حديث عابر عن الخوف

حديث عابر عن الخوف

لوحة لـ ألكس ڤينيزيا/ أمريكا

الطمأنينة ليست نقيض الخوف، وإنما الطريق إليه. أُدرك ذلك أثناء تنقُّلي المستمر بين هذين الشعورين، وأُدرك أيضًا أن الخوف رديف اللايقين، إنه يلغي الغد وإن أتى، ويجعل الغد مشكوكًا بأمره إلى أن يصير "أمس".

الخوف هو الاسم الذي نسمِّي به حالة اللايقين التي نعيشها، والاسم الذي نسمِّي به جهلنا بالخطر وبما يجب فعله لمنعه

في نحو عامٍ ونصف، مدة إقامة الوباء بيننا، تقلصت المسافة بين الخوف والبشر أكثر من أي وقتٍ مضى. ليس الخوف من الإصابة بالوباء والموت بسببه فقط، وإنما الخوف من أشياء أخرى كثيرة يصعب حصرها، ولكننا لا نحتاج إلى بذل أي جهدٍ لنعرف أن الخوف من الجوع يتقدمها، ووراءه مباشرةً الخوف من العجز في مواجهة الجوع. والشعور بالعجز، وفق عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، هو أفظع تأثيرٍ للخوف.

اقرأ/ي أيضًا: القضايا حين تتقمص أجسادًا

الحديث عن الخوف والعجز والجوع، يأخذ منحىً مختلفًا في لبنان. المشاهد القادمة من محلات بيع المواد الغذائية المزدحمة ببشرٍ يتدافعون ويتقاتلون من أجل كيس أرز، أو سكر، أو عبوة زيتٍ مدعوم، وحتى حليب أطفال، يشير إلى المستويات التي بلغها الخوف عند الناس، وهو خوفٌ مهما تبدلت أسبابه واختلفت أشكاله، يظل مرتبطًا بالغد. وهناك فرقٌ بين من ينام خائفًا من احتمال اندلاع حربٍ في الغد، ومن ينام خائفًا من عجزه عن تأمين قوته وقوت أبنائه ليومٍ جديد.

والخوف مما سيحصل في الغد، يلغي الغد ذاته. أو، بجملةٍ أخرى، بوسعنا القول إن الخوف يأكل الغد.. الخوف باعتباره الاسم الذي نسمِّي به حالة اللايقين التي نعيشها، والاسم الذي نسمِّي به جهلنا بالخطر، وبما يجب فعله لمنعه، وفقًا لما يراه باومان في تقديمه لكتابه "الخوف السائل".

كتاب باومان ليس الوحيد الذي سيمر في ذهننا في ظل هذه الأجواء، وليس شرطًا أن تكون بقية الكتب متصلةً بما يحدث بشكلٍ مباشر، لأن المهم هنا هو الخوف، وليس أسبابه وظروفه. لذا، يبدو طبيعيًا أن نستعيد في لحظةٍ ما، بينما نقف أمام محطة بنزين لعدة ساعات، أو نزاحم في سوبر ماركت، تجربة الروائي الأمريكي إرنست همنغواي مع الخوف، وهي تجربةٌ لا نعرف الكثير عنها، ولكننا نعرف أنها دفعته إلى إنهاء حياته بعد عدة محاولاتٍ فاشلة.

خوف إرنست همنغواي بدا مرتبطًا بما تفرزه مخيلته. صحيحٌ أنه كان يخاف من العجز الجنسي، ويعاني رهاب الصفحات البيضاء، وعدم القدرة على الكتابة، ولكنه كان يخاف أشياء أخرى يصنعها خياله الذي بدا خط الإمداد الأول لـ "البارانويا" التي كان مصابًا بها بحسب صديقه وناشر أسراره إدوار هوتشنر، الذي روى أن همنغواي أمضى سنواته الأخيرة بصحبة القلق والاكتئاب واليأس، إلى جانب شعوره الدائم بوجود أشخاصٍ غامضين يطاردونه أينما ذهب.

الخوف رديف اللايقين. الخوف يلغي الغد وإن أتى، ويجعل الغد مشكوكٌ بأمره إلى أن يصير "أمس"

ورغم ما رواه هوتشنر حول مراقبة "مكتب التحقيقات الفيدرالي" لمؤلف "لمن تقرع الأجراس"، منذ أربعينيات القرن الفائت وحتى وفاته، وحسمه بذلك للجدل الذي دار حول هوية الأشخاص الذين تحدث عنهم خلال سنواته الأخيرة، وما إذا كانوا حقيقيين أم لا، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أنه كان مصابًا بالبارانويا، وأن الأخيرة تمددت وتوسعت وهيمنت على حياته بفعل مخيلته التي أمدتها بجميع ما تحتاجه لا لتبقى فقط، وإنما لتدفعه إلى إنهاء حياته بعد أن ضاقت بالخوف من أشياء مختلفة لم تُعرف، ولكنها كانت في الأغلب من صنع خياله.  

اقرأ/ي أيضًا: شاهدٌ واحد فقط

لا يلتقي خوف همنغواي وخوفنا من حيث الأسباب، فبينما يتأتى الأخير من الواقع وما يدور فيه، أي من أسبابٍ ملموسة، يرتبط الأول بتفاصيل متخيلة غالبًا، ولكن هذا لا ينفي أن جزءًا كبيرًا من مخاوفنا يقوم على سيناريوهاتٍ سوداوية يبنيها خيالنا حول ما يمكن أن يحدث غدًا. ويبدو أن الخوف مما يحمله الأخير، بغض النظر عن مدى واقعيته، هو المشترك بيننا وبينه. ولعل أبلغ دليل على ذلك، هو انتحاره الذي بوسعنا فهمه بوصفه طريقةً لتفادي بلوغ غدٍ آخر غير مرغوبٍ به.

مخاوف همنغواي ودور خياله في تغذيتها وتحويلها إلى بارانويا، لا بد أن تستعاد عند قراءة رواية "خالي العزيز نابليون" (دار المدى، 2015/ ترجمة أحمد حيدري)، للكاتب الإيراني إيرج بزشك زاده، ذلك أنها رواية عن الخوف، تحديدًا الخوف الذي تصنعه المخيلة وتغذيه الوساوس، حتى وإن قُرأت بوصفها عملًا كوميديًا محملًا بكمٍ هائلٍ من الفكاهة والسخرية والضحك.

الخوف هو أساس رواية زاده، فهو من يسيِّر أحداثها، ويحدد طبيعة وشكل علاقات شخوصها أيضًا، دون أن يكونوا معنيين به، لأنه لا يخص سوى بطلها الذي صنع لنفسه سيرةً متخيلة، قدَّم نفسه للآخرين من خلالها باعتباره قائدًا عسكريًا فذًا خاض حروبًا شرسة ضد البريطانيين، محاولًا عبرها بناء مكانةٍ استثنائيةٍ لنفسه بين أفراد عائلته وداخل مجتمعه.

سعى الخال العزيز، بطل الرواية، إلى بناء هذه المكانة عبر حكاياتٍ مختلقة، محورها معاركه التي سيتضح للآخرين أنها معارك وهمية صنعها في مخيلته التي ستدمره فيما بعد، حينما يدرك الجميع حقيقة ما يرويه، وتتحول حكاياته إلى مصدرٍ للتندر والسخرية والاستهزاء، ولا يبقى من يصدقها إلا الخال نفسه، الذي تماهى مع مخيلته حتى استقرت في ذهنه فكرة أنه بات هدفًا محتملًا للبريطانيين، قبل أن يتطور وهمه بشكلٍ ألغى عنده الاحتمال، واستبدله بقناعةٍ راسخةٍ مفادها أن البريطانيون يدبِّرون مؤامرةً لتصفيته والثأر مما ارتكبه بحقهم في معاركه المتخيلة.

كتب كافكا في إحدى رسائله إلى ميلينا يقول إن: "الخوف من عظائم الأمور كالخوف من التوافه"

وفي الوقت الذي اتسعت فيه دائرة التندُّر والسخرية من الخال وتصرفاته اللاعقلانية، تحوَّلت حكايات الأخير، بالنسبة إليه، إلى كابوسٍ فظيعٍ بعد أن خلقت عنده نوعًا من البارانويا التي ألغت الحدود القائمة بين الخيال والواقع، وماهت بينهما بشكلٍ أغرقه بكمٍ هائل من الخوف من أشياء متخيلة لا وجود لها. ولكنها كانت، بفعل الخوف الذي هيمن على حياته، والوساوس التي شغلت تفكيره وغذَّت مخاوفه، كافيةً لقتله في النهاية.

اقرأ/ي أيضًا: ثلاثة اجتماعات نضالية على جبل وسفحين

إرنست همنغواي وبطل رواية الإيراني إيرج بزشك زاده، قتلهما خيالهما. أو، بالأحرى، قتلهما خوفهما من أشياء لن تحدث إطلاقًا، ولكن مخيلتهما أوهمتها بالعكس تمامًا.

ويمكن في هذا السياق أن نضيف إليهما بطل رواية "البومة العمياء" (منشورات الجمل، 1999/ ترجمة عمر عدس) للكاتب الإيراني صادق هدايت، بوصفه نموذجًا آخر لما يمكن وصفه بـ "داء المخيلة"، وصاحب تجربةٍ شبيهةٍ بتجاربهما مع الخوف الذي كان يحمل إليه: "إحساسًا بالمتعة والسُّكر بحيث كان يدور رأسي وترتخي ركبتاي وأرغب في التقيؤ".

في "البومة العمياء"، قدَّم هدايت نصًا سوداويًا يمتد على مساحةٍ مؤسَّسةٍ على القلق والبؤس والاكتئاب. ولكنه، قبل ذلك، نصٌ عن الخوف الذي يتقاطع مع مخاوف همنغواي والخال العزيز، مع فارقٍ وحيدٍ يكمن في حدَّته وشكله، إذ يبدو خوف بطلها، مقارنةً بمخاوفهم، مبالغًا به لكونه يرتبط بأغلب تفاصيل حياته، فهو لا يخاف من أمرٍ معين، وإنما من كل شيء تقريبًا، بل ومن أكثر التفاصيل تفاهةً، مثل الخوف من النظر من النافذة، والخوف من نفسه، ومن الآخرين، ومن ظله، وحتى من احتمال سقوط إبريق ماءٍ انتبه إليه صدفةً قبل نومه، ومن فكرة العيش مرةً أخرى بعد موته، وغيرها من المخاوف التي تسهِّل على القارئ تخيُّل المستويات التي بلغها الخوف عنده.

ولكن بطل صادق هدايت يوفِّر على القارئ بذل هذا الجهد، حيث يُعبِّر بنفسه عن طبيعة خوفه ومدى تأثيره على حياته وهيمنته عليها. يقول: "كانت كل الذكريات الضائعة والمخاوف المنسية تدب فيها الحياة من جديد: الخوف من أن يتحول ريش الوسادة إلى خناجر، وتكبر أزرار سترتي فتصبح بحجم حجر الطاحون، الخوف من أن تنكسر كسرة الخبز الرقيق مثل الزجاج حين تقع على الأرض، القلق من أغفو فينسكب زيت السراج على الأرض وتشب النار في المدينة، التوهم من أن تُحدث أقدام الكلب قدَّام دكان القصاب أصواتًا مثل حوافر حصان، الخشية من أن ينفلت رجل الخردوات العجوز أمام بساطه من الضحك، إلى حد لا يستطيع السيطرة على صوته، الخوف من أن تتحول الديدان في مغسلة الأرجل عند حافة حوض بيتنا إلى أفاعٍ هندية، الخوف من أن يصير فراشي شاهد قبر ويدور بواسطة مفصل حول نفسه فيدفنني وتنطبق الأسنان المرمرية على نفسها، الخوف والرعب من أن ينقطع صوتي فلا يخف أحد لنجدتي مهما صرخت..".

الخوف مما سيحصل في الغد، يلغي الغد ذاته. أو، بجملةٍ أخرى، بوسعنا القول إن الخوف يأكل الغد

اكتئاب بطل "البومة العمياء" وبؤسه مردَّه إذًا خوفه المرتبط بخياله ووساوسه، شأنه شأن خوف همنغواي وبطل رواية زاده. ورغم أن مخاوفهم، جميعًا، مرتبطة بأشياء لا وجود لها، إلا أن هذا لا يغيِّر من تأثير الخوف عليهم، بل ومن المصير الذي يدفعهم نحوه كذلك، وهو الموت الذي يؤكد أن الخوف يلغي الغد، بل ويعيش على أيامنا المقبلة.

اقرأ/ي أيضًا: سعداء ذات صورة

ما العلاقة بين الخوف من الجوع والعجز وسوء الأحوال وما يحمله الغد، بمخاوف هؤلاء أعلاه؟ يمكن أن نجيب بما كتبه الروائي التشيكي فرانز كافكا في إحدى رسائله إلى ميلينا بأن: "الخوف من عظائم الأمور كالخوف من التوافه". ويمكن أن نجيب أيضًا بالقول إنه ما من علاقةٍ إطلاقًا، باستثناء الرغبة بالحديث عن الخوف بهدف الانصراف عن الشعور به.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أنا أونلاين إذًا أنا موجود

العثور على سوري في سوريا