حديث الصباح والمساء: المقبرة والقابلة والمتن!

حديث الصباح والمساء: المقبرة والقابلة والمتن!

عبلة كامل في مسلسل حديث الصبح والمساء

"حديث الصباح والمساء" هي الرواية التي ألفها نجيب محفوظ عام 1987 أي قبل عام واحد من حصوله على جائزة نوبل للآداب في العام التالي.

حديث الصباح والمساء من الروايات المرهقة التي تدل على عقل "شبكي" عنكبوتي التفكير تميز به نجيب. حين تفتح أوراق الرواية وخاصة الطبعات القديمة مثل تلك التي كانت لمكتبة مصر، فتجد مجموعة سير ذاتية لأشخاص مرتبة ترتيبًا أبجديًا. بغض النظر عن الفترة الزمنية التي ولدوا فيها، أو نسبهم بين بعضهم البعض، أي أنه يمكنك أن تقرأ سيرة أحمد محمد إبراهيم أحد الأبناء ثم قصة أحمد عطا المراكيبي المؤسس لعائلة المراكيبي الكبيرة تاليًا.

كان نجيب محفوظ بحديث الصباح والمساء يريد أن يتحدث عن "التناسل والموت" وهي مساحته التي يتسلسل من خلالها إلى القارئ بهدوء وبراعة

الرواية كانت ولا شك حزامًا ناسفًا لشكل الرواية الكلاسيكي المعتاد. وقد كتب نجيب محفوظ بنفس الشكل تقريبًا روايته مرايا، وبشكل أكثر تفصيلًا وأسهل في استيعاب العلاقات بين الشخصيات في "ميرامار"، حيث الشكل يضع الحكاية أولًا ثم تُروى من خلال وجهات نظر عدة تعكس الحرفية العالية في تناول وجهات النظر والرؤى لحدث واحد.

اقرأ/ي أيضًا: أسواق الكتب القديمة.. حياة في مكان آخر

ولعل الهدف من كتابة الرواية ليس فقط كيف يبرع نجيب "معلم" الرواية العربية في رسم الشخصيات والـCharacter creating، ولكنه كان يريد أن يتحدث عن "التناسل والموت" وهي مساحة نجيب التي يتسلسل من خلالها إلى القارئ بهدوء وبراعة. مساحة السهل الممتنع، تلك التيمة التي ظهرت في شارة المسلسل التي غنتها أنغام عام 2001 "مين فينا جاي مرساها مين رايح/لحظة ميلاد الفرح كان فيه حبيب رايح".

بناء العلاقات بين الشخصيات وربط الشخصيات كحبات اللؤلؤ في العقد كان أيضًا في المسلسل الذي حمل نفس الاسم، فجاء دور "تكامل الفنون"، ليربط 67 شخصية ببعضهم البعض في نسيج إنساني عبقري أبعد ما يكون عن الملل والتكرار وأقرب إلى القلب، مركزًا على "الحياة في نسيجها البديع المستمر الطويل" دون أن يشعر المتابع بأي تفكك في سيناريو القصة.

ما فعله أحمد صقر، وكاتب السيناريو النابغة محسن زايد هو إعادة تشكيل "الوعاء" المناسب لنص نجيب في صورة رائعة، وسيناريو لا يمكن إلا أن يضفي على شخوص نجيب الورقية مزيدًا من اللحم والدم.

وهذه لم تكن المرة الأولى التي يقوم فيها محسن زايد بفرض رؤيته التي "تضيف" لنص مخضرم مثل نص نجيب، فقد قام بعمل مسلسل بين القصرين 1987 بطولة محمود مرسي وهدى سلطان، ومسلسل السيرة العاشورية الذي هو في حقيقة الأمر جزء من الحرافيش "قصة عاشور الناجي" بطولة نور الشريف وإلهام شاهين، وماجدة زكي.

حديث الصباح والمساء لم يكن أول عمل يقوم محسن زايد فيه بتقديم رؤيته التي تضيف لنص نجيب، فسابقًا كتب بين القصرين والسيرة العاشورية

يبدأ مسلسل حديث الصباح والمساء على الطريقة العجائبية التي تذكرك بـ "الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية" بالشاب "عمرو واكد" يطرق باب قلعة كبيرة ويهتف "افتحولي يا ناس" فينفتح باب القلعة عن وجه رجل ذي جلباب أبيض ولحية بيضاء طويلة وكأنه التاريخ ذاته، فيهتف الشاب مستبشرًا "جدي يزيد؟" فلا يجيب الرجل، ويمر في دهليز طويل يتبعه الشاب.

ثم يدخلان غرفة تحيط بهم من كل جانب فيها خيوط العنكبوت، يجلس "يزيد" التاريخ أمام الشاب فيسأله:
- أنت مين؟
- أنا حفيدك. النقشبندي، ثم يستطرد: ابن قاسم، ابن عمرو، ابن عزيز. عزيز يزيد المصري، ويشير بيده إليه -أي أن نسبه ينتهي إليه-. فيقول: حفيدك أنا يا جدي.
- فيهز العجوز رأسه إلى الوراء موافقًا.
ثم ينام الجد بعد سماع الحفيد، ينام حتى الصباح ويجلس الولد مراقبًا.

الكتاب الكبير في يد عمرو واكد أو الحفيد النقشبندي يبدو وكأنه رواية نجيب التي كتبها، ففي المسلسل يدخل النقشبندي الحفيد على مجموعة من شخوص العمل مجتمعين في حديقة غناء وهم جميعًا في حالة تأمل لا يردون على أسئلته ولا يسمعونه أصلًا، وهي الحالة التي كُتبت في ورق نجيب على الرواية.

اقرأ/ي أيضًا: فكرة توفيق الحكيم وأسلوب نجيب محفوظ

تبدأ الحكاية في السريان، كنهر يجري في مجراه الطبيعي، في تفاصيل لا يمكن أن يكون إتقانها إلا في وعي يعرف أنه يتعامل مع نص لنجيب، فكانت العناية والرعاية مصيرها.

جليلة الجدة المعمرة التي انتهى المسلسل بمشهدها الأجمل وهي تجلس أمام قبر حفيدها الذي استشهد في مظاهرات الثورة وترفض العودة لبيتها

المشهد الأول الذي تأتي فيه زوجة عطا المراكيبي الأولى لتطلب يد "فرجة" ليزيد المصري. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يظهر لون فستان الزفاف الملون "كعلامة" على زمن ما قبل الأبيض، وعضة اليد التي مُني بها يزيد المصري في يده وهو يهم بزوجته ليلة زفافهما، تفاصيل إنسانية مصرية بامتياز، ثم مشهد لهفة عطا المركيبي وهو يشد الحمار وفوقه "القابلة" التي ستولد زوجته. وحمله القابلة بنفسه حتى البيت، وانتظار المولود برصة "حجر الجوزة" الساخن بجوار صديقه يزيد المصري الذي يحمل بين يديه ابنه الرضيع.

أما تميمة نجاح العمل فكانت "جليلة"، الجدة المعمرة التي رسمها محسن زايد نسخة من كل الجدات المصريات، بل ربما من كل الجدات في العالم. صلبة الرأس، التي تؤمن بالخوارق والعالم السفلي، متدينة ومتمسكة بالقدر والماورائيات، سليطة اللسان، حادة كالسكين، وبها من الحنات ما بها، حكيمة، ترى ما وراء أكتافها دون أن ترى بعينها كما يفعل العاديون.

جليلة الجدة الكبيرة المعمرة التي انتهى المسلسل بمشهدها الأجمل، وهي تجلس على مصطبة أمام مقبرة حفيدها الذي استشهد في مظاهرات الثورة وترفض العودة إلى بيتها، وترسم القيمة الكبرى من العمل من نص نجيب وتصور ورؤية محسن زايد، مشهد الذروة، قصة تتالي الموت والحياة، وقناديل المقابر التي تنير للقابلات أيضًا في البيوت. ثم تشير إلى القبر وتقول: كل شوية يفتحوا وينزلوا واللي بينزل مبيطلعش".

اقرأ/ي أيضًا:
خيري شلبي.. نبتة السرد وكرامة الصعلوك (2- 2)
4 روائيين مصريين نقلت أعمالهم إلى الشاشات