منى كراري/ تونس

منازل

عندما وصلنا إلى فرنسا، تعرّفنا في الشارع على رجلٍ سوري، قال لنا بأنه مضى على وجوده في فرنسا أكثر من ثلاثين عامًا. في الحقيقة عندما سمعناه يتكلم اللهجة السورية على بعد أمتارٍ منا هرعنا إليه بعد أن زقزقت عصافير أدمغتنا من الفرح. شعورٌ مشابه ربما عندما عثرت علينا البحرية الإيطالية في وسط البحر، وفورًا سألناه هل أنت سوري؟ 

مشينا إلى الحديقة وشرحنا له، أنا وزوجتي، عن رحلتنا في البحر وكيف وصلنا إلى فرنسا بعد أن ركبنا قطارًا دون أن نعرف وجهته أو حتى نشتري تذاكر الرحلة. ووصلنا إلى هذه المدينة التي لا نعرف اسمها حتى. رحب بنا السيد وقام بالاتصال فورًا بالصليب الأحمر الذي بدوره وجد لنا مكانًا لننام فيه.

في اليوم التالي أخبرناه عن نيتنا باستئجار مكان صغير ريثما تعالج الحكومة ملفات لجوئنا، ويصبح بإمكاننا الحصول على مكان، فشرح لنا عن صعوبة هذه الأمر بل واستحالته أيضًا، وقال إن علينا أن نصبر في هذا المكان ريثما نحصل على إقامة مؤقتة حتى يتسنى لنا استئجار مكان ما.

بعد عدة أيام طلب منا الصليب الأحمر مغادرة الغرفة، اتصلنا بالسيد فطلب منا أن نلاقيه عند مركز المدينة قبل أن يقول لنا إن هناك سيدة فرنسية لديها غرفة للإيجار، وإنه استطاع إقناعها بتأجيرنا إياها لوقتٍ قصير. ذهبنا لنقابل السيدة التي كانت تدعى بريجيت، وانتقلنا إلى الشقة الصغيرة، غادرنا المدينة قبل أيام بعد أن نفدت نقودنا واستحال البقاء ليوم إضافي كما قالت السيدة وترجم السيد.

ومن حسن حظنا أن المنظمة المسؤولة عن ملفنا أخبرتنا أن هناك منزلًا في مدينة قريبة وهو متوفر لنا ويمكننا الانتقال إليه. وهناك تعرفنا على سوري آخر عندما عرف أننا أتينا من هناك، سألنا إن كنا قد قابلنا خاله فلان وزوجته بريجيت، وشرح لنا بكل فخر كيف استطاع خاله أن يبني حياته العقارية من الصفر، وأصبح يملك هو وزوجته أكثر من ربع منازل تلك المدينة الصغيرة.

 

نحن السبب

في تلك المدينة أقمنا في نُزل خاص بالعائلات، في البداية كان من الصعب عليّ أن أراقب بناتي طيلة الوقت، ولم أستطع سوى أن أطلب منهن البقاء قريبات مني وأن أنتظر ريثما نحصل على مكان أستطيع فيه أن أرتب أوضاع عائلتي من جديد.

إنهن مسؤوليتي. الآن هن خمس فتيات. تخيل! تزوجت وأنا في الخامسة عشرة من عمري، وأنا الآن في السابعة والثلاثين ولديّ هذه القبيلة المؤلفة من خمس فتيات وصبي. أختي ما زالت في مخيم الزعتري هي وابنتاها وزوجها الذي يريد أن يزوج إحداهن لثري من الكويت. الحمدلله الذي نجوت ببناتي. 
- صحيح كيف حال أخواتك؟
- الحمدلله، الكبيرة تزوجت ولا تزال في دمشق، والصغيرة أبحث لها عن طريقة لأحضرها إلى هنا.
- وأخيرًا تزوجت إحداهن. فوبيا العنوسة والخوف من شماتة الناس خلق لأمك أمراضًا لا تنتهي.
- هل ترى تلك الشقة في الطابق الخامس، جاري الألماني انتحر قبل أسبوع. لا أحد يعرف لماذا، ابنتي الصغيرة قالت مازحة بأننا السبب.

 

الخيار الأخير

لم تفهم مدام لور كل ما حكته أم علي، فلم تكن تتوقع أن في جعبة أم علي كل تلك القضايا التي ترغب بنقاشها معها، خاصةً وأن تلك الزيارة كانت الأولى لعائلة أم علي منذ وصولهم إلى المدينة قبل ستة أشهر. أما علي فقد جلس عاجزًا بلغته الفرنسية البسيطة عن ترجمة كل ما قالته أمه، محاولًا تارةً الاستعانة باللغة الإنجليزية لسد الكثير من الثغرات التي خلفتها ترجمته في المعنى.

أم علي التي كانت تقطع الكوسة، وجدت نفسها أمام مشكلة حقيقية في إيصال أفكارها بعد أن سألتها مدام لور بإنجليزية تفهم بعضها أم علي "هل أنتِ مشغولة؟"، فأجابت أم علي بخمسة مواضيع متتالية بدأتها بالكوسة الفرنسية الكبيرة وعن عجزها عن حفرها وندرة وجود كوسة كتلك التي في سوريا، وعندما عجزت عن تذكر اسم الخيار طلبت من علي أن يحضر الخيارة من الثلاجة، ثم أمسكتها وسألت مدام لور بالجملة الفرنسية الوحيدة التي تجيدها :Qu'est-ce que ce est؟، أيّ ما هذا؟ وتابعت أم علي القول، اتس بيغ بيغ خيار، أي نيد ون ويك. قبل أن تتبادلا الضحكات بصوتٍ عالٍ. وتنظر أم علي لابنها وتقول: قوم اطلع برا يا مفضوح، ناقص تضحك أنت كمان، شو مقعدك بين النسوان. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

شؤم الأرض

الحرب دموعها خشنة