حربٌ تكتب يومياتها حربٌ أخرى

حربٌ تكتب يومياتها حربٌ أخرى

لوحة لـ تمام عزام/ سوريا

1

الصباح: حمَام كثير، وسلام قليل.

 

2

كلّ موتٍ يؤخر الغد يومًا آخر.

 

3

لا يسمح غياب الغاز بفنجان قهوةٍ يجعلكَ تعيد لحظة محمود درويش. ولا يسمح غياب الكهرباء بابتكار بديل.

مع ذلك لا بدّ من قهوةٍ ليتوقّف غرور الطائرة، لا بدَّ من قهوةٍ ليتوقّف خوف البيت.

القهوة خلاصٌ في الوصفة الدرويشيّة. وضعُ حدٍّ لغطرسة الموت التي لا تعترف بحدّ. والقهوة لغةٌ واضحةٌ في برجِ بابل الذي يخلقُهُ القصف، وتفكيرٌ سديدٌ في المتاهة التي يشيّدها الرعب.

بعيونِ البال تضع ركوةً على نارٍ في البال، وتتركها تندلقُ وتندلقُ كما يشاء غليانها، وحين يمتلئ البال برائحة البنّ المحروق تشربها شمًّا ليرتاح البال.

 

4

لا يجب أن تبقى وحيدًا. في الحرب تحتاج إلى مجالسة الآخرين طوال أربع وعشرين ساعة. لا مجال للعزلة. المعزول محكومٌ بالإعدام نحرًا بالهواجس.

في اللحظة التي تجد نفسك فيها وحيدًا ستظنّ أصوات الصِّبْيَة في الحارة ثرثراتِ عساكر قادمين لاقتحام البيت. ستصبح حشرجة الجار، أو شخير الجار الآخر، مكبّرات صوت لإخلاء المنطقة. ستظنّ انفتاحَ الأبواب رصاصًا، والخطواتِ العابرةَ، بينما تتناهى بشكلها العادي من الشّارع، أناسًا يهربون.

لا تبق وحيدًا، فالوحدة هزيمة. وفيها ستجد نفسك تعدّ القذائف، وأنت تعرف جيّدًا بأن أول خطأ في العدّ إشارة على انتهاء حياتك.

 

5

الفرق بسيط: تحلّق الطائرات فوقنا، وتحلّق عندكم في الأخبار...

 

6

شاقّةٌ هي الطريق إلى مدينة واو، "وطن الرؤى السماوية" لدى طوارق الصّحراء الكبرى. وعلى ذمة إبراهيم الكوني تتدخّل الأسطورة لتسيير رحلة الأب والابن إلى وطن الحقيقة والطهارة حسب أصول ناموس أهل الباديّة. فلا يتمُّ السّفر دون التهام فاكهة الترفاس، ولكن ليس أي ترفاسة نابتةٍ في الرمال، لأن هذه الفاكهة لن تصلح باصًا إلى الوطن الموعود إلا إذا كانت معضوضة بنابيْ أفعى قاتلة.

في قصّة الكوني عيون الأب المنطفئة بعد القضمة الأولى خاطبت عيون الابن الذي يأخذ حصته: الآن بدأت الرحلة إلى واو.

في رواية "باب الشمس"، يجلب يونس الأسدي، خلال تسلله من لبنان إلى فلسطين، كيسًا من برتقال البلاد.. وفي الفيلم المأخوذ عن الرواية يفتتح المخرج العمل بمشهد وليمة البرتقال، حيث يأكل يونس والدكتور خليل وأم حسن بنهم حيوانيّ، حتى أنهم يكومون تلة من القشور، بينما يقول يونس: سوف نأكل فلسطين كلها.

كلا المشهدين اللذين ينطلقان من الأكل يحيلان إلى الموت. الموت كطريق إلى الوطن الأسطوري بنبتة مسمومة جريًا على ناموس قديم، والموت تخمةً بثمرات الأرض الضائعة. لكن ماذا هذا الموت العاصف بشوارعنا اليوم على أي نوع من أنواع الأكل يحيل؟

 

7

هل المخيّم مكان فضوليّ؟ أتساءل لأنّ الاشتباك الذي يدور منذ الصباح على الشارع العام، أول المخيم، لم يمنع الأهالي من التجمهر على طول الطريق، وعلى سطوح المنازل، ليراقبوا النار ويعدّوا صليات الرصاص ويتباروا في تسمية الآليات العسكرية.

أهو فضول أم طيش؟     

العساكر أطلقوا أكثر من مرة باتجاه الناس لتفريقهم، فالبعض لم يبق أمامهم إلا أن يقعدوا فوق الدبابة. علّمتنا صفحات الإنترنت طرق السلامة، التلفزيونات لم تتوقف عن بث الإرشادات، القادمون من المناطق المنكوبة حملوا خبراتهم في الوقاية إلينا، لكنّ أهل المخيم بدوا غير مبالين بشيء من هذا، فالكبار والصغار، الرجال والنساء، كلهم في الخارج على مقربة من المعركة، لا يفعلون شيئًا سوى النظر بكراهية إلى الجنود والضبّاط، بطريقة لا تحتاج إلى ترجمة.

حاولتُ أن أسأل أكثر من أحد عما يفعلون هنا؟ الكلّ أجابوا إنهم هنا لأن الآخرين هنا، مع ذلك حين عاد بعض الآخرين لم يعد بعض آخرِ الآخرين، ليستقيم التعليل بأنها مجرد عدوى.

يقال إنهم في غزة على هذا الحال. ربما كان الفضول مرضًا فلسطينيًا، أعراضه الواضحة الذهاب إلى الموت قبل أن يأتي.

المخيم مكان فضولي؛ لأنّ العيون مادة صناعته الأولى.

 

8

هل أنا مختبئ في بيت صديقي؟

لماذا أسمع صوتَ أمي تناديني إلى الفطور؟ لماذا يصلني سعالُ أبي خارجًا إلى العمل؟

لماذا أسمع الانفجارات ذاتها، من المدافع ذاتها؟

يقولون: كلنا تحت سماء واحدة، وأقول: السماوات كثيرة جدًا، الموت فقط واحد.

 

هل أنا مختبئ في بيت صديقي البعيد؟ ولكنْ أين صديقي.. أينه؟

البيتُ يتراءى بيوتَ آخرين حين لا تجد مخبأً!

 

اقرأ/ي أيضًا:

تحقيقٌ استقصائيٌّ حول الريح

إهداء أيام