(Getty) فتاة في إحدى حافلات القاهرة

تتلاشى الظلال تدريجيًا، وكأن السحب الداكنة قد ملّت الإطلال على المكان، تاركة المباني الإسمنتية تتصدى لأشعة الشمس المنسابة، تتلمس أطراف أصابعي الجنيهات القليلة الراقدة في قاع جيب بنطلوني الجينز الضيق، تنزلق عيني فوق قائمة الأسعار الجاثمة أعلى الجدار الرخامي، أحرّك أصابع قدمي داخل الحذاء محاولًا تلافي الألم الصاعد إلى رأسي، بينما تتدخل المعلومات في ذهني مبينة خياراتي القليلة والآمنة، والتي تحسم غالبًا لصالح سندويتش الفول – المقدس – والذي ملّته الأحشاء.

أتجه صوب مكتب يستقر إلى اليمين من مدخل المطعم، أنتظر حتى ينهي أحد الزبائن حسابه، أمد يدي بالنقود بسرعة نحو جاحظ العينين الجالس خلفه، فيتأمل العملة المعدنية المخدوشة عند الأطراف من فئة الجنيه في تأفف، يضعها في الدرج أعلى حجره، يعطيني قرصًا بلاستيكيًا كالح اللون خشن الملمس بحجم العملة المعدنية.

أخطو نحو الحاجز الرخامي الجانبي المنضغط بالأجساد المتلاحمة، توزع المروحة المعلقة بالسقف روائح الطعام – بعد خلطها جيدًا– في أرجاء المكان مسيلة لعاب الحاضرين، أحاول تناسي الألم الملح على ذهني منتظرًا دوري وسط قطيع متدافع بطيء الحركة، تبدو من خلف الحاجز الزجاجي أواني الطعام المتنوعة والعديد من الوجوه والأيدي التي تصنع السندوتشات في سرعة ومهارة، بينما تراقبهم صورة فوتوغرافية كبيرة لعجوز حليق كثّ الشوارب، معلق أسفلها آية قرآنية بخط الثلث على الجدار خلفهم.

أنجح في تسليم القرص، أستلم كيسًا بلاستيكيًا زيتي الملمس يقبع بداخله السندوتش المنتفخ الذي يندفع الفول المهروس من جنباته، تضيق نفسي بآلام قدمي النابضة التي لا تنتهي، أمسح بعيني السيارات المستقرة على جانبي الطريق، أختار أحد السيارات الفارهة، أسند أسفل ظهري بصاحبها القوي، أقضم قطعة كبيرة وأمضغها بينهما أطالع الحذاء ـ تذوب القطعة ثقيلة الملمس فوق لساني سائلة نحو حلقي.

يقرع صوته الآذان المصغية ممتدًا وسط المقاعد الممتلئة عن آخرها، مخرسًا الصخب الذي كان يخيم على المدرج، تعاودني الآلام لتشتعل برأسي من جديد، أحاول التركيز على النقاط والحروف والخطوط المرسومة فوق السبورة الخضراء الكبيرة، يبين لنا المحاضر طريقة الإجابة على أسئلة الامتحان، كنت أعلم أن تعداد الطلبة بالآلاف في حين أن فرص التعيين بالجامعة أو بالوظائف خارجها محدود بعد التخرج، ورغم اجتهاد الجميع فهناك من سيصل إلى مبتغاه، وهناك العديدون ممن سيخيب سعيهم، تتعالى صرخات قدمي المحتجة علي شدة الألم ويلح على ذهني السؤال: هل العيب في الحذاء أم القدم؟

أنضغط وسط الأجساد المحشورة داخل أحد السيرفيسات المتهالكة، تملأ أنفي الأنفاس المستهلكة مختلطة برائحة التبغ والعرق، يتحرك بنا السرفيس وسط الصخب وعشرات السيارات متنوعة الماركات، تيارات من الأجساد المتدافعة بالمناكب يكتظ بها الطريق، لتتكوم عند المحطات ونقاط الظل التي قاربت على التلاشي، متيحة المجال للشمس كي تنهش الرؤوس التي تبخرت أحلامها وتركزت أفكارها حول مقعد صغير، تدق الآلام جانبي رأسي ويضغط الزحام على عقلي، ينكمش جسدي ضاغطًا أعضائي في محاولة لملائمة الحيز الضيق.

تبطئ السيارة من سرعتها ويترجل عنها أحد الركاب فتمتصه البشرية الساعية عند الباب الجانبي غير المتماسك، يتسابق رجل ضخم نابت اللحية مع صبي على نصف المقعد لفارغ، تئن أعضائي المسحوقة، يفرد الضخم كفه ويدفع به الصبي بطول ذراعه ليسقط على ظهره خارج السيارة وسط الأقدام، يفوز الرجل بالمقعد، أحني وسطي بعنف وأمد يدي نحو الحذاء الضيق الذي أجبرت على انتعاله، أخلعه وألقي به خارج السيارة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أخي الصّغير الذي بقي طفلًا بعد 28 عامًا!

خدعة بصرية