بعض الأنظمة العربية نحو التطبيع مع إسرائيل باعتبارها شريكًا أمنيًا في مواجهة التهديد الإيراني، وقد أبقت هذه الرؤية المنطقة في حالة من الانضباط والسيطرة، دون وصول إلى انفجار كامل.

لكن إسرائيل كانت تسعى دومًا لكسر هذه المقاربة، فإيران ما كانت ولن تكون "ورقة توازن" في حساباتها، بل تهديد وجودي عسير، من خلال البرنامج النووي المحتمل، وشبكة الأذرع المسلحة حول حدودها، والعقيدة السياسية التي تعتبر إسرائيل خصمًا مركزيًا.

نحن أمام تقرير مصير إقليم كامل وليس دولة بعينها فقط، وتقرير حجم المجال الذي ستتحرك فيه بقية الدول، وتُرسم فيه حدود القوة المتاحة

ولهذا تبنّت إسرائيل، على نحو متصاعد في السنوات الأخيرة، مقاربة تستهدف تقليص القدرة الاستراتيجية للنظام الإيراني، سواء عبر إضعاف بنيته العسكرية والردعية، أو عبر دفعه إلى حالة إنهاك داخلي تستنزف موارده وتحدّ من قدرته على إنتاج تهديد طويل الأمد. ومنذ خمسة أعوام، والنخب السياسية تعبر عن فكرة أساسية، وهي ضرورة ضرب رأس الأخطبوط، أي إيران، بدلًا من الأيدي، أي شبكة الحلفاء والأذرع الإيرانية.

ومنذ حرب الأيام الاثني عشر في الصيف الماضي، بدا أن مسار المواجهة يتجه نحو تصعيد أوسع، غير أن تحوّله إلى حرب مفتوحة ارتبط بوجود إدارة أميركية أكثر استعدادًا لمنح هذا المسار غطاءً سياسيًا وعسكريًا.

لا تتجلى المشكلة في اختلاف الحسابات بين واشنطن وتل أبيب فقط، بل كون النظام السياسي الأميركي نفسه بات يسمح لقرار الحرب أن يُتخذ داخل دائرة ضيقة، لا سيما مع تراجع الكوابح المؤسسية أمام اندفاعات السلطة التنفيذية. فقد ساهم التآكل التدريجي لصلاحيات الكونغرس، والتمدد المستمر لتفسيرات "المصلحة القومية" في الوصول إلى قوة أكثر ارتباطًا بإرادة من يجلس في المكتب البيضاوي، وأقل خضوعًا للنقاش العام.

وهذا ما نبّهت إليه تحليلات قانونية وسياسية حديثة نُشرت في فورن أفيرز، وتقارير تحليلية في أكسيوس، حيث وضّحت كيف مهّد تركّز صلاحيات الحرب داخل السلطة التنفيذية إلى جعل خيار الذهاب إلى الحرب ممكنًا من دون نقاش تشريعي واسع.

وعلى الرغم من تباين الحسابات والمقاربات، تتقاطع هذه الحرب مع السعي الأميركي لتثبيت قواعد الهيمنة في لحظة تحول دولي متسارع. فكسر الردع الإيراني يعني إعادة ضبط عقدة الطاقة في مضيق هرمز، والتأكيد على أن مسارات النفط وتسعيره ستظل تُدار من مركز القوة الغربي.

ولأن إيران تمثل شريان طاقة للصين وجزءًا من محاولات تنويع النظام المالي بعيدًا عن الدولار، فإن استهدافها يحمل رسالة دولية تتصل بحدود التعددية، تحدد بصراحة مدى المناورة الممكن، لكل القوى الصاعدة، في منطقة تعتبرها واشنطن مجالًا حيويًا خالصًا، لكنها في المقابل تترك المدى مفتوحًا لحليف مثل إسرائيل، إلى درجة دفع المواجهة إلى نقطة أبعد من الحسابات الأميركية التقليدية.

المسألة ليست إضعاف إيران وحسب، لكنها تتعلق بإعادة تشكيل البنية الإقليمية التي نشأت خلال العقدين الماضيين. فوجود إيران كقوة ردع موازنة، حتى في حال الاحتكاك المستمر، كان يعني بقاء الإقليم متعدد الأقطاب نسبيًا، تتحرك فيه العواصم بين مراكز قوة متعارضة.

وفي حال مضى هذا المسار إلى نهايته، فإن المنطقة مقبلة على طور مختلف، يتجاوز مجرد إضعاف إيران، أو تفكيكها، إلى إعادة تموضع مركز الثقل الإقليمي. وعندها لا يقتصر التفوق على الردع العسكري، بل يمتد إلى إدارة الممرات الحيوية، وترتيب شبكات الطاقة، وصياغة أولويات الأمن الجماعي، وربما التأثير في تعريف الشرعية السياسية ذاتها داخل المنطقة، بما يكرّس هيمنة إسرائيل بوصفها المرجعية السياسية في المنطقة، في المدى البعيد.

لا يعني هذا التحول بالضرورة تغييرًا فوريًا في الخرائط الجغرافية، لكنه قد يمهّد لإعادة رسم خرائط النفوذ والسيادة بشكل تدريجي، بحيث تصبح العواصم المحيطة أقل قدرة على المناورة وأكثر ارتباطًا بمركز واحد يُحدد حدود الحركة الممكنة. في هذه الحالة، لن يكون الشرق الأوسط ساحة توازنات متعارضة، بل مجالًا تُعاد هندسته تحت تفوق إقليمي شبه أحادي.

إذن، نحن أمام تقرير مصير إقليم كامل وليس دولة بعينها فقط، وتقرير حجم المجال الذي ستتحرك فيه بقية الدول، وتُرسم فيه حدود القوة المتاحة، وتُحدد الجهة التي تحتكر القرار الأمني والاقتصادي.

كلمات مفتاحية
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

ترامب ونتنياهو.. وجها مقص جيوسياسي

تشابه منطق الحرب والتوسع بين ترامب ونتنياهو، وكيف تتحول الجبهات إلى مسار دائم لإعادة رسم الخرائط

واشنطن

"وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ".. كيف حولت إيران الحصار إلى لقاح منعها من الانهيار؟

كانت العقوبات الاقتصادية بمثابة السم الذي حقنته الولايات المتحدة الأميركية في شرايين الاقتصاد الإيراني، ولأنها لم تُفرض دفعة واحدة، أدت إلى عملها كداء ودواء في الوقت نفسه

صورة تعبيرية

النظر إلى عقارب الساعة.. ما بين قرون طهران ودقائق واشنطن

لا تنظر إيران إلى المكاسب التكتيكية السريعة، بل إلى المكاسب الاستراتيجية بعيدة المدى، وذلك على العكس من الولايات المتحدة الأميركية التي تدير معاركها وفق الزمن السياسي

الاقتصاد الأميركي
مجتمع

تبعات الحرب.. ثقة المستهلك الأميركي تتراجع إلى مستويات تاريخية

في قراءة جاءت أسوأ من معظم توقعات الاقتصاديين، سجّلت ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة تراجعًا حادًا إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق

المتحف القومي السوداني
فنون

من الركام إلى الفضاء الافتراضي.. المتحف القومي السوداني يُعاد إحياؤه

أُعيد فتح المتحف، الذي تعرّض للتخريب والنهب على يد عناصر قوات الدعم السريع خلال سيطرتهم على العاصمة الخرطوم، في صيغة افتراضية على يد علماء آثار، بهدف عرض المجموعات المسروقة والحد من الاتجار بها

الصين
أعمال

كيف حوّلت الصين أزمة الطاقة إلى فرصة في سوق السيارات؟

تسرع الحرب على إيران من وتيرة التحول نحو السيارات الكهربائية، وهو ما يمنح شركات السيارات الصينية فرصة تاريخية لتعزيز حضورها العالمي

واشنطن
قول

"وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ".. كيف حولت إيران الحصار إلى لقاح منعها من الانهيار؟

كانت العقوبات الاقتصادية بمثابة السم الذي حقنته الولايات المتحدة الأميركية في شرايين الاقتصاد الإيراني، ولأنها لم تُفرض دفعة واحدة، أدت إلى عملها كداء ودواء في الوقت نفسه