حدود السلطة ومعنى الدولة الجديدة
14 سبتمبر 2026
ثمة سؤال يسبق كل الأسئلة التي تُطرح حول الدولة في سوريا الجديدة: ما الذي نريده من الدولة أصلًا؟ يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يخفي وراءه خلافًا عميقًا حول معنى السلطة وموقع الإنسان منها. ففي المجتمعات التي خرجت من تاريخ طويل من الحكم الشمولي المركزي، تميل الدولة إلى أن تبدو شيئًا أكبر من مؤسساتها: حضورًا يملأ المجال العام، ومرجعية تتسلل إلى السياسة والتعليم والثقافة والأسرة والسلوك الشخصي. ومع الزمن يصبح هذا الامتداد مألوفًا إلى درجة أن الناس يتوقفون عن السؤال عن مصدره. تتحول السلطة إلى عادة، والعادة إلى حق مفترض، ثم يصبح من الطبيعي أن تسأل الدولة عن أشياء لم يكن ينبغي أن تكون من اختصاصها منذ البداية.
من هنا تبدو قضايا مثل تحديد شكل اللباس أو الدعوة لضبطه، في ظاهرها تفصيلًا اجتماعيًا صغيرًا، لكنها تكشف عن سؤال شديد العمق يتعلق بمفهوم الدولة نفسه. ماذا يعني أن تسمح الدولة أو تغض نظرها عن محاولات التدخل في الهيئة التي يظهر بها الإنسان؟ وما الذي يجعل اختيارًا متعلقًا بالجسد شأنًا سياسيًا؟ ومن أين تأتي شرعية تحويل ذوق اجتماعي أو تصور ديني أو معيار أخلاقي إلى قاعدة ملزمة لجمهور كامل؟ هذه الأسئلة تضعنا أمام منطقة أكثر اتساعًا تتعلق بالسيادة على الجسد، وحدود المجال العام، والعلاقة بين القاعدة القانونية والقيمة الاجتماعية.
علمتنا سير الأوّلين أن كل مجتمع ينتج معاييره الخاصة. وهذه المعايير تتكون عبر الدين والتاريخ والعائلة والتعليم والمدينة والريف والذاكرة الجمعية. وقد تكون شديدة الرسوخ، إلى درجة تجعل الخروج عليها أمرًا مثيرًا للدهشة أو الاستهجان. هذا أمر طبيعي في الحياة الاجتماعية. فالناس يحتاجون إلى منظومة من الرموز والعادات كي يمنحوا حياتهم معنى، ويحتاجون أيضًا إلى القدرة على تعديلها مع تغير الزمن. لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي تنتقل فيها ضمن مجتمع متنوع مثل سوريا، قيمة اجتماعية من كونها معيارًا ثقافيًا إلى كونها أمرًا قانونيًا، لأن القانون يمتلك وراءه سلطة العقوبة. وعندها يتحول الاختلاف من مسألة اجتماعية إلى مسألة سيادية.
هذه النقلة تستحق تدقيقًا أكبر. حين يختلف شخصان حول لباس أو مظهر أو طريقة حياة، فإن المجتمع يمتلك أدوات هائلة للتأثير: التربية، النقاش، الإقناع، القدوة، النقد، الاستحسان، وحتى المقاطعة الاجتماعية. أما الدولة فتملك شيئًا مختلفًا في طبيعته: القدرة على إلزام الجميع بقاعدة واحدة. لذلك ينبغي أن يكون الانتقال من العرف إلى القانون محكومًا بمبررات صارمة، لأن الدولة عندما تُقنّن قيمة ما فإنها تمنحها قوة لم تكن موجودة فيها قبل النص عليها بقانون، فتتحول الفكرة من رأي في المجتمع إلى معيار يترتب على مخالفته أثر عقابي.
تبدو قضايا مثل تحديد شكل اللباس أو الدعوة لضبطه، في ظاهرها تفصيلًا اجتماعيًا صغيرًا، لكنها تكشف عن سؤال شديد العمق يتعلق بمفهوم الدولة نفسه. ماذا يعني أن تسمح الدولة أو تغض نظرها عن محاولات التدخل في الهيئة التي يظهر بها الإنسان؟
الدولة الأبوية
هذه هي النقطة التي تجعل مفهوم الدولة الأبوية خطرًا في المجتمعات الانتقالية. فالدولة الأبوية تتعامل مع المواطن بوصفه شخصًا يحتاج إلى إدارة خياراته، وتفترض أن السلطة تعرف مصلحته أكثر منه. وقد تأتي الوصاية في صورة دينية أو أخلاقية أو أمنية أو اجتماعية، وتتبدل لغتها بحسب المرحلة السياسية، فيما يبقى جوهرها واحدًا: توسيع اختصاص الدولة من حماية الإنسان إلى توجيه حياته. وحين تستقر هذه الفكرة، يصبح من السهل انتقال السلطة من سؤال السلوك العام إلى سؤال المظهر، ومن المظهر إلى الذوق، ومن الذوق إلى الحياة الخاصة.
الوصاية تبدأ غالبًا من منطقة تبدو بريئة. فالمجتمع يريد حماية ما يَفترض أنه قيمه، والدولة تريد الحفاظ على الانضباط، والأسرة تريد حماية أبنائها، والجماعة تريد صون هويتها. ولكل واحد من هذه الدوافع مشروعيته في سياقه الخاص. لكن اجتماعها داخل مؤسسة رسمية أو شبه رسمية يمنحها قوة مختلفة. فالدولة تستطيع أن تحوّل الرغبة في حماية القيمة إلى إلزام عام، وأن تجعل تعريف جماعة معينة للفضيلة قاعدة يتعين على الجميع احترامها. وهنا تتغير طبيعة المسألة: يصبح السؤال متعلقًا بمن يملك حق تعريف الحياة العامة نفسها.
تقوم الدولة الحديثة على فكرة أكثر تعقيدًا من مجرد وجود سلطة عليا. إنها محاولة لبناء مساحة مشتركة بين بشر مختلفين. هؤلاء لا يشتركون بالضرورة في الدين أو الذوق أو العادات أو تصورهم للحياة الجيدة، لكنهم يتشاركون الطرق والمدارس والمحاكم والأسواق والجامعات والمؤسسات. ولذلك فإن وظيفة الدولة السياسية تتصل قبل كل شيء بإدارة الاختلاف داخل إطار قانوني واحد. وكلما ارتفع منسوب التنوع داخل المجتمع، ازدادت الحاجة إلى قواعد عامة تضمن التعايش، وازدادت في الوقت ذاته حساسية استخدام القانون لفرض تصور واحد عن الحياة.
من هنا تأتي قيمة مفهوم المجال العام. فالشارع ملك للجميع، والمؤسسة العامة ملك للجميع، والمدرسة العامة مساحة مشتركة، والمحكمة فضاء للعدالة، والإدارة جهاز لخدمة المواطنين. هذه الأماكن تحتاج إلى قواعد تنظم استخدامها وتحمي حقوق الموجودين فيها. لكن المجال العام لا يعني أن الدولة تمتلك كل ما يحدث داخله. فوجود الإنسان في الشارع لا يسقط عنه شخصيته الفردية، ولا يحوّل تفاصيله إلى ملكية عامة، ولا يجعل اختياراته الشخصية قابلة للإدارة الحكومية لمجرد أنها مرئية. فالمرئي ليس بالضرورة عامًا بالمعنى السياسي، وهذه واحدة من أهم الأفكار التي تحتاج المجتمعات الخارجة من السلطوية إلى استعادتها.
لكن ثمة مستوى أكثر خفاءً في علاقة الدولة بالمجتمع يبدأ بعد القانون وقبل المنع. إنه مستوى اللغة التي يُصاغ بها الجو العام. فالإنسان لا يعيش فقط داخل القواعد التي تُفرض عليه، وإنما داخل شبكة من الكلمات التي تحدد له ضوابط معينة، أحيانًا من دون أن يشعر: ما الذي يبدو طبيعيًا وما الذي يبدو شاذًا، ما الذي يستحق الاحتفاء وما الذي يستدعي الخجل، وما الذي يمكن فعله في العلن وما الذي ينبغي أن يبقى بعيدًا عن الأنظار. عند هذه النقطة يتحول الجو العام من مجرد مساحة مشتركة إلى حالة ذهنية يعيش فيها الناس ويتخذون قراراتهم من داخلها. قد لا يصدر قرار واضح وجازم بالمنع، لكن شيئًا ما يبدأ بالتحول إلى "منكر" في الوعي العام؛ وقد لا يُسن قانون، لكن الناس يتعلمون مسبقًا أن بعض الخيارات ستجعلهم موضع ريبة أو اتهام. هكذا تعمل السلطة الاجتماعية في أكثر صورها نعومة: تجعل الإنسان يراقب نفسه قبل أن يراقبه أحد.
شهد السوريون شيئًا من هذا الالتباس في النقاش حول الحفلات الموسيقية التي أُقيمت خلال معرض دمشق الدولي، عندما ظهرت أصوات تصف هذه الفعاليات بأنها "منكر". المسألة هنا تتجاوز الحفلة نفسها، لتصل إلى سؤال أعمق يتعلق بتسمية الأشياء: من يملك أن يقول إن هذا احتفال ثقافي، وإن ذاك سلوك مرفوض؟ من يقرر أن الموسيقى جزء طبيعي من المجال العام أو أنها خروج عليه؟ ومتى يصبح الحكم الأخلاقي الخاص موقفًا عامًا يُطلب من الدولة أن تتبناه؟ هذه الأسئلة قد تبدو هامشية أمام الملفات الكبرى، لكنها في الحقيقة تختبر جوهر الحياة العامة: هل المجال العام مساحة تتسع لتعدد الأحكام، أم أنه لا يستقر إلا بعد أن ينتصر تعريف واحد للخير والشر والمقبول والممنوع؟ وربما يخوض السوريون اليوم معركة غير معلنة حول هذه النقطة تحديدًا؛ معركة على حق تسمية الأشياء قبل تنظيمها، لأن من يملك الاسم يستطيع، في كثير من الأحيان، أن يحدد المصير الذي يأتي بعده. وحين يصبح وصف فعل ما بأنه "منكر" كافيًا لإنتاج شعور عام بأنه يجب أن يتوقف، نكون أمام سلطة تتشكل في الوعي قبل أن تظهر في القانون. وهنا تصبح مهمة الدولة أكثر دقة: أن تحمي المجال الذي يختلف فيه الناس، حتى حول معنى الخير العام نفسه، وأن تترك الحكم الأخلاقي للمجتمع ما دام لم يتحول إلى إكراه أو اعتداء. فالمجتمع الحر لا يحتاج إلى اتفاق مسبق على كل ما هو جميل أو لائق أو فاضل، بل يحتاج إلى قاعدة تسمح بالاختلاف من دون تحويله إلى أداة إقصاء.
اللباس مثال واضح على ذلك، لأنه مرئي بطبيعته. وقد يؤدي هذا الظهور إلى وهم سياسي: ما دام الشيء ظاهرًا في المجال العام فهو قابل للتنظيم من قبل الدولة. وهذه مغالطة خطيرة. فكثير من الحقوق الفردية تُمارس علنًا من دون أن تصبح ملكًا للدولة. الإنسان يختار لغته وأسلوبه ومظهره وميوله الثقافية وطريقة تعبيره، ويظهر بهذه الاختيارات أمام الآخرين. وظيفة القانون هنا تتعلق بحماية قدرة الجميع على ممارسة حقوقهم، وبمنع الإكراه والتمييز والعنف، مع ترك أوسع مساحة ممكنة للاختيار الشخصي.
تظهر هنا فكرة السيادة على الذات، وهي من أكثر الأفكار أهمية في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن. فلا يمكن للدولة أن تكون مجرد سلطة فوق الفرد؛ هناك مساحة من حياة الإنسان تظل مرتبطة بكيانه الشخصي، وتحتاج إلى حماية قانونية من تدخل الآخرين ومن تغوّل المؤسسات. الجسد أحد أبرز هذه المجالات، وكلما كان القرار متعلقًا به مباشرة، احتاج التدخل العام إلى مستوى أعلى من التبرير، لأن السلطة في هذه الحالة تقترب من أكثر المناطق التصاقًا بفردية الإنسان.
وقد تمتد القضية إلى الأدب واللغة والاختيارات الثقافية والذوق الفني وبعض تفاصيل العلاقات الاجتماعية. وكل مجتمع يضع، بصورة تلقائية، حدودًا لما يعتبره مقبولًا أو غريبًا، وهذه الحدود تتغير باستمرار حتى لو بدا المجتمع ثابتًا. والراسخ في العلوم الإنسانية أن التاريخ الاجتماعي سلسلة من أشياء كانت غريبة ثم أصبحت مألوفة، وأخرى كانت مألوفة ثم اختفت. وبطبيعة الحال، فإن تدخل الدولة في هذه الحركة الطبيعية يحمل خطر تجميد المجتمع عند لحظة واحدة وتحويل تصور تاريخي مؤقت إلى قاعدة دائمة.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن الأكثرية نفسها قد تحتاج إلى حماية من الدولة. تبدو العبارة غريبة، لكنها أساسية. فالأغلبية تستطيع أن تعيش وفق قيمها عبر وزنها الثقافي والاجتماعي، بينما يمتلك القانون قدرة مختلفة على إقصاء المختلف. ولذلك فإن الدولة الدستورية لا تعمل وفق مبدأ أن ما تريده الأكثرية يصبح قانونًا بصورة مطلقة. إرادة الأغلبية تمنح الحكم شرعيته السياسية، لكنها تعمل داخل إطار يحمي الحقوق الأساسية. وهذا القيد هو الذي يحوّل الدولة إلى نظام يستطيع فيه الإنسان أن يحتفظ بجزء من حريته حتى عندما لا ينتمي إلى الأكثرية.
في سوريا، تصبح هذه الفكرة شديدة الحساسية بسبب التاريخ الطويل الذي جعل الدولة مركزًا للسياسة والمجتمع معًا. إعادة بناء الدولة تعني إعادة توزيع المساحات: مساحة للمؤسسات، ومساحة للمجتمع، ومساحة للأسرة، ومساحة للفرد. وإذا لم تحدث هذه العملية بوعي، يمكن أن تتغير السلطة بينما يبقى منطق السيطرة على المجال العام قائمًا. قد تتبدل لغة الخطاب، لكن العلاقة الأساسية تبقى: المواطن ينتظر الإذن، والمؤسسة تقرر، والسلطة تحدد ما هو مقبول. عندها يكون التغيير قد مسّ رأس الهرم أكثر مما مسّ البنية التي تربط الدولة بالناس.
سوريا والعقد الاجتماعي الجديد
العقد الاجتماعي الجديد الذي تحتاجه سوريا ينبغي أن يبدأ من اعتراف متبادل: المجتمع يمنح الدولة شرعيتها، والدولة تمنح المجتمع إطاراً آمناً للاختلاف. هذا العقد لا يطلب من الناس أن يتخلوا عن قيمهم، ولا يطلب من الدولة أن تتخلى عن مسؤوليتها. إنه يضع لكل طرف حدوداً تمنع تحوله إلى قوة مطلقة. الأسرة لها مجالها، والمؤسسة الدينية لها مجالها، والمجتمع الأهلي له مجاله، والفرد له مجاله، والدولة لها مجالها. وحين تختلط هذه الدوائر بحيث تستطيع إحداها ابتلاع الأخرى، يبدأ الاختلال السياسي حتى لو بدا المشهد مستقراً في داخله.
الدولة التي تستحق أن تُبنى في سوريا هي الدولة التي تعرف قيمة سلطتها لأنها تعرف حدودها: تفرض القانون حيث تكون هناك حقوق تحتاج إلى حماية، وتستخدم القوة حيث يظهر الإكراه والعنف، وتترك للمجتمع قدرته الطبيعية على إنتاج الثقافة والقيم والمعاني
قد يبدو الحديث عن هذه الحدود ترفاً فكرياً في بلد يعيش أزمات أمنية واقتصادية وسياسية هائلة، لكنه في الحقيقة جزء من صلب إعادة البناء نحو المستقبل المنشود. الدول لا تتأسس فقط بالدساتير والمؤسسات، وإنما تتأسس أيضاً عبر التفاصيل التي يتعلم فيها المواطن أن يعرف حقوقه، وتتعلم فيها السلطة حدود اختصاصها. لحظة تقول فيها مؤسسة عامة لمواطن: هذا شأنك، لا شأن لنا به، قد تكون أكثر دلالة على التحول الديمقراطي من عشرات الخطب السياسية. فالدولة الحديثة تُظهر قوتها أحياناً عبر قدرتها على ترك الناس وشأنهم.
ولهذا فإن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يرافق سوريا في مرحلتها الجديدة هو: أي نوع من الدولة نريد أن نبني؟ دولة تنظر إلى المجتمع كمادة تحتاج إلى تشكيل مستمر، أم دولة تنظر إليه كنسيج حي متعدد الاتجاهات يحتاج إلى قانون يحميه؟ دولة تقيس نجاحها بدرجة امتثال الناس لتصوراتها، أم دولة تقيسه بقدرة مواطنيها المختلفين على العيش تحت قواعد واحدة؟ والفرق بين النموذجين يتجاوز السياسة اليومية، إنه فرق في فلسفة الحكم وفي صورة الإنسان التي تقف خلف الدولة.
الدولة التي تستحق أن تُبنى في سوريا هي الدولة التي تعرف قيمة سلطتها لأنها تعرف حدودها: تفرض القانون حيث تكون هناك حقوق تحتاج إلى حماية، وتستخدم القوة حيث يظهر الإكراه والعنف، وتترك للمجتمع قدرته الطبيعية على إنتاج الثقافة والقيم والمعاني. وفي المساحات التي لا تستدعي تدخلاً عاماً، يصبح الانسحاب الحكيم فعلاً سياسياً بالغ الدلالة. هناك، يبدأ المواطن في اكتشاف معنى أن تكون له دولة: دولة تحمي المساحة التي يعيش فيها، ثم تعرف أن جزءاً من كرامته يكمن في أن تظل تلك المساحة ملكاً له.
وربما تكمن واحدة من أكثر صور السلطة التباساً في أن تتحدث الدولة من خارج مؤسساتها. إذ تظهر الرسالة أحياناً في صورة رأي أو نصيحة اجتماعية أو دعوة إلى التهدئة، لكنها تحمل في خلفيتها تصوراً لما ينبغي أن يفعله المجتمع. هنا يصبح المتحدث جزءاً من مساحة رمادية بين الدولة والمجتمع: لا يبدو موظفاً رسمياً، ولا يُقر بذلك، ولا تصدر عنه بالضرورة تعليمات حكومية، لكن حضوره المتكرر والموضوعات التي يختارها والحدود التي يرسمها للمقبول يمكن أن تنتج أثراً قريباً من أثر الخطاب الرسمي. وهنا يمكن الإشارة إلى ما يطرحه بعض المدافعين عن الدولة الجديدة في سوريا من دعوات إلى المهادنة أو التسليم بأن بعض التحولات الاجتماعية أمر واقع ينبغي قبوله. لكنها تصبح إشكالية حين تتحول إلى وسيلة لإعادة تعريف المجتمع عبر متحدثين لا يملكون تفويضاً واضحاً لهذه المهمة. فالدولة هنا لا تصنع قانوناً، بل تصنع مناخاً اجتماعياً حوله، وتترك للآخرين مهمة قول ما يصعب عليها قوله مباشرة.
والأخطر في هذا النوع من الخطاب أن حدوده لا تكون واضحة حتى لأصحابه. فالسياسة حين تمر عبر لغة حمّالة أوجه تستطيع أن تتخفى داخل مفردات تبدو حميدة في ذاتها. فالمهادنة قيمة في سياق، وقد تصبح تنازلاً عن المجال العام في سياق آخر. والتعايش فضيلة حين يكون متبادلاً، وقد يتحول إلى مطالبة طرف واحد بالتكيف الدائم مع طرف آخر. لذلك فإن السؤال السوري الأهم لا يتعلق بشخص المتحدث وحده، بل بالبنية التي جعلت صوته ضرورياً: لماذا تحتاج الدولة إلى أصوات اجتماعية تقول بالنيابة عنها ما لا تريد قوله صراحة؟ ومتى يصبح استخدام هذه الأصوات شكلاً من أشكال الحكم غير المباشر؟ في الدولة التي ما زالت تعيد تعريف علاقتها بالمجتمع، ينبغي أن يكون هذا الحد واضحاً، لأن المواطن يحتاج إلى معرفة مصدر السلطة كي يستطيع مساءلتها. أما حين تتوزع الرسائل بين الرسمي وشبه الرسمي والاجتماعي، فإن المسؤولية تتشتت، ويصبح من الصعب معرفة أين ينتهي رأي الفرد وأين تبدأ هندسة السلطة للمجال العام.
ربما تتيح اللحظة الانتقالية فرصة نادرة لإعادة رسم الحدود، لكنها تحمل في الوقت نفسه إغراءً معاكساً يتمثل في إعادة إنتاج عادات السلطة القديمة بأدوات جديدة، وجعل الضرورات السياسية والاجتماعية جسراً للسيطرة على حياة المواطنين. وربما تكون الدولة السورية الجديدة أمام امتحانها الحقيقي في تلك المساحات التي تستطيع الوصول إليها ولا تصل، فتترك هامشاً أساسياً في تحديد معنى جوهري لمفهوم المواطنة. وفي هذه الخطوة تبدأ الدولة فعلاً في بناء كيان حديث يعرف أن هيبته لا تأتي من حضوره في كل تفاصيل الحياة، بل من معرفته أين تنتهي يده وأين تبدأ حرية الإنسان. سوريا التي تحتاج إلى إعادة البناء ليست بحاجة إلى سلطة تراقب المجتمع من الداخل، بل إلى دولة تحكم بالقانون، وتحمي بالعدل، ثم تترك للمجتمع مساحة كافية كي يكون متحركاً ومتفاعلاً مع ذاته ومع محيطه.