حدود حرية التعبير

حدود حرية التعبير

كاريكاتير لـ فاسكو جارجالو/ البرتغال

في الوقت الذي كان العالم -في جزء كبير منه- يحتفل بقيام تويتر بإغلاق مؤقت، ثم دائم لحساب ترامب، ثم قيام جميع منصات التواصل الاجتماعي بالتزامن والتوازي ومعًا بإغلاق حساباته فيها، على أن ذلك هو نوع من حماية حرية التعبير، وشعور تلك المنصات فجأة بالمسؤولية عن تلك الحرية وعن حمايتها، في الوقت ذاته أطلق مجموعة من الفلسطينيين هاشتاغ طالبوا فيه بوقف النشر في فيسبوك لمدة ساعتين فقط من الخامسة حتى السابعة يوم 9/1/2021 ورجوا التضامن معهم، احتجاجًا على إغلاق فيسبوك عددًا من الصفحات العامة والخاصة لناشطين يفضحون فيها انتهاكات إسرائيل بحق أبناء شعبهم، وذلك بهدف تغييب الرواية الفلسطينية بالتواطؤ أو بالاتفاق مع نتنياهو الذي أبدى عددًا غير قليل من المرات انزعاجه من فيسبوك فلسطين. فقد قام فيسبوك بتقييد وصول المنشورات الفلسطينية التي تفضح تلك الانتهاكات بنسبة تتجاوز الـ 50%، كما أنه أضاف خوارزمية لحذف كلمات متعلقة بفلسطين.

لا يمكن التشكيك بالديمقراطية الأمريكية وبنزاهة الانتخابات كما فعل ترامب وأنصاره، فهذه ليست حرية تعبير، بل كراهية

لا نبحث، ولا ينبغي لنا، عن أية علاقة بين الأمرين: إغلاق حسابات ترامب وإغلاق حسابات فلسطينة والتضييق عليها، فحسابات ترامب والحسابات الفلسطينية تظهران على طول الخط كحسابات متعادية، وهي كذلك حقًا، لكن يمكن اكتشاف أمر واحد خطر بنسبة كبيرة، هو وضع حدود لحرية التعبير في العالم.

اقرأ/ي أيضًا: أمل جديد لترامب.. 45 نائبًا جمهوريًا يصوتون ضد مساءلته قبل أن تبدأ

هذه الحدود يفرضها سيستم System عالمي يعمل بدقة ويتحكم في توازن العالم ليبقى ضمن حدود السيطرة وضمن ما يجعله ويُبقيه-كسيستم- متوازنًا ومهيمنًا، ومن ضمن ذلك يضع حدودًا لتعبير الناس تحت سقف لا يُسمح بتجاوزه، مثلًا: لا يمكن التشكيك بالديمقراطية الأمريكية وبنزاهة الانتخابات كما فعل ترامب وأنصاره، فهذه ليست حرية تعبير، بل كراهية. ويجب ضبط التعبيرات الفلسطينية عن انتهاكات إسرائيل، وضبط الرواية الفلسطينية عن نفسها، مع السماح الواسع والمروَّج لرواية إسرائيل عن نفسها وعن فلسطين، وصولًا إلى إنهاء التعبير الفلسطيني، وحذف فلسطين (خوارزمية جديدة لحذفها). في الوقت نفسه ثمة جريمة مدانة دوليًا هي معاداة السامية، الأمر الذي يجعل حتى من التساؤل إزاء إسرائيل كدولة يهودية/ دينية جديدة في العالم ومسموح بها خلافًا لكل الرفض العالمي لأية دولة دينية جريمةً، وقد اعتبرتها وسائل التواصل الاجتماعي كذلك أيضًا. اتسع الأمر في بعض البلدان كفرنسا لاعتبار الكلام عن الصهيونية معاداة للسامية أيضًا، ولعل وسائل التواصل تعتبرها هكذا بعد فترة!

لقد ساوت وسائل التواصل بين تعبيرات ترامب التي تعتبرها تعبيرات كراهية وفتنة وبين تعبيرات فلسطينية تعتبرها تعبيرات كراهية وفتنة أيضًا! ثمة من فرح بإغلاق حسابات ترامب، وقد وجد نفسه محرجًا أمام إغلاق الحسابات الفلسطينية، فالأمر يتعلق بحدود لحرية التعبير تقررها شركات "خاصة؟" متوائمة مع ما تريده قوى التحكم والهيمنة! المسألة لا تتعلق بالموقف من ترامب وسياساته، بل بلجوء تلك الوسائل إلى أن تكون جزءًا متحكمًا في السيستم System، فكما أن ثمة قوى عسكرية واقتصادية عملاقة تتحكم في الواقع المادي (الأرضي)، ثمة قوى عنكبوتية (سرطانية) تتحكم في الواقع الافتراضي، ما يشير إلى احتكار الفضاء العام من جهاته كلها، وبأبعاده كلها، وإقرار ما هو مناسب وما ليس مناسبًا لسياسات القوة والتحكم والمراقبة.

قال المفوض الأوروبي تيري بريتون إن إيقاف حسابات ترامب كشف "هشاشة أنظمتنا الديمقراطية"، وتخوف من التهديد الذي تمثله تلك الشركات التكنولوجية على الأنظمة

ثمة تساؤلات كثيرة أطلقها مهتمون ومتابعون عن السبب الذي جعل تلك المنصات الرقمية تغلق حسابات ترامب وتُبقي على حسابات أشخاص وجهات ودول متهمة بالإرهاب، وتحظى بنوع من الإجماع العالمي على تلك التهمة. ويمكن أن تكون الإجابة في أن نظام التحكم يجب أن يكون لديه عدوًّا حاضرًا باستمرار، يتخذه ذريعة لتحكمه وتدخله وضبطه كلما وجد ضرورة لذلك. أما ترامب فليس عدوًا، إنه خصم غليظ وجلف ويمكن أن يهدد السيستم، يجب التعامل معه سياسيّا وقانونيًا لإبعاده عن الفضاء المادي، ويجب حذفه تكنولوجيًا لإبعاده عن الفضاء الافتراضي، وحتى لو تم النظر إليه في مرحلة ما بوصفه عدوًا، فهو عدو داخلي،أمريكي، يهدد السيستم فيجب إبعاده وحذفه نهائيًا.

اقرأ/ي أيضًا: فايننشال تايمز: هل يصبح فيسبوك "تويتر" ترامب الجديد؟

لقد قال المفوض الأوروبي تيري بريتون إن إيقاف حسابات ترامب كشف "هشاشة أنظمتنا الديمقراطية"، وتخوف من التهديد الذي تمثله تلك الشركات التكنولوجية على الأنظمة. واعتبر أنه مثلما فعلت هجمات 11 أيلول/سبتمبر من وضع نموذج للأمن العالمي، كذلك تفعل شركات التواصل في "أنظمتنا الديمقراطية". لكن ما فات المفوض الأوروبي أن تلك الشركات لا تعمل مستقلة عن السيستم System الذي يروم وضع حدود سلوكية للعالم، بل تعمل ضمنه، بوصفها المتحكمة بالفضاء الرقمي/ الافتراضي كامتداد للتحكم بالفضاء المادي (الأرضي).

 

اقرأ/ي أيضًا:

تويتر يعلّق حساب ترامب بشكل نهائي والأخير يتوعّد بإنشاء "منصّة خاصة"

أيام أخيرة معدودة لترامب في البيت الأبيض.. وعلى السوشال ميديا